رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

مولانا..سيرة محفوفة بالغموض .. والمحبة

(ندور كالفلك عشقا لهذا القمريعلم الله حالنا على هذا الطريق نندهش ليقظة العقلاء وهم مندهشون لجنوننا)
تصير ثيابهم كأنها نواقيس تطرق أبواب السماء لعلها تنفتح , نواقيس من نور , تعلو رؤوسهم اللبدة الطويلة كشاهد قبر .. والملابس البيضاء كالكفن , تميل أرواحهم مع نشوة الجسد يمنة ويسارا , تصبو الأذرع للأعالي , تشكل الأجساد والثياب والأذرع والرؤوس والقلوب الهائمة كلمة واحدة : الله .. الله .. الله يطوفون كالفراشات حول منبع الضوء , لا تتماس الأجنحة البيضاء , فقط ترف مع صوت الناي الحزين , الذي ينثر الحنين .. والأسى .. والمحبة , ويئن كغصن عجوز بعد أن فارق نبتته , كما قال مولانا في قصيدته أنين الناي:
(أنصت إلى الناي يحكي حكايته
ومن ألم الفراق يبث شكايته
مذ قطعت من الغاب 
والرجال والنساء لأنيني يبكون
أريد صدرا مزقا مزقا برحه الفراق
لأبوح له بألم الاشتياق
فكل من قطع عن أصله 
دائما يحن إلى زمان وصله)
وبصحبة مولانا تهفو أرواح المحبين من كل العقائد والبقاع إلى زمان وصله , تتماس الأرواح .. تمتزج .. تنسكب في قوارير المحبة , فنشرب حتى نظن الارتواء .. ولا نرتوي ..
(كالسمكة تحن دوما إلى الماء فلتفرز اللؤلؤ من تلك الشفاه الجافة)
ثمانمائة عام تقريبا مضت منذ يوم وفاته .. ذلك الذي كان يعده يوم عرسه للسماء:
 (عندما تبصر جنازتي، لا تقل: فراق، فراق!
 سيكون آنذاك وقت الوصل واللقاء
 وعندما تودعني القبر، لا تقل: الوداع، الوداع! 
فالقبر حجاب أمام الجمع الأسمى
عندما ترى الغروب فانظر إلى الشروق)
أشرقت خلالها شموس وغابت, قامت ممالك وسقطت , نشبت حروب وانطفأت .. وبقيت سيرة مولانا  تنير الطريق للمحبين من كل المذاهب والأمم..
 (دين الحب منفصل عن كل أشكال الديانات فالعاشقون أمة واحدة ودين واحد حيث الله)  .
لقد استطاع الرومي (1207 – 1273) أن يجذب اهتمام العالم بعد أن ظل مجهولا في الغرب حتى القرن التاسع عشر , حين ظهرت ترجمة ألمانية في 1849 لجزء من كتابه الأشهر (المثنوي) أعدها جورج روان مع شروح للمعاني الصوفية , ثم أتبع ذلك ترجمة إنجليزية في 1881 , ثم توالت الترجمات في ظل الشغف الغربي بفلسفة وشاعرية مولانا , وتجربته الروحية التي تنثر المحبة بين العالمين , (فدين العشق لا مذهب له) , وتبث الطمأنينة والسكون الروحي وسط عالم يموج بالكراهية والدماء والحروب ..
(في كل مرة نحب نصعد للسماء وفي كل مرة نكره أو نحسد أو نحارب نسقط مباشرة في النار )
وقد تجلى هذا الوله الغربي بالرومي حين اعتبرته BBC  عام 2007 أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة , وعدته من أكثر الشعراء والفلاسفة تأثيرا على مستوى العالم  , كما طيرت وكالات الأنباء في يناير من العام الجاري نبأ قيام النجم الأمريكي جان كلود فان دام بالتجهيز لبطولة فيلم عن مولانا بعنوان (إسلاموفوبيا) من إخراج التركي عمر سريكايا , وكان قد سبق ذلك في صيف 2016 خبر نشرته الجارديان البريطانية عن قيام كاتب السيناريو ديفيد فرانزوني والمنتج ستيفن جويل براون بالتحضير لفيلم عن الرومي , وأن النجم ليوناردو دي كابريو هو المرشح الأول للقيام ببطولته, ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد رطبت نجمة الغناء الأمريكية الشهيرة مادونا شفتيها ببعض أشعاره في عرض تليفزيوني مصحوب بموسيقى ورقص المولوية , ولا يبدو كل ما سبق غريبا إذا عرفنا أن متحف جلال الدين الرومي استقبل في عام 2017 أكثر من مليونين وخمسمائة زائر.
لكن رغم كل ما سبق , ورغم مئات الكتب والأبحاث التي تناولت سيرته , وترجمات أشعاره التي تتصدر المبيعات , والروايات التي استغلت اسمه لتحقق نجاحها من تعلق المحبين به مثل (قواعد العشق الأربعون) لإليف شافاق , و(بنت مولانا) للبريطانية – فرنسية المولد – مورل مجروي , رغم كل ذلك بقيت سيرة مولانا محفوفة بالغموض , مفعمة بالأسئلة المعلقة التي نحاول في هذا الملف الإجابة عليها , لعلها تشفى فضول الباحثين عن الحقيقة أوتسكن بها قلوب النابشين في الآثار والسير ممن يتصيدون لأهل الله الخطأ .. أوالخطيئة.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg