رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

تنظيرات في الفن الصوفـي

عبد الرحـمن محمد
20/08/2017 11:10:25 م
يقف بنا الشعر مكتوبا او مُغنىً .. أو أي ضرب من ضروب الفن ذات الحساسية عند التجربة الفنية الصوفية. فهي لا تقدم أفكارا بالمعني الفلسفي التجريدي أو العمومي وإنما تقدم حالات ومناخات وأحوالا بالمنظور السيكولوجي الشعوري الذي يختلف باختلاف نفسية المريد وحالاته وغرضه من الالتقاء بالعمل الفني، ومن ثم كيفيه تعامل جهازه النفسي مع العمل وآلياته كالأسقاط والتماهي والتوحد والتقمص وغيرها من ميكانزمات الدفاع النفسي , حيث توقظ الأشياء وتتعدد تأويلاتـها وتصاريفها فهي كتابة تعتمد في المقام الأول علي الالتباس والشطح وخلط العالم المرئي بالميتافيزيقي .. دقه التصور ورهافة الحس على حساب الانكشاف المادي البحت أو الفكرة، في كونها فكرة أصلا من جانب مادي مجرد .. روح الخيال تتغلب على الاستدلالات المنطقية. قد نرى في ذلك نزوعا إلي الرومانتيكية، لكن من دون الدخول في دهاليزها فمختصر الكلام أن العمليه عمليه إحساس ليس إلا . وإذا انعطفنا مره أخري إلي الحديث عن المنظور النفسي الوجداني للفن في صورته التي قد صورناه عليها وصبغناه بها ..نجد أن الفن عمل بحث عن الهوية وهو بحث لا يجد غايته إلا بأن يفقـدها , الهوية المتولدة من الأنا والخروج منها إلي الذات.. الذات بمعني "الاكتمال والوجود والجماعية" .. الخروج من الأنا الناقصة الواهية الهشــة ذات الطابع الفردي إلي لون الجموع والكل , ونستعرض مثالا بسيطا لغويا لذاك مثلا "واحد إنسان فرد" يتحول إلي "مجموع إنسانيه كل" .. تلك العملية والسلسلة المتتالية والمتصاعدة من عمليات المحاكاة.. ولعل مثالا آخر يوضح السلسلة السالف ذكرها: في ذلك "السماع" عند المتصوفة.. فهو ملامسة الوجدان بالحواس أو انطباع أو محاولات مماهاة الملموس بالمحسوس وقد نسميه استدماجا إن صح التعبير .. السماع هو النور للنور .. سماع فوجد فلوعة فتمني ثم ملاحظه قلب فتدبر روح فسماع أيضا .. فهي حلقة مفرغة وموصولة بصلات قربى ووشائج لا يمكن إغفالها . ومن ثم توجد الرغبه الصادقه والاستعداد العميق لأداء فعل معين؛ بحيث يخلو الجسد والروح من أي مقاومه تعيق الأداء .. حينئذ يصبح المجال مفتوحا لاستحواذ المتلقي داخل تلك الحالة والسلسلة المركبة فنجوز تسميته بالوجد . فالوجد حركات إضطرارية تسكن النفس حيث لم تعد تقدر على أن تتحمل ما تشاهد ومن ثم تبدأ مرحلة الانصهار والمشاكلة والوصول الي مقام الرضا من ملاحظة سبحات الجلال واستقبال مؤشرات الجمال. وهنا تبدأ التجربة الفنية الصوفية بنسج خيوطها وتخرج في صورة شعر الحب والخمر والسكر والصحو والمكاشفة والتجلي . علي وجه العموم نشير إلى أن التجربة الفنية الصوفية هي تجربة خاصة، يتلبس الفن فيها طابع الانتقائيه أو النخبوية، ليست إبداعية بقدر ما هي "صوفية" لا تتجلى للعوام كالألهام والحدس مثلا, تتطلب استعدادا فطريا لتقبلها، ولفترة كافية من التعرض للعمل الفني لتكوين الحس الجمالي والذوقي. واتباعا للقول الصوفي الشهير "من ذاق عرف" فهي ذوقية تعتمد على السماع والملامسة والمواجدة والأنس والرؤية، وغير ذلك من دقائق المصطلحات التي يعبر بها الصوفيون عن وجدانهم ومواجيدهم .
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg