رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

قصيدة "عاشق من فلسطين" للشاعر محمود درويش

عيونك شوكة في القلب
 
توجعني ..و أعبدها
 
و أحميها من الريح
 
و أغمدها وراء الليل و الأوجاع.. أغمدها
 
فيشعل جرحها ضوء المصابيح
 
و يجعل حاضري غدها
 
أعزّ عليّ من روحي
 
و أنسى، بعد حين، في لقاء العين بالعين
 
بأنّا مرة كنّا وراء، الباب ،إثنين!
 
كلامك كان أغنية
 
و كنت أحاول الإنشاد
 
و لكن الشقاء أحاط بالشفقة الربيعيّة
 
كلامك ..كالسنونو طار من بيتي
 
فهاجر باب منزلنا ،و عتبتنا الخريفيّة
 
وراءك، حيث شاء الشوق..
 
و انكسرت مرايانا
 
فصار الحزن ألفين
 
و لملمنا شظايا الصوت!
 
لم نتقن سوى مرثية الوطن
 
سننزعها معا في صدر جيتار
 
وفق سطوح نكبتنا، سنعزفها
 
لأقمار مشوهّة ..و أحجار
 
و لكنيّ نسيت.. نسيت يا مجهولة الصوت:
 
رحيلك أصدأ الجيتار.. أم صمتي؟!
 
رأيتك أمس في الميناء
 
مسافرة بلا أهل .. بلا زاد
 
ركضت إليك كالأيتام،
 
أسأل حكمة الأجداد :
 
لماذا تسحب البيّارة الخضراء
 
إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء
 
و تبقى رغم رحلتها
 
و رغم روائح الأملاح و الأشواق ،
 
تبقى دائما خضراء؟
 
و أكتب في مفكرتي:
 
أحبّ البرتقال. و أكره الميناء
 
و أردف في مفكرتي :
 
على الميناء
 
وقفت .و كانت الدنيا عيون الشتاء
 
و قشرةالبرتقال لنا. و خلفي كانت الصحراء !
 
رأيتك في جبال الشوك
 
راعية بلا أغنام
 
مطاردة، و في الأطلال..
 
و كنت حديقتي، و أنا غريب الدّار
 
أدقّ الباب يا قلبي
 
على قلبي..
 
يقوم الباب و الشبّاك و الإسمنت و الأحجار !
 
رأيتك في خوابي الماء و القمح
 
محطّمة .رأيتك في مقاهي الليل خادمة
 
رأيتك في شعاع الدمع و الجرح.
 
و أنت الرئة الأخرى بصدري ..
 
أنت أنت الصوت في شفتي ..
 
و أنت الماء، أنت النار!
 
رأيتك عند باب الكهف.. عند الدار
 
معلّقة على حبل الغسيل ثياب أيتامك
 
رأيتك في المواقد.. في الشوارع..
 
في الزرائب.. في دم الشمس
 
رأيتك في أغاني اليتم و البؤس !
 
رأيتك ملء ملح البحر و الرمل
 
و كنت جميلة كالأرض.. كالأطفال.. كالفلّ
 
و أقسم:
 
من رموش العين سوف أخيط منديلا
 
و أنقش فوقه لعينيك
 
و إسما حين أسقيه فؤادا ذاب ترتيلا ..
 
يمدّ عرائش الأيك ..
 
سأكتب جملة أغلى من الشهداء و القبّل:
 
"فلسطينية كانت.. و لم تزل!"
 
فتحت الباب و الشباك في ليل الأعاصير
 
على قمر تصلّب في ليالينا
 
وقلت لليلتي: دوري!
 
وراء الليل و السور..
 
فلي وعد مع الكلمات و النور..
 
و أنت حديقتي العذراء..
 
ما دامت أغانينا
 
سيوفا حين نشرعها
 
و أنت وفية كالقمح ..
 
ما دامت أغانينا
 
سمادا حين نزرعها
 
و أنت كنخلة في البال،
 
ما انكسرت لعاصفة و حطّاب
 
وما جزّت ضفائرها
 
وحوش البيد و الغاب..
 
و لكني أنا المنفيّ خلف السور و الباب
 
خذني تحت عينيك
 
خذيني، أينما كنت
 
خذيني ،كيفما كنت
 
أردّ إلي لون الوجه و البدن
 
وضوء القلب و العين
 
و ملح الخبز و اللحن
 
و طعم الأرض و الوطن!
 
خذيني تحت عينيك
 
خذيني لوحة زيتّية في كوخ حسرات
 
خذيني آية من سفر مأساتي
 
خذيني لعبة.. حجرا من البيت
 
ليذكر جيلنا الآتي
 
مساربه إلى البيت!
 
فلسطينية العينين و الوشم
 
فلسطينية الإسم
 
فلسطينية الأحلام و الهم
 
فلسطينية المنديل و القدمين و الجسم
 
فلسطينية الكلمات و الصمت
 
فلسطينية الصوت
 
فلسطينية الميلاد و الموت
 
حملتك في دفاتري القديمة
 
نار أشعاري
 
حملتك زاد أسفاري
 
و باسمك صحت في الوديان:
 
خيول الروم! أعرفها
 
و إن يتبدل الميدان!
 
خذوا حذّرا..
 
من البرق الذي صكّته أغنيتي على الصوّان
 
أنا زين الشباب ،و فارس الفرسان
 
أنا. و محطّم الأوثان.
 
حدود الشام أزرعها
 
قصائد تطلق العقبان!
 
و باسمك، صحت بالأعداء:
 
كلى لحمي إذا ما نمت يا ديدان
 
فبيض النمل لا يلد النسور..
 
و بيضة الأفعى ..
 
يخبىء قشرها ثعبان!
 
خيول الروم.. أعرفها
 
و أعرف قبلها أني
 
أنا زين الشباب، و فارس الفرسان
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg