رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

"شطحة" طه حسين

طاهر عبدالرحمن
20/08/2017 09:45:37 م
آخر وزارة شكلها حزب الوفد قبيل سقوط وانهيار النظام الملكي كانت فى عام 1950، والتى جاءت نتيجة صفقة - أقرب للمؤامرة - عندما قبل الملك "فاروق" أن يتنازل قليلا ويتعاون مع حزب الوفد ليقاسمه السلطة والحكم بعد سنوات طويلة ومريرة من العداء والصراع والمعارك الخفية والعلنية. ولم يكن قبول الملك بذلك تطوعا بالخير أو حبا فى الديمقراطية أو رغبة في منح حزب الأغلبية حقه فى قيادة البلد لأن ذلك هو إختيار الأمة (مصدر السلطات) ، بقدر ماكان رغبة فى الهروب من مشاكل وعقد سياسية صنعتها تلك الحكومات الهزيلة التى وقف بجانبها وساندها عندا وعنادا بغير منطق أو سبب،وكذلك تهربا من فضائحه الشخصية والعائلية التى تفاقمت وتطورت : من زوجته إلى أمه وأخواته. وكانت تلك الصفقة - كذلك - مطلبا وفديا يريد بها حزب الأغلبية العودة للحكم بعد سنوات من التيه كانت قاسية وعنيفة على كوادره وأعضائه،وهو بهذه الصفقة يستعيد "حقه" المسلوب،لأن التجارب علمته أنه - فى بلد مثل مصر ومع ملك مثل "فاروق" - لايمكن التعويل كثيرا على الإنتخابات ونتائجها أو رغبة الناخبين وإختياراتهم ! ولقد جاءت تلك الصفقة نتيجة مشاورات ومداولات طويلة ومضنية بين "فؤاد سراج الدين" (سكرتير الوفد) و"كريم ثابت"(مستشار الملك الصحفى)،بحضور وإشراف من "أحمد عبود" (أغنى أغنياء مصر) وكذلك "تشامبان أندروز" (الوزير البريطانى المفوض) وكان العنوان الرئيسى الذى تجرى تحته المفاوضات هو "السياسة الجديدة" من كلا طرفى السياسة المصرية : الملك والوفد،على أن يتناسا الجميع ذكريات ماسبق بينهما و..."عفا الله عما سلف"!! ولقد كانت السيدة "زينب الوكيل" (زوجة النحاس باشا) هى المحرك الأساسى والرئيسى للوصول للوزارة وهى فى ذلك ضغطت على زوجها زعيم الوفد (ومصر كلها) أن يتنازل عن تاريخه وكرامته (وهو من هو) وينحنى ليطبع "قبلة" ولاء ومحبة على يد الملك "فاروق" لتكون بداية عهد جديد يضمن للوفد البقاء فى الحكم برضا ملكى دائم. وفى أثناء مشاورات التشكيل الوزارة إجتمع "مصطفى النحاس" مع القطب الوفدى العتيد "نجيب الهلالى" لساعات طويلة وظن الكثيرون أنه يعرض عليه منصبا وزاريا،ولكن الحقيقة أن "الهلالى" (باشا) رفض الوزارة وأعلن إعتزاله العمل السياسى كله،وكان فقط فى ذلك الإجتماع يحاول التوصل مع زعيم الوفد لتشكيلة وزارية جديدة وشكل غير تقليدى للوفد يراعى التغيرات والتطورات فى البلد والعالم بعد الحرب العالمية. ومن هنا جاء ترشيح "الهلالى" للدكتور "طه حسين" ليدخل وزيرا للمعارف،ولكن "النحاس" تخوف من ذلك قائلا بعفوية:"طه ممكن يشطح"،والمعنى أنه الأديب والمفكر داخل "طه حسين" سوف يتغلب على منصب الوزير ومن هنا قد يسبب مشاكل لاحدود لها،وبالطبع فإن أحدا فى مصر وقتها لم يكن ينسى معركة كتاب "فى الشعر الجاهلى" وماسببته من أزمات. ولكن "الهلالى" طمأن "دولة الرئيس" وقال له :"إن إختيار طه حسين سوف يعطى للحكومة رونقا وشكلا يعجب المثقفين والمتعلمين فى البلد"،...وفى ذلك الوقت - أعلن "الوزير" طه حسين عن أهم شطحاته وهى إعتبار "التعليم كالماء والهواء حق لكل فرد فى مصر"... وبعد مرور شهور قليلة تناسى الملك وحزب الوفد أسباب الاتفاق على الوفاق بينهما وبدأ الشقاق يدب فى علاقتهما،ولم تكن "قبلة" زعيم الوفد على يد "مولانا" كافية لإطالة عمر الوزارة أكثر من سنتين عندما أقالها "فاروق" ليلة حريق القاهرة فى 26 يناير 1952،ولم يعد الوفد إلى الحكم أبدا بعدها. ولم يبق - للتاريخ - سوى "شطحة" الدكتور "طه حسين" التى كان "دولة الرئيس" يتخوف منها!!
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg