رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الملك يريد أجازة

طاهر عبدالرحمن
31/12/2017 12:49:54 ص
فى أواخر شتاء عام 1952 كان الوضع السياسى والأمنى فى مصر معقدا ومتشابكا لدرجة مخيفة،حتى أنه بدا لكثيرين (من بينهم "حافظ عفيفى" رئيس الديوان الملكى) ان حكم أسرة "محمد على" يعيش أيامه الأخيرة. فى ذلك الوقت كانت بضعة شهور قد مرت على كارثة حريق القاهرة التى أعقبت المجزرة التى إرتكبتها قوات الإحتلال الإنجليزى بحق قوات "بلوك النظام" (الأمن المركزى وقتها) ومانتج عن ذلك من قيام الملك "فاروق" بإقالة حكومة الوفد وتكليف "على ماهر" (باشا) برئاسة الوزارة،ثم أقاله بعد شهر ونصف وتكليف "نجيب الهلالى" (باشا) الذى قبل رئاسة الحكومة بعد ضغوط كثيرة مورست عليه،وبعد أن أخذ وعدا صريحا من الملك بعدم تدخل غير السياسيين فى أمور الحكم وفى عمل الوزارة(وكان يقصد حاشية "فاروق"). و" الهلالى" سياسى مخضرم وذو تاريخ طويل فى العمل السياسى والوطنى فى فترة مابين الثورتين،وكان طول عمره وفديا مخلصا،لكنه قرر عام 1950 إعتزال العمل السياسى كله بعد تدهور أحوال الوفد (وتلك قصة أخرى طويلة) وإكتفى بالعمل فى مجال تخصصه وهو المحاماة. إختار "الهلالى" شعار "التطهير قبل التحرير" عنوانا لبرنامج حكومته،وبالفعل بدأ فى محاربة الفساد المستشرى فى الدولة وكانت أولى محاولاته وقف المضاربة على أسعار القطن فى البورصة (والقطن عصب الإقتصاد المصرى وقتها) لكنه تراجع مرغما عندما عرف أن أكبر المضاربين هو "إلياس أندراوس" المستشار المالى ل"فاروق" وكان يضارب لحساب الخاصة الملكية. ثم حاول أن يواجه ويحجم نفوذ كبار رجال المال فى السيطرة على مفاصل الإقتصاد والدولة،ويضرب إحتكاراتهم،وإختار المليونير "أحمد عبود" (باشا) محتكر صناعة السكر فى مصر وبدأ يطالبه ب5 ملايين جنيه ضرائب متأخرة عليه. فى ذلك الوقت كان الملك "فاروق" يطلب من رئيس وزرائه تأجيل الإنتخابات النيابية لما بعد أجازات الصيف لأنه كان يخطط لتقضية ثلاثة أشهر (الصيف كله) فى أوروبا نظرا لأن سنة 52 كانت "سنة مقرفة" عليه،ولكن مالم يخبر به "فاروق" رئيس حكومته أنه طلب من مستشاره المالى تدبير مبلغ مليون فرنك سويسرى بأى شكل وبأى طريقة لتغطية نفقات أجازته الصيفية وحتى لايضطر للصرف من أمواله الخاصة،أو من حسابات الخاصة الملكية. وعلم رجل الأعمال "عبود" (باشا) بطلب الملك وهنا عرض صفقته : فهو سيدفع المبلغ المطلوب بشرط إقالة الحكومة والكف عن مطالبته بالضرائب المتأخرة،وتعيين صديقه "حسين سرى" (باشا) رئيسا للوزراء !!! الغريب أن "فاروق" وافق على العرض (الرشوة) وقبل الصفقة،وبالفعل أقال حكومة "الهلالى" وإختار "سرى" بديلا له،وقرر تأجيل الإجازة لأسابيع قليلة ليطمئن على عمل الحكومة،ولكن "الفضيحة" لم تتأخر طويلا. .....وفى غضون أقل من شهرين كان الملك على متن الباخرة "المحروسة" مبحرا نحو الشمال الأوروبى كما أراد وخطط - مع إختلاف بسيط هو أنه كان ملكا مخلوعا عن عرشه.
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg