رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

مارتن لوثر كنج قاهر العنصرية بـ «حلم»

هو واحد من حفدة أولئك القوم سود البشرة الذين حملوا قسرا من أفريقيا  إلى أمريكا ليعملوا عبيدا فى حقولها ومصانعها تحت لسع السياط ، تشرق الشمس عليهم، و تغيب عنهم، طوال قرنين من الزمان وهم أدنى مرتبة من جميع الكائنات.. مجرد سلعة تباع وتشترى وتستبدل.
بدأ السود كفاحهم فى حذر للاحتجاج على الاضطهاد الذى يلقونه، فلا يتعدى الأمر مجرد إلقاء خطاب حماسى يندد بالتفرقة العنصرية دون مواجهة حقيقية للمشكلة، ومحاولة حلها , ودون اتخاذ أى إجراء حاسم لوقف مثل هذا الاضطهاد  الذى تعانيه أقلية لا تملك شيئا، فى مواجهة أغلبية ملكت وتملك كل شيء، كان موقفا تنقصه القوة أمام أغلبية تملك كل مقومات الغلبة والسلطان .. باختصار الضعف يواجه القوة.
ومن أشهر الزعماء السود فى تاريخ الحركة الزنجية فى الولايات المتحدة الأمريكية " بوكر.ت. واشنطن ,دى بوا ,ماركوس جارافى ,فردريك دوجلاس"، و يعد الأخير المثل الذى احتذى به مارتن لوثر كنج وتأثر به فى تحقيق نصرة السود بالعمل الإيجابى المثمر، بينما كان بوكر واشنطن يدعو إلى المهادنة والبعد عن العمل السياسى ونبذ خط الضغط على الحكومة، والرجوع لروح التسامح التى يتسم بها الدين المسيحى، فيما كان"دى بوا" على النقيض من بوكر, حيث كان ينادى باستعمال العنف إلى أقصى حد ,سواء كان العنف ماديا أو معنويا أو حتى بدنيا، من هنا كانت هذه الرؤى المختلفة لمعالجة القضية العنصرية.
وعلى يد هؤلاء القادة دخلت حركة مناهضة التفرقة العنصرية اللونية فى دور من التنظيم لم تعرفه من قبل، وأخذت منظمات السود فى الظهور ,ولكل منها خططه التى يضعها مؤسسوها، وطريقتهم فى معالجة قضيتهم ، و تعددت وتنوعت المنظمات مثل "مؤتمر المساواة العنصرية – الرابطة القومية لتقدم الملونين – جمعية تنسيق الجهود الوطنية" ووسط هذا الجو المشحون ولد مارتن لوثر كنج. 
 
قبل البداية
ولد مارتن لوثر كينج جونيور فى 15 يناير عام 1929 بمدينة أتلانتا التى كانت تعج بأبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وقد عانت أمه  أشد العناء فى أثناء حملها , لكن بعد ساعات من العذاب ولد الطفل مارتن لوثر كينج، وكادت القلوب تتوقف عن الحركة من أجله؛ لأنه بدا ميتا إلى أن صدر منه صراخ واهن، بعد نجاح الطبيب فى محاولات إفاقته.
ليصبح طفلا قويا صحيح البدن ممتلئا نشاطا وحيوية، تميزه روح من المرح و حب الدعابة , محبوبا من جميع أقرانه، رغم تفوقه عليهم بسعة فهم وإدراك وإرادة لا تقهر ونبوغ فطرى، كان يعشق الكلمة ويعلم ما لها من تأثير على جماهير المستمعين , وقد لاحظ بنفسه هذا التأثير فى أثناء حضوره لعظات أبيه " كان قسا" , وانفعال الحضور وتأثرهم بكلماته وهو يخطب فيهم منددا بتفاوت المستوى بين البيض والسود.
ويكبر مارتن لوثر وتتفتح عيناه على الدنيا فتصدمه حقيقة مروعة نتيجة كونه أسود، حيث فرضت عليه وعلى أبناء جلدته قيود لا يستطيعون تخطيها، وهناك بعض الأماكن التى يحرم عليهم ارتيادها، وعليهم أن يحترسوا فى معاملتهم  البيض ,كان الأمر فى جملته لا يمكن لعقل صبى أن يستوعبه أو يتفهمه.
 
الحادثة
 وقعت  للطفل مارتن حادثة فى طفولته كانت ذات تأثير مهم فى تشكيل أفكاره ,وانطبعت آثارها فى ذهنه ,وكان لها عظيم الأثر فى تكوين شخصيته و فى مناهضته للعنصرية. حيث يقول: " كنت أصاحب طفلين أبيضين , وكنا نلعب ثلاثتنا معآ قبل دخول المدرسة ,ولم يعن اختلاف لون البشرة شيئا بالنسبة لهما , إلى أن دخلنا المدرسة، فذهبا هما إلى مدرسة للبيض، وذهبت أنا إلى أخرى للسود، ولكن مع ذلك لم أعر الأمرأهميه أو التفات، إذ كنا نلتقى ثلاثتنا بعد الدراسة ,فنلعب معا أو نتحادث فيما حصلنا من الدروس، إلى أن جاء يوم منعتنى فيه أمهما من الحديث إليهما أو اللعب معهما، وصدمتنى بالحقيقة المرة وهى إنى أسود. وأذكر يومها أننى بكيت كما لم أبك  فى حياتى،  وذهبت إلى أمى أقص عليها ماحدث، وأطلب منها تفسيرا لمعنى ما سمعت، فمسحت دموعى وهدأت من روعى ونصحتنى ألا ألقى للأمر أهمية فأنا لا أقل عن الأطفال البيض فى شيء إن لم أكن أفوقهم أيضا"، ومضت السنوات ودخل كينج المدارس العامة فى سنة 1935، ومنها إلى مدرسة المعمل الخاص بجامعة أتلانتا ثم التحق بمدرسة "بوكر واشنطن"، وكان تفوقه على أقرانه سببا لالتحاقه بالجامعة ، حيث كان فى دراسته مثالا للطالب النموذجى المجتهد الذى فاق أقرانه وبدا أكثرهم نبوغا ، ورغم أنه كان قوى البنية إلا أنه لم يكن يحب القتال ويفضل  المنطق والإقناع ، فكانت لديه إرادة حديدية ومظهر هادىء يخفى وراءه بركانا ثائرا.
والتحق مارتن بالجامعة فى عام 1942، حيث درس بكلية مورهاوس التى ساعدت على توسيع إدراك كينج لثنايا نفسه وأهلته للمهمة التى يستطيع أداءها للعالم.
وفي سنة 1947 تم تعيينه كمساعد فى كنيسة أبيه، قبل أن يحصل على درجة البكالوريوس فى الآداب في سنة 1948، ولم يكن عمره يزيد على 19 عاما، وحينها التقى فتاة سوداء تدعى “كوريتاسكوت”، وتم زفافهما عام 1953، ثم حصل على الدكتوراه فى الفلسفة من جامعة بوسطن .
  أما والد مارتن لوثر كنج فقد كان  راعيا لكنيسة صغيرة بعد أن تلقى العلم في كلية “مور هاوس”، وعاش بعد زواجه في بيت والد زوجته “ويليامز” , الذى أصبح رفيقه فيما بعد فى حركة نضال الأفارقة، تلك الحركة التى استكمل فيها مارتن مسيرة أبيه وجده حتى أصبح أشهر الدعاة المطالبين بالحقوق المدنية للأفارقة والأقليات.
 
النضال من أجل المساواة
تعتبر حياة المناضل الأمريكى من أصول إفريقية مارتن لوثر كينج، من أكثر قصص النضال السياسى إلهاما من أجل نيل الحقوق والحريات العامة فى أمريكا وحول العالم، فبرغم ردود الفعل العنيفة ضد مطالبه، والتى دفع حياته ثمنا لها، فإنه طالما نادى بالسلمية وعدم اللجوء مطلقا إلى العنف،  بشكل عام تبلورت المطالب التى عبر عنها مارتن لوثر فى ثلاثة مطالب رئيسية هى: فتح باب التعليم للسود على مصراعيه، العمل على تحسين أحوالهم وظروفهم المعيشية، منحهم حق الانتخاب وإشراكهم فى الحكم. 
 وترجع بداية النضال المتجذر فى النفس إلى بداية نشأة مارتن كما ذكرنا , ولكن بداية الانخراط  جاءت فى شهر مايو 1954 حيث حقق السود "انتصارا" مهما عندما حكمت المحكمة العليا بأن التمييز العنصرى ضد الطلاب السود فى المدارس الرسمية هو أمر غير دستورى، وكانت تلك الخطوة هى الأولى فى مسيرة الألف ميل نحو المساواة. وفى نهاية أكتوبر 1954 عين مارتن لوثر كاهنا في مدينة مونتجومرى فى ألاباما التى شهدت فى العام التالى مباشرة ما عرف ب"أزمة الباصات". حيث نصت قوانين ولاية ألاباما على إنه لا يحق للسود الجلوس فى الأماكن التى يجلس فيها البيض فى الباصات، وفى ديسمبر 1955 رفضت امرأة سوداء أن تتخلى عن مقعدها فى أحد الباصات لرجل أبيض فاعتقلتها الشرطة.
اجتمعت كل الحركات المناهضة للتمييز العنصرى فى المدينة فى اليوم نفسه وانتخب أعضاؤها بالإجماع مارتن لوثر كينج رئيسا لتجمعهم الذى أطلقوا عليه اسم " جمعية تطوير مونتجومرى". وقرروا رفع دعوى لإثبات عدم دستورية قوانين التمييز العنصرى فى الباصات, فردت الشركة بأن أوقفت رحلاتها إلى الأحياء ذات الغالبية السوداء ,وتعرض كينج لحملة مضايقات من رجال الشرطة بسبب نشاطاته المناهضة للعنصرية، كما تعرض لأعمال عنف من أشخاص عنصريين، ورميت قنبلة على منزله. لكن كل ذلك يهون أمام ما حكمت به المحكمة في 4 من يونيو 1956 بأن التمييز العنصرى فى الباصات هو أمر غير دستورى، وقبل نهاية ذلك العام صار يحق للسود الجلوس في مكان واحد مع البيض.
تابع مارتن ورفاقه نضالهم من أجل الحقوق المدنية للسود فى الولايات المتحدة، وراحوا يحرزون الانتصار تلو الآخر. ففي سبتمبر 1957 وافق الكونجرس على مشروع قانون الحقوق المدنية وكان من نتيجة ذلك إنشاء مفوضية الحقوق المدنية كهيئة مستقلة، وإنشاء دائرة للحقوق المدنية تابعة لوزارة العدل.
ومن جهة أخرى تابعت الشرطة مضايقاتها لكينج، فأوقفه أحد أفرادها بتهمة "عدم الامتثال"، وحكمت عليه المحكمة فى سبتمبر 1958 بغرامة مالية، رفض دفعها، ولكن مدير الشرطة قام بذلك - رغم معارضة كينج - فى محاولة منه لإظهار عدم التحيز ضد المناضلين من أجل الحقوق المدنية. وبعد أيام ظهر كتاب كينج الشهير "خطوة نحو الحرية: قصة مدينة مونتجومري".
شهد عام 1961 تشكيل مجموعة "الركاب الأحرار" الذين أعلنوا عن عزمهم على ركوب الباصات التي تنقل الركاب فيما بين الولايات والتى كانت مشمولة بقوانين التمييز العنصري، فأصدرت المحكمة العليا حكما بأن التمييز العنصرى في الباصات التي تعبر الولايات غير دستورى فى مايو 1961، وهكذا قامت المجموعة الأولى من "الركاب الأحرار" باستخدام الباص الذى ينقل الركاب من واشنطن إلى ولاية الميسيسبى.غير أن جماعات من المتعصبين العنصريين هاجمت الباص وأحرقته فى ألاباما. كما قامت مجموعات أخرى بالاعتداء بالضرب على الركاب الذين استقلوا باصا آخر لمتابعة الرحلة في بيرمنجهام، وفى النهاية قامت الشرطة باعتقالهم عند وصولهم إلى مدينة جاكسون فى الميسيسبى وأمضوا ما بين 40 و 60 يوما قيد الإعتقال.
وفى السنوات التالية 1962 ـ 1963تعرض كينج للمزيد من حملات المضايقة والاعتقال بتهم تافهة لا تستوجب فى العادة التوقيف أو السجن. 
 
السجن والاغتيال
وخلال 11 عاما ما بين 1957 - 1968 لم يهدأ مارتن فى دفاعه عن الحقوق المدنية للزنوج الأمريكان، سافر فيها لأكثر من منطقة وألقى العديد من الخطب، وكانت له مشاركات فعالة فى أى منطقة يوجد بها ظلم أو مظاهر للاحتجاج، وألف خمسة كتب، وكتب العديد من المقالات، وقاد مظاهرات ضخمة جذبت اهتمام العالم كله، كما ألقى القبض عليه نحو 20 مرة، وتعرض للاعتداء أكثر من أربع مرات.
لكنه ظل لآخر يوم فى حياته حاملاً على عاتقه قضايا الزنوج ومشاكلهم مثل قضايا الفقر وأهمية إعادة توزيع الدخول بشكل عادل، والعنصرية والتفريق بين الرجل الأبيض والأسود.
وقد تعرض مارتن للعديد من محاولات الاغتيال والتي لم تنجح أي منها في النيل منه وكانت واحدة منها على يد إحدى السيدات في 19 من سبتمبر 1957، عندما حاولت طعنة بفتاحة خطابات، وكاد مارتن يفقد حياته على إثرها، ولكن قدر له أن يحيا ليستمر في مقاومته للعنصرية. 
لكن جاءت نهاية زعيم الحرية ، بولاية ممفيس في مساء الرابع من أبريل 1968 عندما تم اغتياله بطلقات رصاص أطلقها عليه أحد المتعصبين البيض يدعى جيمس أرل راى فى أثناء وجوده فى شرفة فندقه، وذلك فى أثناء وجوده بممفيس لتأييد إضراب "جامعى النفايات". وحكم على القاتل بالسجن 99عاماً، وقد أفادت التحقيقات بعد ذلك أن هذا الاغتيال ربما يكون مدبراً وأن جيمس راى ما هو إلا مجرد أداة لتنفيذ الاغتيال.
وفي 9 أبريل 1968 جرت مراسم تشييع جنازة مارتن لوثر جماهيرية فى أتلانتا ، وبعد أسبوع وقّع الرئيس الأمريكى ليندون جونسون قانون الحقوق المدنية الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ويلزم الإدارة الفيدرالية تنفيذ بنود القانون، وبعد أكثر من أربعين عاماً على ندائه "الأسطورى" تحقق حلم كينج فى وصول أول شخص من أصل إفريقى إلى منصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية .. باراك أوباما.
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg