رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

جلال الدين الرومى..رسول المحبة للعالمين

كـلُّ إنــــســـان يحب الله من قلبه ويتضرع إليه، إذ ليس بوسعنا أن نضع اسمًا لهذا الإيمان القاطن فى القلب، وعندما يسيل هذا الإيمان إلى مجرى الكلام وقالبه يتشكّل ويُكتب اسم له.
فى مدونات السيرة وتاريخ الإسلام مواد جيدة يمكن الاستفادة منها والبناء عليها وتطويرها، ويمكن من خلال ذلك أن يردد المنتمى إلى هذه المبادئ صلاحية الدين لزمان غير زمان إرساله.
نقرأ فى السير أن النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى حال التمكين والقوة فى بلده سمح بإقامة شعائر الصلاة لوفد مسيحى كان يحاوره فى المسجد، ورغم أن النبى يُتّبع فى كافة التقاليد الشخصية والظاهرية من جمهور كبير من المسلمين، فـإنه لا يمكن اليوم أن نتحدث عن صلاة غير إسلامية فى مسجد، على الرغم من كثرة المساجد وعلى الرغم من صحبة المسلم للمسيحى وجواره! 
نقرأ فى التاريخ عن مسلم بعد عصر الصحابة يجدد الاهتمام بالتوراة والإنجيل تدبرا وقراءة ومدارسة، حتى يتمكن من فهم ما تحويه من تعاليم، ثم يصبح هذا المسلم مرجعية فى شرح التعاليم الدينية لأهل الأديان التى يخالفها ويرى كفر بعض معتنقيها،  لا يمكن أن نظفر فى العصر الحديث بنموذج هذا المسلم القارئ من باب المعرفة والاقتراب، وإن تجددت قراءة الكتاب المقدس فإن القراءة تكون بعين العدو لا الشريك أو المتعلم.
نقرأ أن النبى جاء رحمة للعالمين لكننا لا نتوجه بالخطاب إلا للمسلمين! ما فعله جلال الدين الرومى أنه برهن على معرفته بنموذج الرسول الإنسان الكامل كما رآه، برهن أفعالا ولم يكتف بالأقوال والآيات والأحاديث ،  ولمّا كان خطابه للعالمين وجدناه حاضرا عند نظرائه فى الخلق أكثر من حضوره عند شركائه فى الدين، ووجدنا بناءات تتجدد معتمدة أفكار مولانا جلال الدين الرومي.
 
هل يمكن أن تساعدنا كتابات جلال الدين الرومى اليوم؟
تجيب أنّا مارى شيمل المستشرقة التى فُتنت بعالم الرومي، وألقت العديد من المحاضرات عن أفكاره وألّفت الكثير من الكتب فى اللغة الألمانية والإنجليزية والتركية مستفيدة من تراث الرومى عن هذا السؤال قائلة: يمكن أن تساعدنا كتابات الرومى على إدراك الصراع بين العالم المادى والعالم الروحى ، فقد عاش الرومى فى زمن صعب، اشتد فيه التناحر والقتال بين الناس، وكانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أسوأ حال، إنه الزمن الذى داهم فيه المغول المراكز الحضارية فى المناطق العربية الإسلامية وحطّموها، وعاثوا فيها فسادًا. ومثلما يقول مولانا جلال الدين: "كلُّ الناس يهابون المغول. غير أننا نعبدُ الله الذى خلق المغول!" فإن هناك دائمًا قوة قادرة على أن تتغلب على قوى القهر والظلم والفساد، والحرب والتحطيم، وهذه القوة هى القوة الروحية، تلك التى تنبع من أعماق الإنسان وتجعله قادرًا على تحمّل الشدائد، وعلى المحافظة على الحياة، ونحن نعيش الآن زمنًا صعبًا تكاثرت فيه قوى الحقد والظلم، وأصبحت فيه مهددة تهديدًا حقيقياًّ ، ولذا فإنه من واجبنا البحث عن عناصر الخلاص، وأعتقد أن أقوال وكتابات جلال الدين الرومى قادرة على أن ترشدنا إلى سبيل الخلاص، وأن تهدينا إلى ينابيع الحقيقة.
إن التاريخ يعلمنا حقيقة بسيطة، وهى أننا قادرون على أن نتجاوز المصاعب والكوارث إذا ما نحن تعلّقنا بالمبادئ الروحية والإنسانية. غير أن أغلب الناس تناسوا مع الأسف الشديد هذه الحقائق البسيطة وهذا شيء خطير.
لقد سقنا فى بداية مقالنا حكاية بسيطة من نماذج وقيم لا تنتهى لمولانا جلال الدين الرومى تعبّر عن احترامه للإنسان وتقديره له دون النظر إلى عرق معين أو ديانة مخالفة لما يدين به، لأنه آمن بالحب والإنسان إيمانًا حقيقياًّ وضرب بشخصه مثالاً على هذا الإيمان فسلوكه مع أهل الأديان ينبغى أن نستحضره اليوم ونحن نعيش للأسف فى ظل ثقافة تدعم الكراهية وتتقرب إلى ربها بقتل الإنسان وتدمير حضارته، ويمكن أن نذكر هنا مثالا مختصرًا لاحترام الرومى للآخر الديني، وبصورة خاصة المسيحى الذى كان دومًا فى حوار ولقاء معه.
كانت فطرة جلال الدين تؤمن بأنه يمكن للإنسان أن يحقق السعادة والرضا والتعايش والتآلف بين مختلف الأديان: إذا ما صدق العزم، وخلصت النية، وقد تجلّى ذلك فى العديد من المواقف التى نقلها معاصروه، ومنها ما ذكره شمس الدين الأفلاكى فى كتابه مناقب العارفين من أن راهبًا من القسطنطينية حلّ بمدينة قونية، فصادف جلال الدين فى الطريق. انحنى ثلاث مرّات تحية لمولانا جلال الدين واجتهادًا فى إكرامه، ولكنه كلما رفع رأسه وجد مولانا مطاطئ الرأس مبالغة فى الترحيب به وتعبيرا عن توقيره.
وحكى الأفلاكى أيضا أن مولانا لقى قصّابًا أرمنيًّا فى الطريق فحنى رأسه سبع مرات إكرامًا لذلك القصّاب. وذكر عبد الباقى كولبينارلى الذى تُرجم عمله عن المولوية بعد الرومى فى مصر قبل سنوات أنه كان للرومى أصدقاء من الرهبان المسيحيين، وكان له أيضًا صداقة مع راهب "دير أفلاطون" قرب مدينة قونية، وكان يزوره فى بعض الليالي، ويقضى الليل معه هناك، ولا نستطيع أن نعرف فى أيّ القضايا كان مولانا يتباحث مع الراهب، وما هى طبيعة المناظرات التى كانت تجرى بينهما حول مصنفات أفلاطون وأفكاره؟ إن خلاصة أشعار مولانا باللغة اليونانية تقوم دليلاً على صلته بالمسيحيين، ورهبانهم أيضًا.
لذلك لا نجد من الغريب أن يقول المسيحيون واليهود فى جنازة مولانا –كما روى كتّاب تاريخه وسيرته-: إن كنتم تؤمنون بأن مولانا هو محمّد زماننا، كذلك نعتقد نحن أنه موسى وعيسى زماننا، ومثلما أنتم أحباؤه الصادقون، نحن أيضًا، وأكثر ألف مرّة، مواليه ومريدوه. ألم يقل الرومي: اثنتان وسبعون ملّة ستسمع منا، أسرارها. ونحن مثل الناى الذى هو، فى صورة واحدة، مؤلف لمئتى دين!
 
إلى أى بقعة جغرافية ينتسب جلال الدين الرومى ؟
وُلد مولانا فى بلخ التى كانت حاضرة وشاهدة على تعايش الأديان وأهلها فتماثيل بوذا كانت إلى عهد قريب شاهدًا على احترام الأديان، فالصوفية الذين سبقوا الرومى فى هذا المكان لم يجد مريدوهم وأحبابهم حرجًا من تدوين سيرهم متأثرين بسير السابقين من أعلام البوذية، وما قصة إبراهيم بن أدهم والتشابه بينها وبين قصة بوذا ببعيدة عنّا، فقد نُسجت سيرة حياة ابن أدهم الصوفى الشهير على مثال قصة البوذا، حتى أتى أناس اليوم متقربين إلى الله بهدم تماثيل بوذا فى أفغانستان!
الصراع الذى دار قبل أعوام قليلة بين أفغانستان وتركيا وإيران حول نسبة مولانا، يمكن اعتباره نزاع محبّة وإرادة من هذه البلدان لتجميل حضارتها اليوم فى ظل انتشار ثقافة الدمار، ومن الطريف أن مصر أيضًا رأت أن نسب مولانا يعود إليها نظرًا لاهتمام مصر بنشر تعاليم مولانا جلال الدين الرومي، فكتابه الأشهر المدوّن بالفارسية المثنوى طُبع فى مطبعة بولاق، وشرح المثنوى العربى الوحيد طُبع فى بولاق أيضًا، وترجمة أعماله إلى العربية كانت تقليدًا عربيًّا بدأه أساتذة مخلصون مع بداية التنوير والنهضة الفكرية فى مصر، فرائد الدراسات الشرقية عبد الوهاب عزّام أخذ على عاتقه التعريف بمولانا فى الدوريات والمجلات الثقافية، فنشر فى مجلة الرسالة والثقافة العديد من المقالات عنه، التى شكلت فيما بعد لبّ كتابه فصول من المثنوي، والشيخ الصاوى شعلان صاحب الترجمات العذبة الرائقة ترجم الكثير من أشعاره ونشرها فى مجلتى الأزهر ومنبر الإسلام، ومن الطريف أن نعرف أن الشيخ الكفيف مبصر الروح كان واعظًا بمصلحة السجون فى وقتئذ، وكانت ترجماته تذيع وتنتشر فى البلدان العربية، حتى أن كوكب الشرق أم كلثوم فُتنت بترجمته لتلميذ الرومى فى العصر الحديث (محمد إقبال) فأنشدت من ترجمات الشيخ الصاوى رائعته الشهيرة حديث الروح.
أستاذ يعلّم تلاميذه فى مصر اللغة الفارسية، ويحضهم على ترجمة روائع التصوف الفارسي، فيأخذ محمد عبد السلام كفافى على عاتقه وهو لا يزال تلميذًا فى الجامعة ترجمة كتاب المثنوي، فيترجم الدفتر الأول منه ولا ينسى بعد عودته من لندن ومخالطته للمستشرقين المحبّين للرومى والتصوف ترجمة ثلاثة أجزاء أخرى من الكتاب الثري، ليتمم تلميذه الدسوقى شتا بعد ذلك ترجمة المثنوى كاملاً، ويتابع تلاميذ شتا ترجمة أعمال الرومى الأخرى إلى اللغة العربية.
 
ماذا قدّم الرومى فى المثنوى حتى ينال كل هذا الاهتمام؟
إن الإقبال على قراءة المثنوى غير محدود، فالعلماء والأدباء قديمًا كانوا يحلون أدبهم، ويجمِّلون مواعظهم بِحِكَم المثنوى وأشعاره، فالمثنوى يقدم أمثلة واضحة المعالم، قوية التأثير، خالية مما يعيبها بالتعقيد ويعرضها لسوء الفهم عنها، فمن إبداعه فى تصوير العلاقة بين الروح والجسم يقول مولانا : 
إن قوة البصر فى العين، وقوة الشم فى الأنف، وقوة النطق فى اللسان، وقوة الشجاعة فى القلب، فلا يمكن الحكم فى هذه العلاقات باتصال أو انفصال، كذلك علاقة الأرواح بأجسامها.
 ويمثِّل الصوفى الكامل فى بقائه وفنائه بالقطن الذى يصيبه الاحتراق إذا وضع أمام الشمع، بينما لا يظهر ضوء الشمس فى الشمس، فهو من الحالين على سواء، 
وهكذا يضع مولانا جلال الدين الرومى الحلَّ السليم لكل المسائل أو الموضوعات الدقيقة عن طريق القصص والأمثال، ففى قصة الأسد والأرانب مثلاً: يبين حال أولئك الذين يغمضون أعينهم عما فيهم من العيوب، ثم يفتحونها على عيوب سواهم من الناس، وربما كانوا أقل نصيباً منهم فى الرذائل والسيئات.
 ومن ذلك حديثه عن الفِرق التى تختلف فى سلوكها إلى حد المحاربة والقتال بعد الملاحاة والجدال، وكلها تهدف إلى مقصود واحد، ولكن الخلاف شكليٌّ أو لفظي، يثيرون به الضجيج فى كل فرقة. 
يمكن توضيح ذلك عن طريق قصة ممتعة ترجمها الشيخ الصاوى شعلان، وأوردناها فى كتابنا سفراء التصوف فى العالم الإسلامي، وهى فى شأن أولئك الأربعة المختلفين وطناً، وقد التقوا فى مكان، وقدم إليهم أحد الناس درهماً، فأرادوا أن يشتروا فاكهة، فقال الإيراني: أريد (أنكور)، وقال الرومي: (استافيل)، ثم قال التركي: أريد (إزن)، فصاح العربي: أريد (العنب)، فوقع بينهم الشجار، فأحضر لهم بعض من كان يعرف هذه اللغات هذه الفاكهة فعلموا أنهم جميعاً إنما كانوا يطلبون شيئاً واحداً وهو العنب، فلو تعارف الناس على الحقيقة وتبيّنوا وحدة القصد ما شجر بينهم الخلاف.
 
الآذان والدعاية السيئة!
 يحدثنا مولانا فى قصة طريفة أن مؤذناً رديء الصوت كان يزعج الناس حين يرفع عقيرته، فأراد أهل القرية التخلص منه وقدّموا إليه مبلغاً من المال وطلبوا منه السفر لأداء فريضة الحج، فنزل أثناء سفره فى قرية، ثم ذهب إلى مسجدها ورفع صوته بالأذان، فجاء إليه مجوسى وأخبره أن ابنته كانت تريد ترك المجوسية، ولكن هذا الصوت البغيض جعلها تتردد فى عظمتها، والمقصود هو ابتكار الوسائل الفنية والأدبية المشوقة، وترك الأساليب المنفرة التى تبعد الناس عن دعوة الحق.
 
 المودة الزائفة
 نسوق قصة أخرى هنا من قصص المثنوى التى يبث مولانا من خلالها دروسه:
 كان لأحد الناس كلب يلازمه ويحرس أمتعته وكان الرجل يستخدمه فى الصيد حين يكون خارج المدينة، وفى أثناء الطريق مرض الكلب، وأشرف به المرض على الهلاك، فمرَّ به أحد الأشخاص، ووجده حزيناً باكياً، فقال له: ما يبكيك أيها الرجل؟ قال: أبكى حزناً على هذا الكلب، لقد كان وفيًّا أميناً، يصيد لى بالنهار، ويحرسنى بالليل، إنه ليس بكلب بل هو أسد جسور، ولم يكن لأمهر اللصوص أن يقترب من أمتعتى ما دام إلى جانبى وله معى صفات ومزايا يطول شرحها، ولكنه الآن يلفظ آخر أنفاسه، فسأله الرجل: ماذا علته؟ ومن أى شيء يعاني؟ هل أصابه جرح بليغ؟ قال: لا، إن علته هى الجوع القاتل، قال له: ما هذا الذى تربطه على ظهرك؟ قال: هذا وعاء طعامي، وفيه بعض الخبز وغيره لعشائي، فقال الرجل: ما دام هذا الدواء معك فلِمَ لا تحيى به كلبك؟ أجاب: إن المودَّة يا سيدى لم تصل بعد إلى هذه الدرجة، والخبز يكلفنى النقود، أما دموع العين فإننى لا أشتريها، بل أبكيها بدون ثمن.
 
هل كان مولانا صوفيًا قبل لقائه شمس تبريزى؟
يحلو لبعض الكتّاب والباحثين أن يجعلوا من جلال الدين الرومى شيخًا وعالمًا من علماء الشريعة لم يعرف شيئًا عن التصوف قبل اجتماعه بشمس تبريزي، وكأن حالاً معينًا نقله فجأة من الفقه والوعظ إلى التصوف والزهد فى كل ما عاشه سابقًا، لكن الأمر غير ذلك، فكما أشرنا فى سيرة الرومى أنه تلقّى المعارف الصوفية على يد شيخه ووالده سلطان العلماء بهاء ولد، وبعد وفاة والده تلقى علوم التصوف على يد تلميذ والده وصديقه برهان الدين محقق ترمذي، وأرسل هذا الأخير الرومى إلى بلاد الشام ليأخذ حظّه من العلوم الشرعية والصوفية على يد المشايخ الأكابر هناك، ويؤكد غير واحد من السالكين للطريقة المولوية على هذه الصورة من صور تلقّى الرومى للمعارف الصوفية قبل لقائه شمس تبريزي، فيؤرخ كَوسَج أحمد دَدَه أفَندى فى كتابه عن الطريقة المولوية لهذه الفترة قائلا: 
(أعلم أن أصح الكلام وأحق البيان أن مولانا قدس الله سره العزيز ليس بمريد شمس الدين التبريزى ولا بمسترشده، كما زعم من لم يعرف علوَّ قدر مولانا ورفعةَ مقامه حيث قال: إن مولانا مريدُ شمس الدين ومسترشده، فكيف يُتصور ذلك لأن مولانا قبل اجتماعه مع شمس الدين بلغ إلى غاية مراتب الولاية، ووصل إلى مقام القطبانية وجَمَعَ جميع كمالات العارفين، وتخلّق بأخلاق الأنبياء والمرسلين، وكان قبل اجتماعه مع شمس الدين يربى المريدين بآداب الطريقة ويرشد السالكين إلى أسرار الحقيقة، ويحلّ معضِلات مسائل العلماء، ويكشفُ مشكلات أحوال العرفاء. وكذلك أيضاً ليس شمسُ الدين التبريزى مريدَ مولانا ولا مسترشدَه فكيف يتصور ذلك؟ لأنه كان قبل اجتماعه مع مولانا صاحبَ الحال والمقام، وواصلا إلى الله بشهود التام، وقد عجز عن فهم صحبته العارفون وتحيّر عن إدراك مقامه الواصلون، لكنهما صاحبان محبان بحيث كان أحدهما فانياً فى الآخر بالحب الذاتى والتأليف الإلهي، وسببُ أقاويل الناس بما لا يليقُ بشأنهما إنما هو من عدم اطلاعهم على عظمة قدرهما، وسوء أدبهم، مع الأولياء المكرمين، واجتراؤهم فى هتك حرمات المقربين).
 
فى اجتماع مولانا الرومى مع شمس الدين التبريزى  
 نُقل أن أحداً من أصحاب مولانا تأوَّه فى مجلسه فقال له: ماذا سبب تأوهك؟ قال: تأوهت على أننى ما اجتمعت مع شمس الدين التبريزي، فقال له مولانا: إنك تجتمع مع أحدٍ يوجد فى رأس كل شعرة منه ألف شمس الدين. 
فى الكتب التى تؤرخ لسيرة مولانا جلال الدين يذكر أكثر من سبب لاجتماع شمس الدين مع مولانا، لكننا نذكر فى هذا المقال ما شاع منها ويعبّر بالفعل عن لقاء هاتين الشخصيتين العظيمتين، ويدعمه ما ذُكر بعد ذلك فى كتابات الرومى نفسه.
يقول شمس تبريزى فى كتابه المقالات كان لى شيخٌ اسمه أبو بكر بمدينة تبريز، كان يصنع السلال، وقد تحصّل لى من الكثير من الإضافات، لكن، كان بأعماقى شيءٌ لم يكن شيخى يراه، ولم يكن أحد رآه من قبل؛ ذلك الشيء رآه مولانا (يعنى جلال الدين الرومي) ... وما فعلته لأجلك لم أفعله لشيخي، وفارقته قهرًا، وكان يقول: أنا الشيخ.
عندما غادرت مدينتى لم أعثر على أى شيخ.. لم أجد شيخي..
إنه موجود.. لكن، أنا من تركت مدينتى لأجله، لم أجده!
لكن العالم لا يخلو من المعلمين.  
- كان هناك صوت ما يرشد شمسًا فى بحثه عن رفيقه الروحي، وهذه المقالة تثبت أن شمسًا رأى مولانا قبل لقائهما بقونية، كان ذلك فى دمشق عندما كان مولانا طالبًا للعلم هنالك، لكن الوقت لم يكن مناسبًا للتعريف بنفسه، ويثبت هذا أيضا أن لقاءهما لم يكن بمحض الصدفة، فقد رأى شمس الدين أن الوقت قد حان ليكشف نفسه لمولانا جلال الدين الرومي.
فمن كلام شمس: تضرعت إلى الله أن يجالسنى أحبابه ويعرّفنى بهم
فقالت رؤياي: "ستكون صديقًا حميمًا لأحدهم"!
سألت: "أين يكون؟"
جاءتنى الإجابة فى الليلة الموالية: "ببلاد الأناضول"
حينما صادفته بعد ذلك قيل لي: 
"لم يحن الوقت بعد، كل شيء بأوانه".
يتأكد لدينا بناء على أقوال شمس الدين أن شيخه أبو بكر سلّه باف التبريزى لم يكن قادرًا على كشف أحوال شمس الغريبة وهذا ما جعله يطلب منه مغادرة المدينة الضيقة ليبحث عن نفسه فى بلاد الله الواسعة: يا شمس الدين أسألك أن تسعى فى البلاد، وتسيحَ فى الآفاق لعلك تجتمع مع صاحب يكشف لك تلك الأحوال، فسافر شمسُ الدين لطلب صاحبٍ يكشف له أحواله حتى إذا ساح جميع الأقطار ودار الديار ولم يجد أحداً يكشف أحواله، فكلُّ من لقيه فى سياحته من العارفين وعرض له تلك الأحوال قال له: إنى لم أقدر على كشفها ولم أفهم حقيقتها.
شمس تبريزى يناجى ربّه طالبًا لقاء توءم روحه 
 فكان شمسُ الدين يناجى ربه ويسأل منه مطلبَه، وقال يوماً فى مناجاته: يا رب هل يقدر أحدٌ من خواص عبادك أن يكشف حالتى ويفهم صحبتي؟ فعند مناجاته هتفَ له هاتفٌ من عالم الغيب: إن أردت صاحباً يكشف حالتك ويفهم صحبتك فلتسافر إلى بلاد الروم، فسافر إليها وفتّش البلاد حتى وصل إلى قونية المحروسة، فى وقت المغرب ونزل فى خان هناك قريب من المكان الذى كان مولانا يلقن مريديه دروس التصوف فيه، وخرج مولانا من المدرسة، وذهب إلى الخان، وكان الناس يجتمعون عليه فى الطريق من كل جانب لتقبيل أياديه - كما تجسد إحدى اللوحات الفنية هذا اللقاء- حتى دخل مولانا الخان وجلس فى صفة كانت فى مقابلة صُفَّة جلس فيها شمسُ الدين، فلما نظر شمس تبريزى إلى مولانا عَرَفَ بنور الولاية أنه من أشير إليه من عالم الغيب، فلما عرف أحدُهما الآخر توجّه كلُّ واحدٍ إلى الآخر.
 وبعد زمان رفع شمسُ الحق رأسه عن جيب المراقبة فقال: يا مولانا رحمك الله ماذا تقول فى تأويل كلام بايزيد البسطامي: (سبحانى ما أعظم شأني)، (وليس فى جبتى سوى الله)؟ وماذا تقول فى تأويل حديث المصطفى صلى الله عليه وسلّم: (أنا أستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة)؟ قال مولانا جلال الدين فى جوابه: إن أبا يزيد من الأولياء الكاملين والعرفاء الواصلين، لكنَّ له مقاما محدودًا، ولم يترق عنه، ولم يعرف عظمة ما فوق مقامه، ولم يكشف من أسراره، فظنّ أن مقامه أعظم المقامات وأرفع الدرجات، واستعظمه فاستولت عليه عظمة مقامه ولم يتوسعها استعداده، حتى لما شتّ عقلُه وغابتْ نفسُه فى عظمة مقامه تكلّم على حكم ذلك المقام بتلك الكلمات العاليات.
 وأما حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلّم لكمال قوته للترقى إلى المقامات العالية، وسعة استعداده لقبول الأسرار الإلهية، فكان كلما ترقّى إلى مقام سعى إلى أن يترقى إلى مقام أعلى منه فكان يستغفره عن الوقوف فى ذلك المقام، ففى كل استغفار ترقّى من مقام إلى مقام حتى كان يستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة، وترقى إلى سبعين مقاماً. 
فبعد هذا الجواب تصافحا وتعانقا، ثم أخذ مولانا يدَ شمس الحق وذهب به إلى حجرته، ثم لم يخرجا عنها أربعين يوماً، وقيل: ثلاثة أشهر، وفى تلك المدة كانا مشغولين بصحبة الأسرار ومشاهدة تجليات الأنوار.
يقول صلاح الدين زركوب عن ذلك الوقت: كنت أسمعُ فى بعض الأوقات من داخل الحجرة كلمات الروحانيين ولم أفهم معانيها، فلما خرجا من الحجرة فى تمام المدة شرعا فى السماع بالدوران فكان ابتداء سماع مولانا بالدوران المشهور اليوم بعد تلك الخلوة.
وبعد ذلك كان شمس الدين عند مولانا أعزّ وأحبّ من أصحابه وأولاده، وكان معه على الدوام، وترك صحبة جميع الخلق ولم ينظر إلى غيره حتى ما أنشأ شعرًا فى تلك الأوقات إلا وقد ذكر فيه اسم شمس الدين التبريزى لفرط عشقه ومحبته له.
ثم أعلم أن شمس الدين قدس الله سره قال فى علو قدر مولانا وانتفاعه منه: إن العارفين على قسمين؛ أهل الآخرة وأهل الحق، وأهل الآخرة مثل الشبلي، وأهل الحق مثل مولانا، وإنى وجدت عند مولانا ما يكفينى ويكفى الثلاثة. فسألوه عن الثلاثة فقال: صلاح الدين  زركوب وحسام الدين جلبى وسلطان ولد ابن مولانا، فلو لم أكن واصلاً إلى مولانا لكنت محروماً عن كثير من الكمالات، وأرجو من الله تعالى أن لا يفرق بينى وبينه، وقد كان شمس فى بعض الأوقات يقول: إن سرّ مولانا بقى فى العالم مخفياً ولم يكشفه أحد من المخلوقين.
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg