رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

قصة مجنون ليلى دراسة مقارنة بين الأدبين العربي والفارسي

دكتور رمضان رمضان متولي
09/10/2017 02:50:55 م
يرى بعض فلاسفة اليونان القدامى أن الحب هو أقدم الآلهة وأفضلها فهو الذي يبعث في الإنسان الإحساس بالشرف وينمي فيه الإيثار وروح التضحية ..هذا ويفرق بعضهم بين نوعين من الحب : نوع دنيء وضيع يلبي النزعات الجنسية وهو حب النساء والحب الشاذ للغلمان , ونوع آخر شريف يخلو خلوا تاما من كل نزعة جسدية وشهوة بهيمية . وهو الحب النقي البريء . إنه ذلك الحب الذي يرتفع عن الصغائر ويتنزه عن الدنايا , إنه الحب الذي يكسب صاحبه الحكمة والمعرفة والفضيلة . كما يرون أن الحب أصل من أصول الكون وأنه منبع كل سعادة وكل خير وأن غاية الحب الجمال ؛ وأن زينته العفة وكبح النفس عن الشهوات , وأن ثمرته الأنس والألفة والصداقة . ويقولون كذلك أن هناك نوع من الحب الذي ينسب لإفلاطون ويصفونه بأنه حب علوي أحسنه ما يكون بتجربة المتصوفة عندنا وأن لهذا الحب درجات ؛ أدناها الحب الجسدي الذي يتيح للإنسان شيئا من الخلود عن طريق ذريته , إذ يحل أولاده محله, فيخلد وجوده الفاني إلى حين .. يلي ذلك الحب الحب الروحي والذي يعشق فيه المحب نفس المحبوب , وهو أرفع من حب الجسد وأكثر خلودا ؛ إذ يلقن فيه المحب محبوبه خصال الفضيلة والحكمة , تلك الخصال التي يغرسها المحبوب بدوره في معشوقه , وبذلك يكون لهذا الحب الروحي ذرية كذرية الحب الجسدي المادي , إلا أنها أكثر منها قيمة وجمالا .. وشبيه بهذا الحب الحب الروحي بين الشيخ أو القطب في الطريقة الصوفية ومريديه , فهو يجهد نفسه ليجعلهم محبوبين له, يشيعون أفكاره وتعالمه في تلاميذهم ومريدهم أو معشوقيهم , فتصبح له بذلك ذرية يفوق جمالها جمال ذرية الحب الجسدي , إذ شنان بين ذرية الدم والجسد وذرية الروح والعلاقة الروحية . وفوق هذا الحب بدرجة أو درجات الحب الإفلاطوني المثالي الذي يرقى فيه العقل فوق العالم الحسي ويرتفع عن العالم الروحي المقيد بالأشخاص والناس إلى عالم الجمال المطلق أو عالم المثال . وهذا الحب عند إفلاطون هو غاية الغايات للفيلسوف أو محب الحكمة , وهو الغاية التي ليس وراءها غاية . والفيلسوف لا يصل إلى هذه الغاية إلا بعد مجاهدات يعانيها , إذ لابد له أن يتجاوز الفرد أو الشخص الذي يتذكر بجسده أو بروحه عالم المثال إلى هذا العالم نفسه , فيتأمل مثله الأعلى فيه , ويحبه محبة تملك عليه نفسه , حتى لا يستطيع عنه حولا , أو حتى يستغرق فيه استغراقا خالصا , وهو استغراق شبيه باستغراق الصوفية عندنا في حب الذات الإلهية وكمالها المطلق . وشبيه بالحب الإفلاطوني الحب عند ابن سينا الذي أفرد للعشق رسالة قال فيها :"إن الحب نزوح إلى الكمال المنبعث عن الكمال المحض"وهو يجعله نوعين : جسدي ينشأ عن القوة الشهوانية , وهو الذي يستعان به على حفظ النوع ؛ وعقلي ينشأ من القوة النطقية لغرض القرب من المعشوق الأول" . ثم نمضي مع الزمن لنقابل ابن حزم الأندلسي في كتابه " طوق الحمامة في الألفة والألاف " فنراه يردد فكرة إفلاطون في المثل إذ يرى أن النفوس الإنسانية ترجع في أصل نشأتها إلى نفس عليا واحدة توزعت أجزاؤها في نفوس الناس , وأن هذه الأجزاء تتصل فيكون الحب , وتنفصل فيكون البغض . ويربط بين ذلك وبين قول المولى عز وجل : (هُوَالَّذِيخَلَقَكُممِّننَّفْسٍوَاحِدَةٍوَجَعَلَمِنْهَازَوْجَهَالِيَسْكُنَإِلَيْهَا... ) " سورة الأعراف آية 189", فجعل سبحانه وتعالى علة سكون الزوج إلى زوجته أنها منه ... كما يرى ابن حزم أن النفس إذا ميزت في المحبوب شطرها الذي تبحث عنه ثبتت فيه , وأنها إذا لم تميز فيه هذا الشطر فإن حبها لا يتجاوز الصورة الجسدية ويكون حب لذة ومتاع, ولا يكون حب ساميا صافيا تجد فيه النفس كما لها المنشود . ويقول آخر : " الحب ابتداؤه شغف وأوسطه اشتهاء لا ينهيه ارتواء , وغاياته اشتياق إلى رجفات البدايات , قد ينقم المحب على المحبوب فيؤلمه فإن لم يتألم معه فلا هو محب ولا محبوب .. أن تحب شخصا يعني أن تكذب كل المحيطين بك , وتصم أذنك عن كل من كنت تنصت إليهم دوما , وتخالف كل ما كنت تعتقد , ليكون المحبوب وحده هو المعتقد والمصدق والمستمع إليه .. وتلك مخاطرة غير مأمونة العواقب .. الحب فيه تحليق ونبل .. وليس فيه حقوق أو واجبات , صواب أو خطأ , إيمان أو كفر , كلما إحتدمت أحولنا واحتدت من حولنا , مثلما هو حالنا اليوم اشتد احتياجنا إلى الحب كطوق نجاه .. طريق الحب السماوي لا يبدأ إلا بالعشق الأرضي , فإن انتقل القلب إلى الأفق الأعلى , صفا من مكدرات الحال في زمن البدء , وتسما عن مشوشات الحب : الغيرة , الأنانية , وهم الامتلاك .. ومثل ذلك من أحوال الكائنات الزاحفة لا الصقور المحلقة في السماوات العلى . هذا .. وللحب عند العرب منازل ومراتب متعددة . وأول مراتبه الهوى وهو الميل إلى المحبوب , ويليه الشوق وهو نزوع المحب إلى لقائه ثم الحنين , وهو شوق ممزوج برقة , ويليه الحب وهو أول الألفة ثم الشغف وهو التمني الدائم لرؤية المحبوب , ويليه الغرام وهو التعلق بالمحبوب تعلقا لا يستطيع المحب الخلاص منه, ثم العشق وهو إفراط في الحب , ويغلب أن يلتقي فيه المحب والمحبوب , ثم التتيم وهو استعباد المحبوب للمحب , ويليه الهيام وهو شدة الحب حتى يكاد يسلب المحب عقله , ثم الجنون وهو استلاب الحب لعقل المحب . هذا .. وقد عبرت عن ذلك عزة – صاحبة كثير – حين قال لها الحجاج : والله ما أنت كما قال فيك كثير ؛ فقالت له : إنه لم يراني بالعين التي رأيتني بها , هذا .. ويزعم غير واحد أن المحب إنما يحب ذاته من خلال محبوبه , فهو لا يرى فيه إلا نفسه , وكأنه مرآة صافية له , فيحلم به وهو إنما يحلم بنفسه , ولكل محب طريقته في الحلم , ومن خلال هذا الحلم تغني المحبون بمن يحبونهم ونظموا فيهم أشعارهم الغرامية التي تبعثها تلك القوة السحرية العجيبة قوة الحب التي تعمى المحب عن رؤية أي نقص في محبوبه بل التي تجعله يضفى عليه جميع الخصال والمحاسن حتى لكأنه نسج من أشعة القمر , ولا يزال يعيش في هذا الخيال أو هذا الحلم منتشيا بشرابه الصفو الهنئ .. هذا .. ومتى تمكن الحب وبرح بصاحبه أصبح إنسانا غير عادي وأنشأ لنفسه عالما خاصا به لا يدخله إلا محبوبه وخياله مضيفا على نفسه آفاق الكون الرحبة , حتى أنها لتصبح أفقا محدودة لا تسع إلا المحبوب ثم يروح يتأمل فيه وفي جماله , وربما كان ذلك سببا في إنطواء المحب على نفسه بعد أن قاطع العالم كله وأصبح محبوبه هو كل همه لا يأنس إلا إليه وإلى ما يذيقه من رحيق حبه وحريقه . ويصبح وصل هذا المحبوب هو كمال الأماني ومنتهى الفرح والأمل والصفاء الذي لا كدر فيه . ويصبح كل فراق وكل هجر فيه إصرار من المحب على التمسك بمحبوبه , وكذلك كل عذل ولوم لا يزيده إلاشوقا وحبا لمحبوبه . هذا .. وكم شكا المحبون من العذال والرقباء والوشاة . وإنهم ليضنون ويسقمون ويطول بهم السهر والسهاد ويتعذبون أشد العذاب , وهم سعداء منتشون لا يفيقون , سعداء لكل ألم وكل عذاب .. وهم فيخدرهم صابرون صامدون حتى إذا انتهى بهم هذا السهاد وهذا الألم وهذا العذاب إلى حال من الهيام تشبه حال المجانين , كما عرفنا عن مجنون ليلى في الزمن القديم خاصة إذا تعذر عليه الزواج بمن يحب ويعشق , أما إذا سعد وفاز بالزواج بمن يحب , فإنه يعيش مع محبوبته عيشة هنية ويكون حلما ذهبيا سعيدا ليس وراءه ولا مثله حلم . صديقي القارئ : كان ذلك مقدمة ومدخلا ننفذ من خلاله إلى الحديث عن بني عذرة وما اشتهر في واديهم من حب عذري . فقد عاش بنوعذرة حياة رغدة في منطقة حافلة بالخصب والنماء ممتدة من المدينة المنورة إلى الشام , حيث يسكنون وادي القرى , وهو واد طويل ممتد بين تيماء وخيبر , تزينه الزروع والنخيل والثمار والمراعي الوفيرة التي تمهد لحياة هانئة هادئه مستقرة يتغنى بها الشعراء والقصاص بشعر وجداني في أن ليس فيه إلا أهات وزفرات العشاق والمحبين . هذا .. ولما أنعم الله على بني عذرة بالدخول في دين الإسلام تهذبت قلوبهم وطبع قصصهم بطوابع واضحة من البراءة والطهارة والصفاء والنقاء والنبل ومشاعر الحزن التي تصدر عن نفوس ملتاعة تخاف خالقها فيما يصدر عنها من قول أو عمل .. هذا إلى جانب ما تتميز به الصحراء بسكونها وصمتها في لياليها المقمرة الشاحبة , والإسلام بتعاليمه السمحة التي تربي النفوس على الخير والعفاف والصلاح , هما اللذان أعدا لظهور نوع من القصص يحوي مضامين قيمية سامية وراقية لكونها صادرة ومعبرة عن عواطف سامية راقية تفيض بها قلوب المحبين , حتى أن إمرآة عذرية بها هوى يدنيها من الموت سؤلت : ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب ؟ فقالت : فينا تعفف , والعفاف يورثنا رقة القلوب والعشق يفني آجالنا " .. ولما قيل ليلى : هذا قيس يتعذب في حبك فهل عندك شيء تنفسين به وجده ؟ قالت : ما عندي أكثر من البكاء إلى أن ألقاه في الدار الآخرة أو أزوره وهو ميت تحت الثرى . هذا .. ويرى أستاذي د . شوقي ضيف أن الحب العذري وما حفل به من وجد وآلام ومشقات هو الذي أعد فيما بعد لظهور الحب الصوفي , فقد وجد فيه الصوفية نبعا لا ينضب ولا يجف لمواجدهم إزاء الذات الإلهية وأن الحب العذري ما هو إلا حب صوفي خالص لأنه يسير في طريق لا نهاية لها ولا سبيل إلى الدنو من غاياتها إلا بإسلام الروح , وأننا لا نغلو إذا قلنا إن هذا الحب العذري هو الذي أتاح لنا هذه الثروة البديعة من الحب الصوفي السامي , وهذا ما سوف نلمسه ونحسه في تناول شعراء الفرس لقصة " مجنون ليلى " التي سنتعرض لها في هذه الدراسة . أما كتاب هذه المادة الخصبة من الحب العذري - من العرب فنزاهم – بعد أن هذب الإسلام نفوسهم وصان المرأة المسلمة وأسبغ عليها غير قليل من الكرامة والإجلال فراحوا يقدمون كل هذه المشاعر والأحاسيس النبيلة في إطار قصصي غرامي يصور إلى حد بعيد تجارب كل عاشق ممن اشتهروا بالعشق في بيئتهم , وقد حافظ القصص وحرصوا على المزاوجة الدقيقة بينه وبين الأشعار التي رويت فيه . وقد علمنا أن هؤلاء القصاص رووا أن العرب في هذا العصر الإسلامي الذي ظهر فيه ذلك الغزل العذري الملتاع الظامئ أبدا كانوا يكرهون أن يزوجوا فتياتهم من عشاقهم الذين ينظمون فيهن أشعارهم فيفضحونهم ويفضحون آباءهن وعشائرهن , وهي فضيحة كبرى لم يمكن بد من أن يعاقب عليها العاشق , فيحرم من الفوز بمعشوقته جزاء وفاقا لجريمته في حقها وحق أهلها .. وما أحدثة هؤلاء لا يتفق مع سنن الإسلام وشرائعه , فالإسلام لا يحرم الحب الطاهر العفيف الشريف وإنما يحرم الحب الأثم الخسيس . ولقد تزيد هؤلاء الرواة القصاص فيما رووه من قصص الحب العذري , فقد ذكروا لنا أن سلاطين ذلك الزمان كانوا يحكمون بإهدار دم هؤلاء الغزليين .. ومن الطبيعي أن ذلك كان مغايرا لحقائق الحياة ونظام الحكم في تلك العصور , فلم يذكر التاريخ أن حكام بني أمية أو بني العباس أهدروا دم هؤلاء الغزليين ... وإنما ذلك كان من بدع خيال القصاص الذين صاغوا هذه الأخبار , وقد دفعهم إلى ذلك أنهم فكروا أنهم يكتبون قصص للتسلية والمتعة الأدبية ورأوا في إهدار دم العاشق البدوي وتحريم المعشوقة التي تغزل بها عليه ما يحيك قصصهم الغرامي ويسند سياقه , فمهدوا إلى ذلك بقصد الحبكة القصصية . هذا .. ومن الممكن أن تدخل في هذه الغاية الفنية الخالصة ما تخيلوه من توحش مجنون ليلى حتى ألف الظباء , وعايشته , وما أكثروا من غشيان الإغماء للعشاق وكيف أنه قد يودي بحياتهم .. فكان كل ذلك كنوع من الاستعانة بخيوط خيالية أضيفت إلى النسيج الواقعي لهذه القصص الغرامية , وكان لهذه الخيط تأثير فاعل في إحكام هذا القصص وخلقت منه عملا فنيا بديعا . هذا .. وقد تحول هذا الحب العذري في بعض جوانبه إلى ضرب من التصوف المجرد من قيود المادة والحس . فلقد كان حبا حقيقيا عاشه أسلافنا العرب في عصورهم الإسلامية الأولى . كان حبا خالصا ليس فيه إثم ولا جناح ولا فسوق ولا حرج ولا خيانة ولا عار ولا خطيئة ولا ريبة , إنما كان فيه الوفاء والصفاء والعفاف والطهر والنقاء . وكان يحتفظ فيه المحبون بكرامتهم مهما ألح عليهم الحب ومهما أصطلوا من نيرانه واحتملوا من خطوبه , حتى أنهم ليموتوا شهداء في سبيله, وفيه تحتفظ الفتاة بجلالها ووقارها وعفتها مع رقة عواطفها ورهافة مشاعرها ومع البر والحنان والإشفاق , ومع العشق والصبابة والهيام . هذا .. وقد صاغ أسلافنا هذا القصص العذري النقي العفيف في لغة ناصعة أروع ما يكون النصوع , ليس فيها إسفاف بل فيها القوة والجزالة والمتانة والرصانة , وهذا الجمال اللفظي الذي يحدث لذة محققة في نفس القارئ . وأحاديثه لا تجري نثرا خالصا ولا شعرا خالصا , بل تجمع بين الفنين فتمتع الأسماع حين تصغي إلها كما تمتع القلوب والأفئدة .   قصة مجنون ليلى في الأدب العربي : أحداث القصة هو قيس بن الملوحمن بني عامر بن صعصعة , أما ليلى التي ربط الحب بينهما برباط مقدس وعري لا تنفصم إلا بالموت ؛ فهي ابنة عمه مهدي بن سعد بن كعب بن ربيعة .. نشأ كلاهما في بيت ذي ثراء وفير وخير كثير وإن كان قيس أكثر ثراء وأكثر مالا بدأ قيس عهد الحب في مقتبل شبابه , إذ كان فتى فارسا غيورا معتزا بذاته, ينشد حبا صادقا خالصا له , ويتمنىممن يهيم بها حبا أن تبادله إخلاصا بإخلاص وتبدأ أحداث الحب بقيس ممتطيا ناقته الكريمة , مرتديا حلة من حلل الملوك , ويمر على جماعة من النسوة بينهم ليلى , تعجب النسوة بكمال قيس وجماله , فيدعونه إلى الحديث معهن .. ينزل يلبي قيس الدعوة ويأمر أحد عبيده فيعقر لهن ناقته , إلا أنه يفاجأ بانصرافهن عنه ملتقين حول فتى يرتدي بردة عربية ويدعى منازل . فينصرف غاضبا , وفي اليوم التالي يسرع بلقائهن , ومن النظرة الأولى يسكن حبه قلب ليلى فينشد شعرا يترجم حبه وهيامه وعشقه ليلى . ويبلغ الحب بقيس منتهاه وغايته فيشبب بليلى ليلة في وادي الغيل , ويسمع أهلها تشبيبه بابنتهم , فيبلغ الحنق والغيظ والغضب مداه بوالدها , فيسئ استقبال أسرة قيس حين جاءوا لخطبتها , ويقسم بالله ثم بالطلاق من أمها ألا يزوجها لابنهم حتى لا يفضح نفسه وابنته بين العرب .. ولا ييأس قيس , ويحدوه الأمل بالزواج منها مادامت لم تقترن بغيره , فيبعث إلى أبيها بأمير الصدقات لمروان بن الحكم , فيعم اليأس والقنوط والضجر نفسيته قيس بعد رفض وساطة الأمير , وقبول الأب زواج ابنته من غيره . فيلجأ إلى الشعر يعبر به عن جوانب نفسية حية متكاملة تصور شعوره المكبوت , ويمضي بقية حياته في عزلة ويأس شديدين . لكنه يظل وفيا لعاطفته التي لا يلبيها الدهر , فيتمثل عاطفته في فنه, ويتسامى بها إلى مشاعر وأحاسيس نبيلة ويصورها بشعره في مناظر الجمال في الطبيعة وفي الصحراء , فقد وقع من يأسه وحزنه وحرمانه في حصار نفسي يكاد بهوى به من حالق إلى هاوية الدمار والهلاك , إلا أنه يتدارك بصدق عاطفته ما آل إليه مصيره فيحول رغباته المكبوتة المحرومة الذابلة إلى صور خلود وإبداع. ولاتضيع ذكرى حبه ليلى ,بل تظل حية نابضة في شعوره وأحاسيسه , ويزداد حبه لذكراها حين يرى ظبيا عارضه ذئب فيتبعهما إلى أن يأكل الذئب الظبية فيرميه بسهم يصرعه ويبقر بطنه , ويخرج منها ما التهمته من الظبية , ويجمع الأشلاء ويدفنها ويحرق الذئب .. يقابله رجل من عشيرته ويبلغه أنه ملم بمنزل ليلى فيحمله رسالة لها يقول فيها : الله يعلم أن النفس هالكة *** باليأس منك ولكني أعزيها منيتك النفس حتى قد أضربها *** واستيقنت خلقا مما أمنيها وساعة منك ألهوها وإن قصرت *** أشهى إلى من الدنيا وما فيها فمضى الرسول ولم يزل يرقب خلوة من ليلى حتى وجدها , فوقف عليها , ثم قال لها: يا ليلى لقد أحسن الذي يقول : الله يعلم إن النفس هالكة *** باليأس منك ولكني أمنيها وأنشد الأبيات فبكت بكاء طويلا *** ثم قالت : أبلغه السلام وقل له نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذن *** ما كان غيرك يجزيها ويرضيها صبرا على ما قضاه الله فيك علي *** مرارة في اصطباري عنك أخفيها وأبلغ الفتى قيسا ببيتي ليلى , وأخبره عن حالها , فبكي حتى سقط مغشيا عليه : لقد جن قيس بحب ليلى . يصاحبه حبها في صحوه وفي منامه .. هي في عينيه وفي لبه أجمل النساء , هي زينة الدنيا وبهجتها .. يرفض عروض أهله للزواج بغيرها.. تتعدد رسله وآخرهم أمه لاسترضاء ليلى وأهلها .. تبلغ أمه ليلى بتردي حالته الصحية وضعفه وهزاله وعزوفه عن الطعام والشراب .. يرق قلبها وتأتيه ليلا ويتباكيا .. يشتد حزن أبيه لتردي حالته فيبعث لوالد ليلى عارضا مهرا كبيرا لخطبتها لابنه , فيصر أبوها على رفضه ويبلغ حاكم البلاد بتعريض قيس بحب ابنته فيهدر دمه ويتوعده بالقتل إن ألم بدار ليلى . لا يأبه قيس بقرار الحاكم باستحلال دمه , ويستمر في تتبع ليلى , فيرحل والدها بأهله عن حيهم . فيجن جنون قيس ويغادر عقله جسده بغير رجعة , فيتجول بين الأحياء ولا يستر جسده إلا بخرقة , ولا يجيب سائله بشيء ,ويمضي يومه وليله بحثا عنها , ثم يرى وهو يلعب بالحجارة والتراب ويجمع العظام حوله , فإذا أرادوا أن يرجع إليه صوابه ويثوب قليلا إلى رشده ذكروا ليلى , فيقول : بأبي هي وأمي ويرجع إليه عقله ويتجاوب مع حوار قومه له . ولما استمر قيس في جنونه عمل أبوه بنصيحةقومه , وراح يملأ جسده بالتعاويذ والتمائم ويرش عليه الماء حتى تخرج الجن من جسده .. ورق لسوء حاله أمير الزكاة لوالي الحجاز , فاصطحبه إلى ديار ليلى , فبلغ ذلك عشيرتها , فأصروا على رفضهم دخول المجنون منازلهم بعد أن أهدر السلطان دمه , فانصرف باكيا خوفا من سفك دمه . وازداد نحيب ليلى حين علمت من أحد الرسل بتردي حاله وسوء مآله , .. ثم مر ابن الملوح في توحشه بديار ليلى , فصعق وخر مغشيا عليه , فحمله فتيان حيها وسألوا ليلى أن تقف له وقفة فرقت لما رأته من تدهور حاله , فأفاق وجلس وبثها في أنات حزينة شوقه وأنها داءه ودواءه وترياق حياته في يديها . زواج ليلى : تسامع العرب بليلى وعشق قيس بن الملوح لها وجنونه بها فتسارعت الوفود لخطبتها وكانت من نصيب شاب غني ثري من " الطائف " فزوجوه بها , وأخفوا الخبر عن المجنون إلى أن نمى إليه طرف منه : فإزداد نحيبه وشوقه , فهش له قلب أبيه وحمله إلى ديار ليلى ليشهد من وراء ستر رحيلها , عل ذلك يشفى شيئا من غليله فسالت دموعه أنهارا ملأت خيام ليلى , فأسرع به أبوه منسحبا حتى لا ينفذ السلطان حكمه بإهدار دمه . رفاق قيس يحاولون التسرية عنه : أقبل على قيس بعض رفاقه هاشين باشين أنسة وتسرية لقيس , فاستجاب لمشورتهم وارتحل معهم للنزهة في أحياء العرب , يعاوده الجنون تارة والصحة تارة أخرى إلى أن مر ركبهم في طريقهم بجبلين كانت ليلى تأنس بالنزول قربهما , وراح يناشد ريح الصبا أن تهب من ناحيتهما .. فأكرمه الله بهبوبها وانطلاق سيول كثيرة حملت مقلتيه على سيلان عبراته , فأنشد شعرا يقول في مفتتحه : جرى السبل فاستبكاني السبل *** وفاضت له من مقلتي غروب وما ذاك إلا حين أيقنت أنه *** يكون بواد أنت فيه قريب ومن قوله : تذكرت ليلى والسنين الخواليا *** وأيام لا وأعدي على الدهر عاديا خليلي لا والله لا أملك الذي *** قضى الله في ليلى وما قضى ليا قضاها لغيري وابتلاني بحبها *** فهلا بشيء غير ليلى ابتلاينا قضى الله بالمعروف منها لغيرها *** وبالشوق مني والغرام قضى ليا أعد الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت دهرا لا أعد الليالي أحب من الأسماء ما وافق اسمها *** وأشبه أو كان منه مدانيا هي السحر إلا أن السحر رقية *** وإني لا ألقي لها الدهر راقيا استمر قيس في جنونه وشوقه لليلى , فراح يتردد على جبل التوباد الذي كان يشارك ليلى في رعي أغنامها عنده , ولكنه –لجنونه وذهاب عقله - لم يهتدي إلى مكان الجبل, فيهيم على وجهه في الوديان وتحيى أنهار دموعه موات زرعه . ولما ذكر له أحدهم زورا وبهتانا بشتم ليلى له وسبها إياه أنشد يقول : حلال لليلى شتمنا وانتقاصنا *** هنيئا ومغفور لليلى ذنوبها وظل على جنونه وموات قلبه بالدنيا الخالية من ليلى , وعاد مع أبيه من حجه ولم يبرأ قلبه ولم يعد عقله , وعاد إلى التنقل مع الهوام والوحوش بين الصحاري والقفار يأكل من بقل الصحراء ويشرب مع الظباءحين ترد مناهلها , وطال شعر جسده فتغيرت هيئتهالآدمية حتى ألفته الوحوش والسباع .. وظل قيس يهيم في فيافي نجد مع الوحوش , وكانت تحمله قدماه إلى أرض بني عامر أهل ليلى , فينتقده أهله ويرسلون له بالطعام مع حاضنة له كان يأنس لها .ومرت أيامه ولياليه على هذا النحو يعدو خلف الظباء ويجالس الوحوش ويغفو نائما فوق الحجارة , حتى افتقده أهله ورسلهم , فجدوا في البحث عنه حتى وجدوه ميتا فوق تلك الحجارة فحملوه إلى مثواه الأخير . وأقبل والد ليلى معزيا وباكيا ونائحا عليه قائلا : ما علمت أن الأمر يبلغ كل هذا , ولكني كنت أعرابيا أخاف العار فزوجتها وخرجت عن يدي .. وحملت الرسل نبأ موته إلى ليلى , فظلت تبكيه وتندبه أياما , غير آبهة بمراجعة زوجها " ورد " بل تمادت في حزنها . هذا .. والمتأمل لقصة قيس مع الظبي والذئب يدرك أنها جزء من مأساة قيس وأنها خير شاهد على صدق قيس في مشاعره نحو محبوبته , فقد وضع هذه التجربة في إطار من ذاتيته , فالظبي هنا هو المعادل الموضوعي لليلى الجريحة المهيضة الجناح , وليس الذئب سوى ورد الذي خطف منه ليلاه وحبيبة قلبه وهو ينتقم من ورد لا شعوريا بقتل الذئب وإحراقه وشفاء نفسه منه , حتى أنه يحترم بقايا أشلاء الظبي ويقوم بدفنها . وشعر قيس حول هذه الواقعة يعكس تسامي قيس بعاطفته ورفع ليلى إلى أعلى مراتب العشق والهيام , حتى صار كل ما في الحياة يذكره بها .. ويبلغ أقصى ما يتصور من محب عذري في أمرين آخرين يضاف إلى ما مر بقيس من أحداث أثرت على حبه لليلى وهو أن الحب أصبح عنده غاية في ذاته يجد قيس في التسامي فيه لذة راقية تجتذبهإليها . وأصبح الحب عنده مقصود لذات الحب , ومن هنا جاء خلط خطواته فيه بالعبادة . ويعبر قيس عن ذلك في شعره فيقول : أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها *** أننى صليت الضحا أم ثمانيا أراني إذا صليت يمنت نحوها *** بوجهي وإن كان المصلي ورائيا وما بي إشراك ولكن حبها *** كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا يا لروعة حبك يا قيس فهذا هو الحب لذات الحب .. وهو موقف لم يدان فيه قيس عذريا آخر .لقد خلق قيس لنفسه عالما آخر خاصا به , فلقد اعتزل الخلق اعتزالا تاما وأقبل على إيلاف الوحوش فألفته , ثم إنه حرم على نفسه أكل اللحم مكتفيا بما تنبته البرية من طعام . إذن فحب قيس ليلى لذات الحب بعيدا عن دنس الجسد وشهواته . هذا الحب رفع من قدره وجعله نموذجا للحب العذري الجميل , فقربه ذلك من الشخصيات الصوفية واصبح أثيرا لديهم يضربون به المثل في مجالسهم ويشيدون به في أحاديثهم حتى أنهم أدخلوا كثيرا من صفات الصوفيين على أخبار المجنون . فمن ذلك ما يذكرونه في أخباره من كثرة الإغماء . والإغماء عند الصوفيين يعد نوعا من العبادة باعتباره استغراقا من الصوفي في شعوره المقدس بعظمة الله . ثم إنهم ضمن الذين أسندوا إلى قيس صفة الجنون , والجنون يعد صفة مدح عندهم باعتباره أعلى مرتبة للكمال يصل إليه الصوفي . ثم إن للجنون معنى خاص عندهم فهم يرون فيه طغيان الشعور على العقل بسبب قوة العاطفة في القلب وذلك راجع لاعتمادهم في التقرب إلى الله على عقلهم وليس على قلوبهم . وتنتابهم هذه الحالة نتيجة للمحبة الإلهية وهذا يعد أثرا من أثار الوجد الصوفي ولهم تعريف خاص بهم للجنون , فهم يعرفونه بأنه:"وضعك مرآة القلب أمام جمال الحبيب لتصبح ثملا بخمر الجمال" .. , ومن عواقب هذا الجنون شبوب العاطفة في الله للفناء في الله . وبناء على هذا كله اعتبر الجنيد والشلبي وابن عربي أن قيسا كان وليا من أولياء الله ومن خلال هذا الإطار الصوفي الجميل الذي استقرت فيه شخصية قيس ولج قيس دروب الأدب الإسلامي الواسع , وأصبح يمثل شخصية أدبية ونموذجا إنسانيا عالميا شأنه في ذلك شأن غيره من الشخصيات التاريخية ذات الصفة الأسطورية التي اقتحمت عالم الأدب , وصار لها قالبها الخاص بها وأصبحت تحمل دلالات عديدة حفزت كتاب الغرب على تناولها على نحو ما تناولوا به شخصيات مثل قابيل وفاوست ودون جوان . وولجت قصة قيس وليلى عالم الأدب الفارسي الرحيب . القصة في الأدب الفارسي : يعد تناول الفرس لشخصية قيس في إطار قصص فارس خير شاهد على التواصل والتقارب والتمازج بين الحضارتين العربية والفارسية وتأثر الفرس بالأدب العربي تأثرا كبيرا حتى أن خمسة من خيرة شعراء الفرس يتناولون قصة قيس وليلى . وأول من عالج هذه القصة الشاعر نظامي الكجوي(599هـ) ثم الشعراء : سعدي الشيرازي (ت 691هـ ) ثم خسرو الدهلوي ( ت 725هـ)ثم عبد الرحمن الجامي ( 888 هـ ) , ثم الشاعر هاتفي (ت927هـ) وأخيرا الشاعر مكتبي ومن سواهم . وستكتفي هنا بعرض القصة كما نظمها عبد الرحمن الجامي وهو خير من عالج قصته في الأدب الفارسي . هذا .. ومنذ ميلاد الحب بين قيس وليلى عند الجامي . نراه حبا جارفا عارما ولكنه حب إنساني عفيف .. وقد أهتم الجامي بإبراز علاقة الحب بين قيس وليلى من خلال الأطار الصوفي الذي تناول فيه أحداث القصة , فالصوفية يرون أن الوصول إلى الله عن طريق المحبة الإنسانية يكون منطريقين : إما فتاة جميلة طاهرة العفة لأنها جميلة الجسم والروح . وإما الوصول إلى الله عن طريق حب شيخ الطريقة الهرم . وقد اختار جامي الطريقة الأولى ولذا نراه يقول : • فيا حبذا من غسل ضميره من كل الأوشاب بحب فتاة جميله مرضه , وربط قلبه بمليحة ذات دلال خبيرة بمجالس الأنس أذيالها طاهرة من الأغبار , كاذيال الورد الممزقة بالأشواك . وهكذا سار قيس في حبه الإنساني , ثم الصوفي لدى شعراء الفرس , فكان حب ليلى طريقه إلى الله . وقد إجتاز في هذا الطريق ما يجب أن يجتازه كل حب صوفي . ويمكن أن نجمل المراحل التي عبرها قيس للوصول إلى قلب ليلى في ثلاث : المرحلة الأولى : ونطلق عليها مرحلة الأثرة وهي التي كان يطلب فيها الحب إرضاء لذاته وعاطفته حتى صادفة حين أحب ليلى . والمرحلة الثانية : مرحلة الإيثار : وهي أن ذلك الحب حق صادق , فعند الصوفية أن كل حب إنساني عف بطبعه , و إلا لم يكن إنسانيا فصار حيوانيا . وما دام عفا فإنه يؤدي إلى إيثار المحب للحبيب على نفسه , وهذا هو ما فعله قيس , حتى كانت عاطفته في ذاتها أغلى عليه من كل غاية وكل متعة , فكان محبا لذات الحب . والمرحلة الثالثة : هي مرحلة الفناء : وهي خاصة الصوفي وقلما يهتدي إليها الإنسان وهي تحتاج لجهاد طويل ومثابرة وفكر وزهد ونفاذ بصيرة وفيها يسائل المحب نفسه فيقول جامي في منظومته : "حينما أسفر الصبح عن أنفاس كأنفاس خمر عبس , ونشر علم غلالته الصفراء , وحملت أنفاسه مسكا خالصا بثته في الأشجار الخضر والزهور اليافعة وبسط رايته المزركشة . حين ذاك تخلص قيس من فم تنين الليل وأمسك عن إرسال الآهات والزفرات , وصاح للرحيل بناقته الأليفة الأسفار وسلك سبيله دون تفكير واع وقبل أن يبصر دارها أخذ يناجي خيمتها بهذه الأشعار : "يا قبة النور ومطلع الشمس ! في ظلك مخدرة , ليلى نور عيني أنت لها دون حجاب, إن عيوني رطبة بالدمع كأدرانك حين يبالها المطر , فترحمي لبكائي ونحيبي . وأحسرى حجابك عن طلعة حبيبي . أنا منك أيتها الجميلة كأحد أوتادك لا يحملني عن الانصراف عنك أن يصيب رأسي حجر . لقد أمضيت ليلى يحترق الفؤاد باكيا . فيا ويلتي لو مر يومي مثل البارحة , أنا كما ترى محترق الكبد عطشا وليلى ماء حياتي – فأتح أن تجود ليلى على شفتي بقطرة تطفيء نار ظمئ . هأنذا من حبها في نار , وهي في نشوة الطرب رضية الفؤاد هينة القلب . هذا .. وقيس في حبه هذا ذي الطابع العذري يظل يتأمل في حاله تأمل الصوفي فيرى أن الجمال الجسدي ليس أهلا للهيام كله , وأنه إنما يهيم من ليلى بجمال روحها وأنه لا يقصد إلى حوزتها للزواج كما يفهمه الناس , لأنه يزهد في مثل هذا الزواج وإنما يريد أن يتأمل في جمالها الصوفي . ويبدو ما ذكرناه عن تصوف قيس وحبه وتأمله تأمل الصوفي واضحا جليا ,ففي الحوار التالي نراه يردد آراء الصوفية المقتبسة من إفلاطون وأفلوطين . وأقرا معي قول الجامي في ذلك : حين علم والده المسكين بخبره لوى عنانه نحوه في سرعة الريح واحتضنه إليه يغلي قلبه بحبه الأبوي وقال له : "يا روح والدك على أية حال أنت , ولم ألقيت بنفسك بالوبال خبرت أن قد سلبت عذراء إحدى القبائل قلبك , وأنا معك على وفاق في أنك في طريق طالما سلكه غيرك , إذ العشق إحساس نبيل ولكن ليس كل إنسان أهلا لأن يظفر بحبك , ولا يليق أن يتجتذب قلوبنا كلمنظر جميل " . فيقول المجنون لوالده : أبا الناصح الشقوق , لقد نفش على صقمة قلبي الفظة كل ما قلت من لطيف الحكم , ومن در النصائح الشعوب . فيقول الوالد : إنك مجنون بالغرام وقد شحب لونك من العشق . يقول قيس : نعم فأنا لا أعيش إلا للحب , وهو شغلي في هذا العالم وحاشا أن أكبح جوادي عن هذا الطريق , وإذا لم أحيا للعشق فلا حييت , ومن لا يمارس طريق العشق فهو في مذهبي لا يساوي حبة شعير . ففي العشق خلاص قلب المرأ من دوران الدهر المديد. وحين يقول له والده أن ليلى رائعة الحسن ولكنها دونهم في النسب فيرد قيس : وما يعقل العاشق بالنسب ؟ والعشق لا يستعر من شيء وكل من وقع صريع , العشق فهو ابن القلب , ولابد أن العشق قد قطع نسبته بالماء والطين وصار مرعاه روضة الروح والقلب ولن يعرف لنفسه أبا ولا أما , وقد تحرر من العيوب بل من الفضائل كذلك . هذا .. وفي قصة الجامي تتزوج ليلى من ورد . ولكنه لم ينل منها شيئا فظلت عذراء على زواجها . وهذا أمر إنفرد به شعراء الفرس ولم يرد في الكتب العربية . وهو يعد صدى لفكرة الزواج الصوفي التي انتشرت في المجتمع الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري . ويصف جامي منظر اقتراب ورد من ليلى بعد الزفاف فيقول : وتبوأت مقعدها معززة مكرمة , ناظرة كالقمر بوجهها إلى الأرض , لم تفك عقدة من عقد حواجيها , ولم تفتر بابتسامة عن نضيد الجوهر من ثناياها , بل أمطرت اللؤلؤ الرطب من عيونها . وورد دونها ظامئ الكبد , ينظر ماء ريه من بعيد , وليس له في حرقة ظمئه على الصبر يدان . ولم يؤذن له بعد بالورد , وراود نفسه يومين أو ثلاثة , حتى طغى الشوق فقصم متن الصبر . وهم أن يضع يد هوسه على قامة هي بحق نخلة ذات ثمر , فأهابت به : ليلى : "إنأعني , وخذ مكانك دوني , وأصبر عن جنى هذا الرطب الشهي , فلم يقطف أحد من هذه النخلة ثمرة , بل لم يرى امرؤ ثمرها ... وأنا جريحة القلب في انتظار من غدا رهين الأسى والخور, من فداني بالصبر والفؤاد , وجعل روحه هدفا لبلائي . وهو بي ضيق الصدر في رحاب البادية , يعاني في شعابها ألوانا من الهم . وعلى خيالي يرعى الظباء , وفي هواي يمزق الثياب , ومن سم فراقي يتقطع نياط قلبه .. فأنظر بعين الاعتبار إلى حاله وحالي , وأنا المبتلاة بوصال غيره وعشرة سواه . وإياك وذلك الوسواس , فلا تغتر بطولك , ولا يطرك جاهك . قسما بصنع الخالق المنزه المبدع في تصويره على ألواح الثرى , إذا تطاولت مرة أخرى على كمي , لأبسط إليك يدي , شاهرة على أم رأسك سيف الانتقام . فإذا قصرت يدي عن الانتقام منك , ففي مكنتي أن أقتل نفسي , فأزهق روحي بسيف الظلم , لأنجو من نبر عسفك . ويسمع المسكين هذا الوعيد من شفاه لا تفتر إلا عن حلو البسمات , فعلم أن قدم حظه كليل , من البيادر" . "قلبي اليوم جذلان , وصدري منشرح بمقدمك خير مقدم . قد اتجه بك دليلك صوبي, فروحي فدى لتراب أقدامك , مررت بي كرما , ورددت إلى ما عزب عني من سكينة . قد تزود رحلك من ديار الحبيب ولذا أشم منك ريح المسك التتاري .. افض إلى بكل ما لديك , وقل لي من أخبار ذلك العالم الذي منه نجمت , وكيف حال قلبها بدوني .. خبرني من الذي يرافق في الليل كلابها , فيمرغ رأسه على أعتابها ؟ هي تردد على فراشها عذب : الألحان , وأظل على فراش الهموم أتوسد الأحجار .. وينبلج الصبح فتغسل وجهها كالشقائق بماء الورد , فمن هو أول ساع إليها ؟ ومن الذي يفتح ناظريه على رؤية محياها ؟ ومن الذي أخذ مكاني على رفها باكيا على الطلل ؟ ومن الذي يدور من بعيد حول خيمتها ليظفر بنظرة ؟ ومن ذا يتمتع مسرورا بدلالها ؟ ومن يبكي بين المتولهين في عشقها ؟ ومن الذي يسرع إلى التقاط شهد الحديث حين تنثره من شفاهها ؟ .. أمجلوة على كل الوجوه محجوبة عني ؟ !! قريبة من القوم وأنا منها ناء !! وأنت ريح خفيف المسير وأنا التراب وانت الروح . هذا .. ويمثل قيس في شعر الفرس شخصية المتصوف في آرائه الاجتماعية فهو في عزلته الدائمة في الصحراء في عبادة , قد ألف الوحوش وألفته , فهي له طيعة , لأنه ولي من الأولياء وهو بصحبتها ينفر من الإنس , لأنها نقية الدخائل , لا تحمل حقدا , ولا تسعى بالضغينة كالناس . وهذا جانب صوفي كثيرا ما يصورونه في أدبهم , ويجعلون قيسا حاملا لآرائهم فيه . فالصوفيون يكرهون المجتمع , ويحذرون الناس, ويعتقدون أن الشر في هذا العالم طاغ لا سبيل إلى التغلب عليه . فخير لمن يطلب السعادة أن ينشدها من طريقها المأمون , في العزلة والعبادة . وهذا جانب سلبي من فلسفتهم . ولكنهم يحملون به على من يرتمون على أعتاب الملوك , وعلى من يذلهم الطمع , ويسخرون ممن يضحون بمثلهم وخلقهم إرضاء للسلطان . وفي هذا الهجاء الاجتماعي ناحية إيجابية للأدب الصوفي , وإن كانت لم تثمر كثيرا في المجتمع الإسلامي , لأنها اتخذت طابعا ميتافيزيقيا محضا . وتتضح هذه الآراء الصوفية في دعوة قيس الصوفي للقاء الخليفة , وفي خلال هذه الدعوة نفهم من مجرى الحديث معنى كلمة الجنون والعقل عند الصوفية , فالجنون مدح , ثم من الحوار بين رسل الخليفة وقيس , ومن مسلك قيس في محضر الخليفة يتضح جانب السخرية , سخرية قيس من أطماع المناصب , ومن ضعة النفوس المتكالبة الشرهة , يقول جامي : "أضحى معمر الخربات مشهورا بحديث العشق , مهجورا ممن شهروا بالعقل .. فاشتدت رغبة الخليفة في لقائه , فكتب إلى عمال ولايته أن لن يسمع من امرئ عذر إذا لم يرسل إلى الخليفة من دياره ذلك العاشق العامري النسب , اللبيب الأريب الذي اشتهر بلقب المجنون " .. "فأعملوا الطلب في كل جهة .. حتى وجدوه على قلة جبل في مجلس خطير الشأن , له من شعره فوق قمة رأسه مظلة كمظلة الملوك . وهو مثل الخليفة وسط جيش من الحيوان , في حلقة محكمة من حوله , وهو طيب الخاطر بمجلسه بينها , استغنى بها عن صحبة الإنس , لأنها ليست كالإنس فهي نقية الدخيلة , لا تحمل حقدا" . وكان قيس وليلى يتبادلان الرسائل , ويبحث كل منهما عمن يوصل رسالته للآخر , وهذه الرسائل في مضمونها وطريقة إرسالها ذات طابع صوفي , فهي تصف قيسا يطيل ترداد اسم ليلى , بوصفه غذاء روحه لا جسده , ويعني هذا في خيال الصوفية أن قيسا كان يطيل التفكير في اسم المحبوبة كي يروض نفسه على معانيه الروحية وبطول التفكير والترداد ينتقل قيس من مرحلة الإيثار التي تحدثنا عنها إلى المرحلة الثالثة , مرحلة الفناء في الله , فتصير ليلى حينئذ رمزا , يرددها ويقصد بها المحبوب الأعظم , كما يقول المحب : "القمر" ويقصد بالقمر وجه الحبيب .. وإليكم كيف أرسلت ليلى رسالتها مرة إلى قيس , ومن حوارها مع من يحمل الرسالة نفهم حال قيس التي وصفناها في الصحراء : "فرغت ليلى من رسالتها , وخرجت في قوامها الممشوق من خيمتها تبحث عن رسول .. وفجأة انكشف غبار الطريق عن عربي على راحلته , ليس بريح وهو أسرع من قائظ الريح .. فلم يكد يرتد إليها الطرف حتى أناخ راحلته على حافة عين الماء . تقول له ليلى : من أين أنت ؟ فإني أجد منك طيب ريح الصداقة . يجيب : من أرض نجد الطاهرة , وغبار أرضها كحل الأبصار . فمن تلك الأرض نبتت زهرتي , وفيها تفتح كالوردة قلبي . تقول له ليلى : هناك بائس ممر الحلق , لقبه المجنون واسمه قيس , يدور في تلك الديار ضالا مكروبا , عليه مظهر الحداد . ألك به معرفة ؟ وهل لك من سبيل إلى التحدث إليه ؟ يجيبها الأعرابي : نعم , فأنا له صديق , مستظل بكنف وفائه , مشمر عن ساعد الجد في محبته , وطالما تحدثت إليه أسري عنه الهم , وأدعو الله أينما كنت كي يسكن خاطره . تجيبه ليلى : وكيف حاله ؟ يجيب الأعرابي : دائب على إرسال الأنات من العشق , دائم النفور من الناس , فار مع الوحوش , مستريح إليها , فحينا يتلو من القوافي ما يلهب الصخور , ويسيل على الجلاميد من حرقة كبده ما يصبغها بالدم , وحينا يهذى في ركن غار , وعلى وجهه من الأسي غبار . تقول ليلى : أو تعرف – أيها العاقل – من هي التي وقع في حبال حبها ؟ يجيب الأعرابي : نعم , من أجل ليلى , يرسل كل لحظة من ناظريه سيلا . فليلى حديثه حين ينهض , وليلى همه حين يبكي , وهذا الاسم غذاء روحه , اكتفى به عن غذاء الموائد , وهو كل ما يجري على لسانه , وهو غايته من لسانه . تقول ليلى باكية : أنا طلبة روحه , واسمي هو الذي يجري على لسانه , ومن لوعتي احترق صدره , وعلى ذكرى طاب بستان خاطره . وأنا التي أشعلت ناري بفؤاده , وأضأت بنوري جوانب عيشه , وأنا كذلك التي صيرت أنحاء روحه خرابا وشويت أضلعه على حر جمري . ولكنه يجهل ما أنا عليه من أمي يشرف بي على الهلاك ,ومن لوعة تلفح كبدي . وروحي فداك إذا استطعت أن تنهي إليه من أخباري . فمعي رسالة مسطرة بدم القلب , فناشدتك بماله عليك من حق الوداد ألا حملت مني هذه الرسالة , لتسلمها إليه يدا بيد . فقم بما أنت له أهل من دين الوفاء , وعد إلى بجواب الرسالة , وستحمل إليه أسي , وتعود بلوعة , وستسلم إليه شمعة , وتأتي إلى بمصباح " . هذا , والشموع والمصباح , وغذاء الروح رموز صوفية في طريق الصوفي إلى الجنون الأقدس أو الفناء في الله . ويتم آخر لقاء بين ليلى والمجنون , وفي هذا اللقاء قد وصل المجنون إلى مقصده الأسمي من الفناء في حب الله , وكانت ليلى هي سبب هذا الفناء , ولكن في مرحلة الوصول هذه تصبح ليلى لا قيمة لها عنده , ويتحول قيس عنها تحولا عجيبا , فهي لم تعد سوى وسيلة وصلته إلى الغاية , فأصبحت شيئا ماديا حقيرا , وصورة إنسانية تجاوزها المحب الفيلسوف . وهذا هو الحب الصوفي , وهو في الحقيقة صدى للدعوة الأفلاطونية والأفلوطينية . وقيس هنا تكتمل شخصيته الصوفية المثالية , فلم يعد سوى رمز . وهكذا يتم هذا اللقاء الأخير الذي لم تفهم ليلى مغزاه الصوفي في خيال الجامي , فتنعي قيسا على أثره وهو حي , لأنها فقدته, فهو لم يعد يعبا بشيء مادي ولو كان هذا الشيء هو ليلى .. وإليكم وصف جامي لهذا اللقاء الأخير بين قيس وليلى : "عادت ليلى في طريق سفر لها مع قومها إلى ديارها , ونزلت في المنزل المبارك الذي كان قد حل به قيس , حتى إذا استراح أهلها فيالظهيرة نهضت كأنها الشمس المضيئة المحيا . وخرجت في زينتها بوجه كالجنة , وتهادت كالحجلة حتي وقفت على المجنون , فوجدته منتصبا كالشجرة . استرسلت شعوره متشابكة كأنها الأغصان , واتخذ طائر من رأسه عشا , وباض فيه . فبدأ شعره مهدلا كأنه تمثال جسده نقاب أسود من المسك مرصع بجواهر البيض . وفقس البيض عن صغار تطير وتغرد بألحان العشق . وحدقت ليلى فيه فوجدته ولهانا قد خرج من نطاق العقل , ولم تبق منه فيه ذرة . واستغرق في العشق من رأسه حتى القدم , عيناه إلى الأرض . تلتمعان كالأنجم الشاحبة التى أخذت تتوارى في ضوء الشمس . وتدعوه ليلى بصوت خفي فلا يجيب . وتردد الدعاء . ثم يقول بصوت مرتفع : يا من ديدنه الوفاء , انظر إلى من جبل على وفائك . ويجيب قيس في لهجة الذاهل في وجده الصوفي : من أنت ؟ ومن أين ؟ عبثا ما قدمت إلى . تجيبه ليلى بصوت مرتفع : أنا مرادك : وأمل فؤادك , وبهاء روحك : أنا ليلى من أنت بها ثمل , وأنت هنا أسير قيد غرامها . يجيبها قيس : "إليك عني فقد أشعل عشقك اليوم في جوانحي نارا تلهم أرجاء الأرض , فامحت من نظري مادة الصورة , ولن أتصيد بعد رؤية الصورة , فعشقي سفينة سبحت في موج الدماء , ثم نفت عنها العاشق والمعشوق , وفي أول العهد بالعشق , حين تأخذ سورة جذبة العشق بنفس العاشق , يتجه بطبعه إلى القضاء على ميوله , ويولي وجهه شطر الحبيب , ناشدا في رضاه عوضا عن العالم , حتى إذا اشتدت به جذبة العشق برأ من كل وسواس , ليسقط في موج محيط العشق , ويفقد وعيه على تلاطم أمواج العشق . تم يشد الرحال كلا العاشقين عن الآخر , فبعد أن كانت أنظار كل منهما خالصة إلى صاحبه بعض الوقت , إذ أنظاره تنصرف عنه , متحررة من معنى الذات والغير , سالمة من صراع الثانية . لتبقى والعشق إلى القيامة . وعلى أثر هذه الكلمات التي وصف فيها قيس مراحل وصول الصوفي في انتقاله من الحب الإنساني إلى العشق الإلهي , تبكي ليلى وتقول : "واها لمن أشاح بوجهه عن مبني الأمل , وجد في إثر البلاء , فوقع صريعا إذ لم يحظ من مائدتي بنوال , وهيهات أن أجالسه مرة أخرى , أو أن أحظى في لقاء برؤية جمال وجهه بعد هذا الفراق" . وهكذا وصل المجنون , ووجد بليلى طريقه إلى الحقيقة .. وجامي يعبر عن رأي الصوفية جميعا في المجنون حين يقول في ختام قصته ( وننبه إلى أن الخمر في كلام الصوفية معناها الوجد الصوفي , وأن حسن المجاز هو الحب الإنساني) . حذار أن تظن أن المجنون قد فتن بحسن المجاز , فعلى الرغم من أنه صبا أولا لنيل جرعة من جام ليلى حين وقع ثملا بحبها . فقد رمى آخرا بالجام من يده فتحطم , فسكره إنما كان من الخمر لا من الجام , إذ إنه هرب في عقبي أمره من الجام , فتفتحت في بستان سره من أزهار المجاز أزهار الحقيقة . فالعين التي انبجست تهدر من شق حجر . قد صارت بحرا وغطت الحجر , فكانت ليلى طلبته في هذا الجيشان, ولكن تواري وجهها عن قصد العاشق . وكان يحلو في فمه ترداد ذلك الاسم , ولكنه كان يقصد من نطقه إلى مقصود آخر أغنى .. فالعاشق الذي يضي من هيامه بحبيبه يقول : القمر وقصده وجه الحبيب . وصورة قيس الصوفي كما رأينا أعمى وأعمق في أبعادها النفسية والفكرية , فليس الحب العذري فيها سوى مرحلة بمثابة جسر يعبره المفكر الفيلسوف , ثم إن قيسا في الشعر الصوفي يمثل آراء الصوفية في المجتمع , وموقفهم من الناس , وفي هجائهم للطغيان . وحملتهم على ذوى الأطماع , ويأسهم من القضاء على الشر , وحبهم للعزلة طلبا للسعادة النفسية والأخروية . وموقف قيس العذري . كموقف قيس الصوفي في احترام عاطفة الحب والسمو بها . وإن كان المتصوفة قد ذهبوا إلى أبعد من العذريين في هذه السبيل , فلم يعتدوا بالزواج الذي يتم عن غير حب , ولذا أبقوا ليلى عذراء مع زوجها , كأنها لم تعتد بزواج أجبرت عليه ويظهر .. ورد في قصص شعراء الفرس جميعا بمظهر المعتدي الذي سلب قيسا سعادته وحبه . وتقديس عاطفة الحب , والاعتداد بها , وعدم الاعتراف بالزواج الذي يتم على حب, كان طابع الرومانتيكيين على نحو يقرب مما دعا إليه الصوفية إلى حد كبير , وذلك لأن الرومانتيكيين يقدمون العاطفة على العقل في الوصول إلى السعادة والحقائق الكبيرة , ولأنهم تأثروا بفلسفة أفلاطون العاطفية كما تأثر بها الصوفية من المسلمين . وانتهى هذا الميراث الثقافي كله لشاعرنا في العصر الحديث أحمد شوقي, وقد أفاد من ثقافته الغربية والشرقية معا في نظم مسرحيته , فكيف صور فيها قيسا وليلى ؟ فقد اعتبر النقاد ومؤرخو الأدب العربي شوقي صاحب الفضل في إدخال " قيس" ميدان الأدب العربي الحديث بمسرحيته " مجنون ليلى" بعد أن ظلت تلك الشخصية في حدود التاريخ , فلم تخرج إلى مجال الأدب في اللغة العربية إلا على يديه حتى أصبح " قيس" شخصية أدبية في أدبنا الحديث . وقيس في مسرحيته فتى عربي , طغت عاطفة الحب على جميع قواه الأخرى فلاترى إلا هذا الجانب العاطفي الذي تدور حوله كل صفاته في نطاق ذاتي محدود, لاعمق فيه ولا تنويع , ولا يزال قيس يكرر عواطفه الذاتية في مناسبات الأحداث المروية , وهو يتعرض للحوادث تعريضا من غير يؤثر في مجراها ودون أن تحدث أصداء مختلفة الأبعاد في حالته النفسية , فقيس في مسرحية شوقي يغمى عليه خمس مرات , لمناسبة واهية أو لغير مناسبة , وشوقي في هذا يكرر المأثور من روايته العربية دون تمحيص , وحتى إشارته إلى عزة قيس وترفعه إشارة عابرة , لا تتعمق نفسية جديدة من نواحي قيس مما أضعف البناء الفني للمسرحية . هذا .. فقد زاوج شوقي – في اعتماده على عنصر الصراع الدرامي في مسرحيته – بين الكلاسيكية والرومانتيكية , فالواجب ينتصر على العاطفة ظاهريا فقط فهو صراع خارجي تخضع فيه ليلى – دون أن تتجارب داخليا – للتقاليد البالية التي لا يؤمن لها بقدسية , لذا كان هذا الصراع ضعيفا في طبيعة تصويره . وعلى الرغم من ذلك أكتسبت شخصية ليلى في المسرحية كثيرا من الحيوية إذا قيست بشخصية قيس فيها . هذا .. كما يعد منظر التخيير هو أكثر مناظر المسرحية صبغة فنية تمثيلية , وفيه يبلغ صراع ليلى النفسي قمته , وتنتهي فيه إلى الانتصار للواجب ضد العاطفة , مفضلة وردا على حبيبها , وهذا مألوف عند الكلاسيكية . ولا شك أن شوقي أفاد من الشاعر الفرنسي " كورني" في وصف هذا الصراع , ولكنه انتصار ظاهري , إذ أن ليلى لم تكن تؤمن بما تقول حين فضلت وردا . هذا كما يضهر تأثر شوقي بالرومانتيكية من خلال عرضه على ليلى الهرب معه من منزل الزوجية , ويقول بأن الموقفين موقف ليلى وقيس من قدسية العاطفة وما ترتب عليها من عذرية ليلى , ومن عرض قيس عليها الهرب متصلان أوثق اتصال في مسرحية شوقي , غنيان بمعانيهما العاطفية ذات المصادر الصوفية الروما نتيكية, وهما من المواقف الفنية الحية في المسرحية . هذا كما يبدو تأثر شوقي بالأدب الفارسي واضحا من خلال فكرة بقاء ليلى عذراء حتى موتها إذ أن هذه الفكرة غير موجودة بالمصادر العربية , وهي موجودة في القصص الفارسية , كذلك فكرة أن ترى ليلى نفسية ضحية التقاليد , وإنها تريد زواجا مؤسسا على الحب ولكنها عجزت عن أن توفق بين المثال الذي تؤمن به , وبين مزاعم المجتمع الذي عاشت فيه , فاختارت الزواج مكرهة , وظلت مؤمنة بأن قرانها بورد لم يكن حلالا في منطق العاطفة و أن الله لا يبارك زواجا أجبرت عليه في غير اختيار , فظلت كافرة بهذا الزواج لا تؤمن له بقدسية . وقد استغل شوقي هذه الفكرة التي أخذها عن الأدب التركي – الفارسي , فمهد لهذا بوقوع الكارثة , إذ احتضرت ليلى في ريعان شبابها صريعه وفائها , فريسة يأسها ومات على أثرها قيس . وقد وفق شوقي في الإفادة من هذه الفكرة وفي التوفيق بينها بين الصفات النفسية للضحايا الثلاث في هذه المأساة .. وإن كان يؤخذ عليه قلة تعمقه في التحليل النفسي, وإخضاع مسرحيته لسرد الحوادث , وإقحام كثير من الأحداث العارضة في المسرحية , وعدم الربط الوثيق بين أقوال الشخصية ومواقفها مما أضر بوحدة المسرحية العضوية . ويحمل لشوقي عدم إيغاله في صوفية قيس ولا رومانتيكيته , وعدم إيغالة في التحليل النفسي العاطفي ولا الاجتماعي , إذ أتى لنا بصورة لقيس ومأساته مع ليلى وقد لون بها أخباره العربية القديمة , وأكسبها بعض الجدة , وخالف بها الطابع الصوفي الفلسفي العميق في الأدب , الفارسي والطابع العذري المحض في الأدب العربي القديم . هذا ويرى أستاذي الراحل الغنيمي هلال أن شوقي قد تقيد باختيار تفاصيل تلك القصة وصاغها شعرا غنائيا يبلغ الذروة أحيانا كثيرة ,وأننا لا نستطيع أن نخفي ضعف عنصر " الدراما " في كثير من مواقف المسرحية , وبخاصة في موقعها الأساسي , وهو الصراع الذي كان على شوقي أن يركز عليه اهتمامه – وخاصة الصراع الداخلي الذي كان من الطبيعي أن يثور في نفسية ليلى , بين حبها لقيس وخضوعها لتقاليد العرب التي تأبى على الفتاة أن تتزوج بمن تغزل بها في شعره وفضح حبه لها , ففي سهولة عجيبة يفوض المهدي والدليلى لها الأمر لتختار زوجها , وفي سهولة عجيبة تختار ليلى وردا الثقفي وتفضله على قيس , وكل ما نلمسه منها هو مجرد ندم على هذا الاختيار , بل إننا نلمح تناقضا واضطرابا في تصوير التقاليد العربية التي جعل لها شوقي كل هذا السلطان , ولا أدل على ذلك من أن نرى وردا زوج ليلى يمهد لغريمه بعد الزواج فرصة الاختلاء بزوجته والتحدث إليها في بيته , فهذا ما لا نظن أن التقاليد العربية , ولا المشاعر الإنسانية يمكن أن تجيزه , وأكبر الظن أنه من ابتكار شوقي . مصادر الدراسة : • الحب العذري عند العرب ، د.شوقي ضيف • ليلى و المجنون في الأدبين العربي والفارسي - الغنيمي هلال – مكتبة الانجلو. • التأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب الأخرى . ثروت عبد السميع – الهيئة المصرية العامة للكتاب .
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg