رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

شجرة الأمل

محمد فايد
20/08/2017 10:35:54 م
في زمان ومكان مجهولين كنت أجلس .... . رطبة هي تلك الأرض – يقولون بفعل المياه الجوفية – ولكني أعلم أنها من فعل التبول أو العرق أو كليهما ... وربما من تلك الإفرازات المنبعثة من كل مخرج بالأجساد العارية ..... اليوم هو يوم الاختبار الشهري.. أدعو ربي صامتا ألا أكون من هؤلاء ... جرى الانتقاء بعناية خاصة من قبل هؤلاء ....هناك ... في أحد مراكز البحوث لتهذيب وتطوير السلوك بالصحراء ... كان المكان يغلفه السواد إلا من حزمة من الأشعة تذهب وتأتي... تعلو وتهبط ... الباحثون أناس .. قد علا الغضب والتجهم وجوههم ... جبابرة الطلعة ... جذوعهم عارية ...سياطهم مجدولة ...يتميزون بأرقام برونزية ... تتأرجح على صدورهم بوتر مشدود لرقابهم.... يبدو أنهم لاعبون من الوزن الثقيل ... ٠٠ آه ... نسيت التعريف بنفسي ... مواطن مستقيل ... لماذا استقلت ؟؟ ... أسمع السؤال ... استقلت عندما تصارعت إشكاليات التربية الأخلاقية داخلي ... و بات العصيان منتصرا علي طاعتي ... فآثرت الاستقالة من وظيفة مواطن وركنت إلي وظيفة أخري أفضل ... مواطن مستقيل ... فور خروجنا من جنة الرطوبة العفنة ... فقد كان حظي أن أكون ضمن هؤلاء ... نزعوا عنا الثياب ... وناولونا أرقاماً بلاستيكية حمراء عُلِّقت حول رقابنا .. وهكذا دخلنا لمشروع بحث وتطوير وتهذيب سلوكياتنا ... وإبتلعتنا صالات البحث المغطاة ... وأصبحنا رهنا لأوامرهم . الهدف ... كان واضحا جليا من البداية ... إعادة التأهيل البداية كانت بحلق الرؤوس بالموسى ... ثم توصيل عدد من الأسلاك بكل فرع من فروع أجسادنا ... ثم الحقن بمصلين ... أولهما ... هو مصل الحقيقة ... والآخر الولاء والطاعة ... هكذا قرأنا ... كانت الأمصال عجيبة وشاذة ... تذهب بالحواس جميعا ... تروضها أو تداعبها ... لا يهم ... فتشعر وكأنك في غفوة جسدية وروحية ... يتساوى معها الوخز والبتر ... ورائحة الليمون و الميثان ... ولا تستطيع معها أن تمييز الملامح فلا فرق بين آزميرالدا وكوازيمودو ... ويتساوي دعاء الكروان مع صهيل طروادة ... حتى أن لحظات المتعة تتساوى مع ساعات العذاب ... تنخفض معها الثورة داخلك ... ...ودرجة الغضب ... ويغيب العقل عن الواقع ... فقط يبقي نبض يدنو للتوقف ويبتعد ... بمقدار كمية المصل ... تختفي الدهشة من العالم الجديد ... ترى الأشياءً مجرَّدة ... ذات أبعاد مكانية وتحركات لا تخضع إلا لحتميتها الرياضية الصِرفة... ويصبح الزمن امتدادا مجرداً لحالة من اللانهائية .. وتتساوي النقائض .. فلا فرق بين ليل ونهار ولا السماء والأرض ولا الموت والحياة ... بعد الحقن ... يتم التعرض لمجموعة من الاختبارات الشفوية ... تشمل الذكاء ... درجة الانفعال ... حجم الجمجمة والإفرازات الهرمونية... القدرة على التخيُّل والتصوُّر ... اختبارات لا أول لها ولا أخر. .. أجهزة كشف الكذب .... سرعة الاستجابة الانفعالية ... درجة المقاومة ... الإجابة على آلاف الأسئلة حول الأحلام ... والرغبات ... والميول، ما نشتهي ... ما نكره .... بعض من الأجهزة المتصلة بالأسلاك تظهر شاشة رقمية .. ... بالإضافة إلي تحليل شفوي صارم ... و حرفي ... من قائد حجرة البحث يدل علي رتبتك والتي تنوه عن وسيلة التوجيه السلوكي ... كانت الأجهزة تحيل كل هذه المعلومات إلى حروف أبجدية مقرونة برقم ... لتخرج في النهاية بتقدير نهائي للحالة الإنسانية محل البحث ... ثم تأتي النتيجة على شاشة خاصة... فإذا كنت ً صالحاً ... حصلت على رقم « أ - 7 » .. وبذلك أنت عنصر مثالي لائق .. متناغم مع كل معزوفة وطنية ... و ذو ولاء لكل ما هو وطني ...! سرعان ما تجد نفسك بين أيدي مختصين مهرة .. يأخذون بيدك للتدريب على العمل الذي سيوكل إليك ... أما إذا زاد التقدير أو نقص عن رقم « أ- 7 » فستخضع لنوع من العلاج ... لتسوية حالتك ويتحدد نوع العلاج بمقدار الانحراف عن الرقم القياسي كانت معظم النتائج تتراوح ما بين الرقمين « أ-5 » و « ب-9» وهي أرقام تقترب بأي حال من المعدَّل ...... ولا تدعو للقلق، لكن الكارثة كانت في الحظ العسر خاصتي ... إذ كانت محصلة بياناتي الرقم « ج-30 » لكم كرهت هذا الحرف وذاك الرقم.. لاحظتُ القلق في وجوه القائد و المسئولين المتواجدين ودبَّت في غرفة البحث نشاطات مضاعفة... وبعد التحري والتدقيق قرروا حقني بجرعة مضاعفة من « مصل الولاء » ثم أعادوا فحصي وتفريغ بياناتي من جديد فحصلت على نفس التقدير « ج-30 » مرة أخرى وعندها ساد الذعر في وِحدة الفحص والبحث ... وقرروا عزلي بجناح خاص يسمونه « السجود » وهو المعني المختصر لوحدة الخنوع .. وهناك تداعى عليَّ الباحثون الأولون من كل حدب وعالجوا جسدي بسرعة فائقة بواسطة أحدث طرق العلاج ... ثم جرت عمليات مراجعة شاملة لمجمل أرقامي وتقديري مرة أخرى .... فتبين أنَّ المعدات سليمة والقراءات لا تشوبها شائبة ... حتى التحليل الشخصي للقائد كان سليما لا يمكن الاعتراض عليه ... سمعت أحدهم يقول: أي منحرف هذا الذي يصل جنوحه إلى رقمٍ كهذا؟! ألا يكون إبليس متنكراً جاء ليفسد مشروعنا الوطني ؟ وسألني كبيرهم بعد جرعة ثالثة من «الولاء» أن أميِّز ما بين الزنا والزواج. وأذكر أن إجابتي كانت على النحو التالي : كلاهما .. فِعلٌ .. إيجابيٌ .. عٌضويٌ .. إراديٌ .. ثُنائيُ الطَرَف .. يصاحبه ارتفاع طفيف في درجة الحرارة واحمرار في الوجه ... وكلاهما مصيبة ... فقال: استجابته طبيعية ... وقابليته مناسبة .... فأين الخطأ إذن؟ ... لا أدري كيف اندفعت الكلمات على لساني ... فقلت : ألا يمكن سيدي أن يُعزى الخلل إلى إجابتي عن سؤال الحب فإجابتي كانت فقط هي الوطن بكل ما فيه . فكما ترون إنَّ حصيلة هذا العنصر هي رقم « 1 » فقط، الأمر الذي يجعل حاصل القسمة النهائي كبيراً على هذا النحو !! بالمقارنة بإجابتي عن ماذا اكره.! أخرس يا ابن ... ! رحم الله أمي وأبي ... أغلقوا فمي بشريط لاصق. وساعتها بدأتُ أشعر بجسامة المسؤولية .. إنَّ مادة بحث تحمل رقم « ج-30» لهو إنسان خطير بالفعل، فقانون التفاوت المسموح به في أي من العلوم يسمح بالتجاوز في حدود ضيقة ... درجة أو درجتان ... زيادةً أو نقصان عن أي معدل معياري ... فمثلا... الحاصلين على رقم « ب-9 » هم ضمن حدود التفاوت المسموح ... ويمكن علاجهم فيزيائياً فقط دون حاجة للجوء إلى العقارات أو التعرض للإشعاع أو تلك الأمصال .. وما يؤكد ذلك تلك الصيحات والصرخات التي تنطلق من ذوي الأرقام الجانحة في حدود المعدل المسموح عادةً أثناء معالجتهم جسدياً - سواء عوملوا بالسياط أو بغيرها من الأدوات – هذا العلاج قد أعطي نتائج مدهشة، بل إنَّ بعض الباحثين والمتخصصين من المتفائلين يذهبون إلى حد ابعد من ذلك ... ويعتقدون أن مجرَّد المثابرة على مشاهدة أفلام التربية القومية ... وقراءة واجهات الصحف بما تحمله يوميا علي لسان المسئولين و التي يبثها التلفاز القومي هو كاف بدرجة كبيرة لإعادة الاتزان ... وربما في بعض الحالات بث الأفلام التسجيلية المصورة من الفيديو المركزي لحَمَلَة الرمز « ب-9 » والتي تعرض صوراً شتى للمعالجات الروحانية مع ما يصاحبها من تشنجات مجسمة وموسيقي تصويرية تتمثل في هتافات أو صرخات و صيحات تشخيصية ... تكفي لتفريغ كل الشحنات السالبة العصبية وإعادة الاتزان. أما في مثل حالتي فإنَّ الأمر يتطلب إظهار شيء من الجديَّة والحزم ... حيث أن الانحراف قد فاق كل مستوي معياري ... لذا فقد قرروا إجراءَ عملية بسيطة لاستئصال أحد الأعضاء المعنية بالخصوبة من قاعدة الثبوت الخلقي .... هبطت نسبة الزهو والاعتداد للصفر.. لكن محصلة نتائج الاختبار الخاص بعد ذلك ... ظلَّت على حالها ... فعند إعادة الاختبار وحصولي على رقم « ج-30 » جُنَّ جنون المسئولين أمام تكرار الفشل في استيعاب هذه الحالة النادرة ... ومن منطلق إحساسي المرهف ... والرفق بهم ... وإظهاراً لحسن النية ... اقترحت ... أن يتم الكشف على اللاوعي لدي . .. فربما كانت هناك المشكلة التي يجهلونها ... والتي لا استطيع البوح بها ... استجابوا لمبادرتي فزوجوني لعروس خشبية في الحال. وجرت مراسم الزواج على طريقة ماسونية نجهلها بالتأكيد، وجرى زرع بعض الأسلاك الدقيقة أسفل الجمجمة ... وكذلك تعليق بعض المخالب الالكترونية على العمود الفقري ... نعم الفقري . بالفعل تم المراد، وبدأت التجربة من جديد ... وكانت كل القراءات تشير إلي الرقم صفر ... حتى مراكز الأحلام والتخيل ... أعطت نفس النتيجة ...صفر . عند إعادة الفحص وظهور الرقم « ج-30 » مرة أخرى... كان احد الباحثين قد سقط لاعتراضه طريق مقذوف القائد، وآخر سقط مغشيا عليه من جراء تصادمه مع كتلة حديدية هوت علي رأسه، بينما اشتاط كبيرهم غيظا، وراح يطلق صرخات مهددا كافة الباحثين الأحياء، مؤكدا علي ضرورة تغيير هذه النتائج، فإنها مؤشر علي فشله في تدريس المنهج . وهو لا يؤمن بالفشل أبدا . كان الرقم « ج-30» ثابتاً على الشاشة مثل صحراء العرب الشاسعة الممتدة كبحر لانهائي من حُبيبات ناعمة كانت أم خشنة من أكاسيد السيلكون الزجاجي ... تلفحه شمس عمودية .. حرارتها تكاد تصهر تلك الحبيبات الذهبية لتحولها إلي نهر من الزجاج البلوري ... ما زلت في حفل العرس الماسوني ...ً أمام آلة الاختبار مفرَّغاً من كل و أي مشاعر. كان المحيط صامتا، وكانت التفاصيل محايدة، وكان في مواجهتي على بعد أمتار قليلة نافذة مفتوحة على مصراعيها تعلو جدارا من الصمت . أحدق في الفراغ . تسللتْ كثبان الرمال بالصحراء عبر النافذة وعبرتْ الفراغ وسكنت عينيَّ . فيما يشبه الحلم – رأيت شجرة الأمل غضة خضراء تتمايل بفعل الرياح ... زكمت رئتاي بعبيرها ... رآني احدهم ... فتهلل وجهه ... وخرجت الإجابة من فمه : لابد أنها تلك الشجرة التي ينظر إليها . ركض الجميع إلي مقر إقامة الشجرة ... وراحوا يعالجونها بالمعاول حتى اختفت عن ناظري ... اختلست النظر جاهدا إلي الشاشة الرقمية ... مازال الرقم .... ج-30 .... وسكنت الشجرة بعبيرها داخل عقلي
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg