رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

عيون بريئة
«الأمير الصغير» «Le Petit Prince» رواية صغيرة للكاتب الفرنسى أنطوان دو سانت أكزوبيرى «1900-1944» صدرتْ عام1943 أى منذ خمسة وسبعين عامــًا ، كتبها فى لحظة غريبة من حياته، كان منفيًّا فى نيويورك عام 1942، ولم يشهد نجاحها الكبير، وهى من أكثر الروايات التى حيـّـرتْ الملايين من البشر منذ صدورها وحتى الآن ، وقد اختارتها صحيفة لوموند من بين أفضل كتب القرن العشرين فى فرنسا، وقد تــُـرجمتْ إلى أكثر من 230 لغة. ووصل رقم مبيعاتها إلى أكثرمن 80 مليون نسخة.. كما أنّ الرواية حافظتْ على نسبة مبيعاتها فى جميع أنحاء العالم ، حيث تــُـحقق أكثر من مليون نسخة سنويًا.
حادثتان مأساويتان داميتان كلتاهما تدين الجميع، كلتاهما تــُـنبهنا إلى خطورة الغفلة والقسوة والعزلة التى باتت تسطو على حياتنا ومشاعرنا وقلوبنا. الحادث الأول: عثرتْ السلطات المصرية على جثة رجل مسن بالساحل، نُهشتْ أجزاءٌ من جسده بطريقة وحشية، تبين لاحقا أنّ (الفاعل) مجموعة من القطط .. وهذا الشخص كان يعيش بمفرده، وحيدًا، مات هذا الرجل.. ومرّتْ الأيام والقطط بلا طعام ، ولما اشتدّ بها الجوع نهشتْ جثة الرجل، لا أستطيع سرد تفاصيل المشهد لبشاعته.
فى كلمته خلال احتفالات المولد النبوى الشريف، بدت المرارة واضحة فى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يتحدث عن الكذب فى حياة المصريين، أو تحديدًا البعض من المصريين الذين أساءوا للآخرين، باعتبار أن هذه الآفة من أسوأ الآفات التى يمكن أن تُشين أى مجتمع، وهو الأمر الذى كان يجب أن نتوقف أمامه طويلًا على كل المستويات التعليمية والتربوية والإعلامية بصفة خاصة، فى إطار حركة الإصلاحات التى يخوضها المجتمع فى شتى المجالات وعلى كل الأصعدة، خاصة الجانب الأخلاقى، وهو الأهم فى حياة الشعوب ليس تاريخيًا فقط، وإنما فى الحاضر والمستقبل أيضًا.
فى عالم الانتهازية والهبش، أو بمعنى آخر فى عالم اخطف واجر، بِتُّ أتوقف طويلًا أمام تعبير نادر هو: مؤسسة أهلية لا تهدف إلى التربح، أو مؤسسة خاصة لا تهدف إلى الربح، فما بالنا إذا كانت هذه المؤسسة أو تلك تسعى إلى بناء الإنسان، وما بالنا إذا كانت هذه المؤسسة أو تلك نتاج منطقتنا الشرق أوسطية أو العربية تحديدًا، فى الوقت الذى تئن فيه الحالة العربية والإقليمية من العنف والتطرف والمواجهات المسلحة، نحن إذن أمام حالة خاصة جديرة بإلقاء الضوء عليها.
بالتأكيد هناك شىء ما خطأ، بل هناك أشياء كثيرة خطأ ونحن نتابع هذه الأخبار المتواترة كل يوم وآخر عن تلك الأُم التي باعت أطفالها، أو ذلك الأب الذي قتل أولاده، أو ذلك الزوج الذي قتل زوجته، أو هذه الزوجة التي غدرت بزوجها، هذا الابن العاق لأبيه، هذا الأب قاسي القلب على الأبناء، هذه البنت المنفلتة، هذا الصبي المدمن، إلى غير ذلك من كثير مما يرتبط مباشرة بالأسرة، أو ما يمكن أن نطلق عليه إجمالاً: جرائم الأسرة.
عيون بريئة السادات.. بين الحرب والسلام وأخلاق القرية
بين الحين والآخر أذهب إلى تلك الجملة التاريخية التى قالها، فكرى باشا أباظة، عام 1932، وأتوقف أمامها طويلاً والتى كان نصها: (إن الشابالصفيق من هؤلاء يتعمد الوقوف على رصيف محطة الترام بالقرب من المكان المخصص لركوب السيدات. وعندما يجد سيدة تقف بمفردهايقترب منها بمنتهى البجاحة ويقول لها دون سابق معرفة: بنسوار ياهانم)، هذه الجملة التى تجعلنى أتساءل دائماً: ماذا لو كان فكرى باشا أباظةومن على شاكلته أخلاقياً على قيد الحياة الآن، ماذا لو كانوا يعيشون بيننا، ماذا لو شاهدوا ما نشاهده وسمعوا ما نسمعه؟!
أنظار العالم فى أنحاء الكُرة الأرضية تتجه الآن إلى الكُرة المستديرة، أو ما يسمونها الساحرة المستديرة، تتجه إلى المستطيل الأخضر، أو كرةالقدم، معشوقة الجماهير من أقصى الأرض إلى أقصاها، اللعبة الأولى عالمياً من بين عشرات اللعبات الجماعية والفردية، حتى أن أسعاراللاعبين الـ 22 مجتمعة فى بعض الملاعب، أو فى إحدى المباريات المهمة أصبحت تبلغ أرقاماً بمليارات الدولارات، خاصة إذا علمنا أن لاعباًواحداً بلغت صفقة انتقاله من نادٍ إلى آخر فى الآونة الأخيرة نحو 220 مليون يورو، ما يوازى نحو 4٫5 مليار جنيه.
قد تكون هناك شعرة فاصلة بين التطرف والإرهاب حينما يكون التطرف كامناً، لا يتحرك سوى بالتعبير عن الرأى، وقد لا توجد هذه الشعرة، حينذاك لا يمكن الفصل بين التطرف والإرهاب، ذلك أن المتطرف فى هذه الحالة لا يؤمن بالحوار، من هنا تأتى أهمية مقاومة التطرف منذ البداية، قد يكون دينياً، وقد يكون سياسياً، وقد يكون طائفياً، وقد يكون عرقياً، هو فى النهاية نواة خصبة للعنف وسفك الدماء، ومن ثم عدم الاستقرار.
قد تكون مصر عانت عبر تاريخها، مع فيضان وجفاف النيل تارة، ومع كل أنواع الاحتلال والاستعمار تارة أخرى، ومع الفقر وضيق العيش تارة ثالثة، ثم بعد ذلك مع الحروب والأزمات الاقتصادية، إلا أنه طوال الوقت كان هناك يقين لدى المصريين دائماً وأبداً، بأن مصر محفوظة ومحروسة بعين الله التى لا تنام، ذلك أنها البلد الذى ورد ذكره في كل الكتب المقدسة دون استثناء عشرات المرات، وهى الوطن الذى اختصه الله سبحانه وتعالى فى القرآن بالأمن والأمان في قوله تعالى (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)، وهو ما لم يختص به سواها من العالمين، أضف إلى ذلك أنها خزينة الله فى الأرض، فى قول سيدنا يوسف عليه السلام (اجعلنى على خزائن الأرض)، وهو ما يجعل من باطن الأرض المصرية خزينة للثروات بمختلف أنواعها، حتى وإن لم يحن الوقت لاكتشافها، لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى.
مؤخرا، نشر موقع «ڤيتو» الإخباري جزءا من حوار كنت قد أجريته مع الراحل الأستاذ لطفي الخولي، بمجلة "نصف الدنيا" عام 1995 -وقت أن كانت الرائعة الأستاذة سناء البيسي رئيسة التحريرـ، تناول فيه شئون وشجون الشأن الثقافي المصري، بالعودة إلى الحوار الذي مضى عليه 22 عاما، سوف نكتشف أن شيئا لم يتغير، وكأن الرجل يعيش بيننا الآن، السلبيات كما هي، الأزمة كما هي، روشتة العلاج تؤكد أن الأمراض كما هي، بما يطرح قضية أراها غاية في الأهمية من خلال مجلة "ديوان الأهرام" بحكم تخصصها في الثلاثي المهم، ممثلا في الثقافة والتراث والوثائق، أراها كالآتي:
شاركتُ في حلقة عمل صحفية، على مدى ثلاثة أيام، ضمن مجموعة من الصحفيين العرب، في مدينة جنيف الساحرة بسويسرا، حول الملكية الفكرية، نظمتها المنظمة الدولية للملكية الفكرية، المعروفة اختصارا بالـ «الويبو» التابعة للأمم المتحدة، تحت إشراف الدكتور وليد عبدالناصر، ممثل المجموعة العربية بالمنظمة، استمعتُ إلى عدد كبير من المحاضرات التي ألقاها متخصصون دوليون في هذا الشأن، الحقائق على المستوى الدولي مبهرة، وعلى المستوى العربي مفجعة، فيما يتعلق بالعصر الحديث تحديدا، من حيث الاختراعات والابتكارات، ذلك أن التاريخ أصبح يتجاهل- عن عمد- إبداعات المسلمين والعرب الأوائل في هذا الشأن، وهو الأمر الذي يتطلب صحوة عربية ترصد ذلك الماضي التليد، وتؤسس لحاضر أكثر تقدما، ومستقبل أفضل من أجل الأجيال القادمة.
الاختلاف سُنة الله في الكون، لن تستقيم الحياة بدونه، في ثقافتنا هو الرأي والرأي الآخر، فلا تستقيم الأوضاع بدونهما، في القرآن الكريم (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) سورة البقرة، آية 250 ، وفي القرآن الكريم أيضا (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) سورة الحج، آية 40، وفي الديمقراطيات الحديثة لم يعد هناك مجال للرأي الواحد، أصبح ثقافة بائدة، في الولايات المتحدة الأمريكية حسمها إبراهام لنكولن مبكرا حينما قال: (كانت المعارضة من ورائي سياطا تلهبني، ومن أمامي ضياءً ينير لي الطريق) هكذا تقدموا وهكذا أصبحوا.
  مع بداية تحمل مسئولية إدارة مجلة (ديوان الأهرام) لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر لمن سبقونا في إصدار المجلة وإرساء قواعدها التحريرية والفنية، الزميل الأستاذ إبراهيم داود ومن سبقوه من الزملاء والزميلات، رؤساء ومديرى التحرير والمحررين وسكرتارية التحرير الفنية وغيرهم، ذلك أن المجلة لا تنهض بيد واحدة أبداً أو بجهد فردي، إنما بفعل العمل الجماعي الذي اعتادت عليه منذ ظهورها للقارئ فى يناير ٢٠١٠.  
    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg