رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

أنيس منصور الذي له "شان وشنشان"

أحمد حسين هلال
29/08/2017 11:05:44 م
يبدو أنها عندما انفرجت أساريرها، وأشرق وجهها وهي تقول له "فنجانك حلو قوي يا ابني، كله سكك مفتوحة، وفي وسط الفنجان كلمة "الله" وبجوارها كلمة "محمد" فالله نور، ومحمد جميل الوجه". لم تكن – فقط - تقرأ لصغيرها الفنجان بقدر ما كانت تدعو لأنيسها بمستقبل يفوق فيه والده السيد محمد منصور ناظر زراعة عائلة يكن باشا، ويفوق كذلك عمه الأزهري، ولا يكون فيه حتى طبيبا أو مهندسا، بل يصبح وزيرا، ليكون له "شان وشنشان"، على حد تعبيرها. أخذت أمنيات الأم تتحقق لأنيس محمد منصور، والذي سيشتهر فيما بعد بأنيس منصور، المولود فى 18 أغسطس 1924 فى قرية " نوب طريف " التابعه لمركز السنبلاوين وليس المنصورة كما يتردد. لم يكن طفلا عاديا، بل نابغة، أتم حفظ القران الكريم كاملا فى أقل من عامين فى كتاب الشيخ سيد والذي وصفه فى إحدى لقاءاته التليفزيونية ب "السربون" وكان نبوغه مثار فخر لوالده الذى ارتبط به أنيس لكونه أبا حنونا محبوبا يتفانى فى عمله، ولا يعنيه سوى تربية أولاده الأحد عشر الذين رزق بهم من عدة زيجات. ويصف أنيس علاقته بوالده بأنها كانت علاقة إجلال وتقدير فها هو يروى عن والده قائلا "كنت أعشقه وأنام أمام غرفته ، وكان يستيقظ الفجر ويصلى اماما واصلى خلفه ، وبعد انتهاء الصلاة يقرأ القران ، ويضع يده على رأسى وقلبى ويدعو لى : ويستطرد قائلا عن والده " كانت له هيبه ومكانه بين ابناء القرية ، وعرف عنه الصدق والامانه والثقافه والادب . ورغم علاقته القوية بوالده ، إلا اننا نستطيع أن نقول ان علاقته بوالدته هى مفتاح عبقريته طبقا لوجهة نظر استاذه العقاد فى العبقريات ، والذى قال عنه انيس ذات مرة ، كل الطلاب الذين جاءوا الى القاهرة التحقوا بجامعة فؤاد الاول وحدها ، الا انا التحقت بجامعتين فؤاد الاول وجامعة العقاد . كتب عن والدته " كم أحببت هذة الام ، وبكيت وما زلت ابكى فراقها ، فقد دفعتنى للتفوق والقراءة ، وكانت صديقتى فى طفولتى وصباى" كانت والدته بالفعل سر عبقريته ، وأول النساء فى حياته ، وصفها قائلا " كانت امراءة قويه لا تعترف بالضعفاء ، يأتى اليها اخوالى ليقبلوا يديها ورأسها كل صباح" ويصف علاقته بها فيقول :" كنت الازمها كظلها، اراها فى اليقظه والمنام ، اراها امامى فى الكتاب والمدرسه ، كانت سريعة الحركة تنتقل فى طول البلاد وعرضها ، تزور اهلها وعشيرتها وتمد حبل الود الذى قطعه والدى لظروف عمله ، كانت معشوقتى الاولى ومعشوقها الاول" بالفعل كانت سر نبوغه الذى صار دربا له لا يحيد عنه ، فها هو يتفوق على اقرانه ، ويكون الاول على القطر المصر كله فى الابتدائيه ، ومن بعدها شهادة التوجيهيه عام 1934. ويسافر إلى القاهرة ليلتحق بقسم الفلسفه بكلية الاداب من جامعة فؤاد الاول ليحصل على الليسانس عام 1947 مع مرتبة الشرف الاولى ، ليعمل بعدها معيدا بنفس القسم متخصصا فى الفلسفه الوجودية ل ديكارت ، حتى يستقيل عام 1955 حين صدر قانون نقابة الصحفيين انذاك الذى حرم العمل فى الصحافة على غير المتفرغين لها. بدأ حياته الصحفيه مترجما للقصة القصيرة بصحيفة الاساس ، وكان موهوبا فى تعلم اللغات ، حيث اتقن سبع لغات هم الانجليزية والفرنسية والالمانيه والايطالية والروسية واللاتينيه ، واجاد القراءة والكتابة بهن.. قام عام 1959 بعد سنوات من التحاقة بدار أخبار اليوم برحلته الاشهر حول العالم والتى صاغها كتابا بعنوان "حول العالم فى 200 يوم" والذى حقق مبيعات هائلة ، فاقت عدد طبعاته ال24 طبعة ، مما جعلة درة أدب الرحلات فى العصر الحديث. وتوالت بعده عشرات المؤلفات ، والتى كان من أشهرها " فى صالون العقاد كانت لنا ايام" ، و " عاشوا فى حياتى " والعديد من الاعمال التى تحولت الى اعمال تليفزيونيه لعل من اشهرها " من الذى لا يحب فاطمه" . التحق كاتبنا بجريدة الاهرام ، وظل يكتب بها عمودا يوميا بعنوان مواقف فى الصفحة الاخيرة من الجريده ، وكان عمودا ينتظره الملايين الامر الذى جعل البعض يصف مدى شغف الناس به ، ان هذا العمود الصحفى الاشهر جعل جريدة الاهرام تقرأ من صفحتها الاخيره.! وكان عموده هذا يتميز بأنه قدم فيه أعمق الافكار الفلسفيه والاشكاليات الفكرية باسلوب سهل بسيط جعله يوصف – وبحق – بفيلسوف البسطاء . ولم يكن هذا هو أشهر ما اطلق عليه من القاب بل يأتى لقبه الاشهر " عدو المرأة" ليكون صدى لأسمه كلما ذكر اسم انيس منصور توارد هذا اللقب الى الاذهان مباشرة ، ولعل ذلك يعود إلى كلماته التى طالما صاغها مهاجما فيها المرأة تارة ، ومشاكسا لها تارة اخرى بعبارات لاذعة تحت عنوان " قالوا" لعل من أشهرها : - أن تجد امرأة راضيه عن حالها ... هذا شىء مستحيل. - لأن المرأة لا تفكر بعقلها فمن النادر أن تجد نفسها غلطانه. - امرأة تبحث عن حب جديد ، وامرأة صدمها حب قديم ... لا تجلس اليها. - حتى لو كانت هى أخر كلماتها قبل أن تموت ... لا تصدقها. - المرأة تكره القسوة ... الا من حبيبها. - طبيعتها : تحبك عندما لا تحبها ، لا تحبك عندما تحبها. وغيرها من الكلمات التى طالما أورثت النساء شغفا به اكثر من البغض له وبينما يقال عنه ذلك ، نجده فى إحدى حواراته الصحفية ينفى ذلك بشكل قاطع قائلا : " نعم أحب المراة .. فهى التى استطاعت بذكائها وتسامحها ورقتها ورهافة مشاعرها . وفى نفس الوقت بقوة شخصيتها واحتوائها أن تجذبنى بخيوط حريريه ناعمه من حياة العزلة ، لأصبح مخلوقا اجتماعيا يتفاعل ، وينعم بالزواج بعد اضرابى ..خوفا من أن يصبح الزواج عائقا أمام كيانى الابداعى ككاتب وأديب ، فلم يكن لدى أى نيه للزواج حتى سن الاربعين ، عندما استطاعت هذة الانسانه من بنات حواء أن تغير وجهة نظرى لأعلى بعدها الزواج ، الذى أضاف إلى تفكيرى عمقا اجتماعيا ومقدرة على التفاعل مع من حولى فأنا لم اكن اجتماعيا بطبعى ، وكان زواجى مبنيا على التفاهم والحب" كانت هذة الكلمات الرقيقه هى ما قالها أنيس منصور عن زوجته السيدة، والتى قدر لها موافقتها على طلبه منها بالا يكون له ابناء يتعذبون كما تعذب هو من أجل والدته. والدته التى من اجلها اجتهد حتى حصد العديد من الجوائز منها - الجائزة التشجيعيه من مجلس رعاية الفنون والاداب والعلوم الاجتماعيه عام 1963 - جائزة الدولة التقديريه فى الاداب من المجلس الاعلى للثقافة عام 1981 - جائزة مبارك فى الاداب من المجلس الاعلى للثقافة عام 2001 - الدكتوراة الفخريه من جامعة المنصورة وغيرها من الجوائز التى جعلته يحقق نبوءة والدته – ملهمته الاولى والاخيره – بالا يرحل عن عالمنا قبل أن يصبح له " شان وشنشان".
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg