رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

فؤاد ملك التناقضات الكبرى

لا يمكن أن نقرأ التاريخ من زاوية واحدة ، فنصدر حكما منقوصا على شخصيات لعبت أدوارا

 مهمة سواء كانت هذه الأدوار سلبية أو إيجابية، فالتاريخ ابن الحياة، وللحياة وجوه متعددة،

وللأشخاص أدوار متنوعة لا تقف عند واقعة  بعينها أو حادثة واحدة،  ولكننا نقرأ التاريخ

غالبا منزوعا من سياقه التاريخي، أي أننا نصفيه من جوهره ثم نعيد صياغته على هوانا،

فنصف الناس  بأهوائنا وأيديولوجياتنا، ولكن  ذكرى مرور 150 عاما  على  ميلاد سلطان

 شاب حكم مصر في لحظة تاريخية  دقيقة هي  السنة التي اشتعلت فيها الحرب العالمية

الأولى بذروة الصراع الدرامي  على الأرض  مهددة العالم كله،  وقبيل أول ثورة شعبية في

 التاريخ المصري الحديث، وصدور أول دستور يجعلنا ملزمين  بالقراءة الموضوعية، فقد

انتفت التحزبات السياسية  لهذا وذاك، ولم يبق إلا التاريخ نفسه شاهدا على  كل ما جرى.

 

      لا يمكن قراءة تاريخ الملك فؤاد الأول بمعزل عن تاريخ الأسرة العلوية، انتصاراتها 

وانكساراتها وانقساماتها وصراعاتها، ولا يمكن بالطبع أن نقرأ التاريخ  على خلفية الانحياز 

السياسي للإنجليز أو مقاومة المد الوطني،  فقد أثبت التاريخ أنه ليس  صفحة واحدة أو 

وثيقة نهائية، فالملك الموصوف بالمستبد كان وراء إنشاء أول جامعة أهلية في مصر، 

هي جامعة فؤاد الأول، التي صارت  جامعة القاهرة،  وهي الجامعة التي لعبت الدور 

الأكبر في التنوير الثقافي المصري.  فكيف يمكن  نزع هذه الصفة عن الملك المستبد 

سياسيا المستنير ثقافيا؟ بل إن إعادة القراءة  تدفعنا إلى التساؤل الذي يحتاج إلى إجابة: كيف

 لملك مستبد سياسيا أن يكون عونا على إنشاء الجامعة الأكبر في مصر للآن؟ وكيف يمكن

 أن تتغير أقنعة الملوك؟     

      إعادة قراءة التاريخ مهمة وطنية شريطة أن نكون منصفين وألا نصدر أحكاما  بلا دليل،

 وهذه دعوة لقراءة كل ما جرى ولم  نقرأه إلا من زاوية أو زاويتين . فؤاد الأول ملك مستبد، لكنه 

ملك استطاع أن يحقق استقلال مصر الذاتي عن السيادة العثمانية، وأقر الدستور وحقق حلم الحياة 

النيابية، وهذه سيرته متعددة الزوايا.. فؤاد الأول ابن الخديو إسماعيل (26 مارس 1868-

28 أبريل 1936 سلطان مصر من 1917 إلى 1922) والدته هى الزوجة الثالثة للخديوى إسماعيل

 (الأميرة فريال هانم) وعند بلوغه السابعة من عمره ألحقه والده بالمدرسة الخاصة بقصر عابدين، 

والتى أنشأها لتعليم أبنائه، واستمر بها ثلاث سنوات، ثم سافر بعد ذلك إلى إيطاليا، وهناك عاش حياة 

الضياع والإفلاس .

 

عانى فؤاد أثناء فترة إقامته في إيطاليا، فسافر إلى تركيا من أجل مقابلة السلطان عبد الحميد والتوسط 

حتى يعود لمصر، وبالفعل أمر السلطان بعودته إلى مصر، وألحقه بالعمل في الجيش المصري. وبعد 

عودته إلى مصر عام 1890 عني بشئون الثقافة، ورأس اللجنة التي تولت مهمة تأسيس وتنظيم الجامعة 

المصرية الأهلية في العام   1906، ثم صعد ليعتلي العرش عقب وفاة أخيه السلطان حسين كامل  في 

العام 1917، وكان من المفترض أن يتولى كمال الدين حسين ابن السلطان حسين كمال العرش خلفاً لوالده، 

إلا أن السلطات البريطانية تدخلت  لتنصيب أحمد فؤاد على عرش مصر.

قام السلطان أحمد فؤاد بعد توليه عرش مصر بدراسة القوى المؤثرة على الأوضاع السياسية فى مصر، فوجد 

أن الاحتلال الإنجليزى هو أقوى تلك القوى، خاصة أن الإنجليز هم من أتوا  به إلى العرش من خلال مرسوم  

من المعتمد البريطانى فى مصر (السير ريجنالد وينجت) ، و كان يعلم أيضا أن الإنجليز هم من قاموا بعزل أبيه 

الخديو إسماعيل، وهم الذين  ساندوا  الخديو توفيق ضد  ثورة أحمد عرابى، بالإضافة إلى أنهم من  عزلوا الخديو 

عباس حلمى الثانى عندما كان فى زيارة للآستانة، ولم يسمحوا  له بالعودة إلى مصر.

لذلك كان  فؤاد يرى أنه لابد من المهادنة معها، حتى يكونوا سندا له وليس ضده، وقد ظهر هذا جليا عندما قام بأول 

عمل رسمى له بعد توليه السلطنة، وهو زيارة المعتمد البريطانى فى مقره، واضعا إمكانات البلاد فى خدمة 

الجيش الإنجليزى، بالإضافة إلى تبرعه بثلاثة ملايين جنيه من ميزانية الدولة، وهو مبلغ ضخم فى ذلك الوقت، 

مساهمة من مصر للحكومة البريطانية فى مواجهة نفقات الحرب الكبرى  .

كانت القوة الثانية التى يرى السلطان أحمد فؤاد أنها  ذات تأثير على الأوضاع السياسية فى مصر هى الحركة 

الوطنية التى نشطت قبل الحرب العالمية الأولى، وقد كانت تسعى إلى إقامة حكم دستورى، وهو الحكم الذى 

ينتقص من سلطة القصر، إلى الحد الذى يصبح فيه الملك يملك ولايحكم، بالإضافة إلى حكومة شرعية منتخبة 

من الشعب، ويكون بيدها مقاليد الأمور فى البلاد. أما القوة الثالثة فقد كانت القصر كمؤسسة قائمة لها سلطاتها 

الموروثة، تساندها طبقة أرستقراطية ورثت مركزها فى المجتمع بمساندتها للقصر.

 

 

متجاهلاً حزب الوفد

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى  في العام 1918 ، نشطت الحركة الوطنية المقاومة للإنجليز للحصول 

على استقلال مصر وجلاء الاحتلال وامتد هذا النشاط الوطني حتي توج باندلاع ثورة 1919، وهنا قام  

أحمد فؤاد الأول بدور كبير لتشتيت جهود زعماء الحركة الوطنية، وحرمانهم من أى مكاسب تزيد من شعبيتهم، 

فأصدر مرسوما بتشكيل الوفد الرسمى للمفاوضات برئاسة عدلى باشا يكن رئيس الوزراء، متجاهلا حزب الوفد 

مما أدى إلى معارضة شديدة من سعد باشا زغلول أحدثت انقساما فى الحزب نفسه، كما انشق من الحزب بعض 

أعضائه، متهمين سعد باشا زغلول بأنه حول قضية البلاد من صراع ضد الاحتلال إلى خصومة شخصية بينه 

وبين عدلى باشا يكن. وبعد ذلك قامت بريطانيا بمنح مصر استقلالا وهميا حددت شروطه التى رفضتها بالطبع 

القوى الوطنية بزعامة سعد باشا زغلول، الذى كان يرى أن تلك الشروط تفرغ استقلال مصر من مضمونه، 

إذ نصت على بقاء الاحتلال فى مصر بدعوى الدفاع عنها، وكذلك منح  بريطانيا  حق  التدخل  لحماية الأقليات والأجانب .

 

من سلطان إلى ملك

فقامت بريطانيا بإصدار تصريح 28 فبراير سنة 1922 معلنة استقلال مصر مع العديد من التحفظات التى 

تحكم من خلالها سيطرتها على مصر والسودان، وتستطيع من خلالها التدخل فى شئون مصر. وعقب إعلان 

الاستقلال أصدر السلطان فؤاد أمرا بتغيير لقبه من سلطان إلى ملك على مصر، وأصبح يعرف بملك مصر 

وسيد النوبة وكردفان ودارفور، وأصبح اللقب الرسمى له هو (حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول). 

ويذكر للملك فؤاد الأول أنه قد سعى لدى بريطانيا لتعديل نظام وراثة الحكم فى مصر لينحصر فى ذريته بدلا 

من أكبر أبناء الأسرة العلوية، فكان له ما أراد، حيث أخطرته بريطانيا فى 15 أبريل سنة 1922 ، بموافقتها 

على ذلك، وأن تكون وراثة العرش لفاروق ونسله من بعده، فأصدر الملك فؤاد أمرا ملكيا فى 13 أبريل 

سنة 1922 بنظام وراثة العرش، وأصبح اللقب الرسمى لفاروق هو حضرة صاحب السمو الملكى الأمير 

فاروق كما لقب أيضا بلقب أمير الصعيد.

استغل الملك فؤاد الخلافات الحادة بين القوى المختلفة فى مصر تجاه وضع الدستور، وأخذ يماطل فى إصداره 

لكى يكسب مزيدا من السلطات، إلى أن أجبرته بريطانيا فى النهاية على إصداره. وقام الملك فؤاد بإجراءات 

كان الهدف منها  تقويض الحكم الدستورى، وتعطيل الحياة النيابية، وحل مجلس النواب ومجلس الشيوخ، 

وجعل من حقه تعيين الأعضاء المعينين فى مجلس الشيوخ، ثم أصدر أول مرسوم بإقالة الوزارة الائتلافية 

برئاسة مصطفى النحاس باشا، والتى لم يصدر على تأليفها أكثر من ثلاثة شهور .

 

أول حاكم  لمصر في التاريخ الحديث

يكشف المورخ الراحل  د.  يونان لبيب رزق عن  بعض الجوانب المجهولة في حياة (الملك  فؤاد) حيث يقول: 

إن المعلوم في حياة (فؤاد) والذي غالبا ما يثار عن حياته هو دوره في الحياة السياسية، والذي كان يغلب عليه 

في - معظمه - موالاة الإنجليز والاستجابة لضغوطهم على حساب الحركة الوطنية. أما الجانب المجهول من حياة 

هذا الملك  فيظهر في دوره في الشئون الاقتصادية والثقافية، وقد يرجع هذا في - رأي د. يونان إلى أن فؤاد كان 

أول حاكم لدولة مصر المستقلة في التاريخ الحديث وهو الاستقلال الذي أرسته ثورة 1919 وما تبعها من صدور 

تصريح 28 فبراير. و فى كتابه «فؤاد الأول المعلوم والمجهول» :  قال المؤرخ إن فؤاد هو «الملك الأوتوقراطي 

المستبد الذي لم يحترم دستور 23 ، وخرج عليه مرارا فألغاه سنة 1930 ، واستبدله بدستور صدقي الذي 

يدعم الاستبداد، ويقلص سلطة البرلمان والحكومة، وظل استبداد وتسلط الملك فؤاد مضرب الأمثال، ففي عهده 

سجن عباس العقاد بتهمة العيب في الذات الملكية، وهو الذي أراد بعد انهيار الدولة العثمانية أن يرث الخلافة الإسلامية، 

ويصبح خليفة للمسلمين وسلطانا عليهم، وهو المشروع الذي أجهضه مع عوامل أخرى كتاب الشيخ علي عبدالرازق 

« الإسلام وأصول الحكم»  لكن ليس هذا هو الوجه الوحيد للملك فؤاد أو الأمير فؤاد ابن الخديو إسماعيل، فهناك 

الوجه المؤسسي أو الحضاري له، ولهذا الجانب خلفيات بعيدة تعود إلى نشأة إسماعيل وظروف حياته المتقلبة ، 

وقد ولد الأمير أحمد فؤاد في العام 1868  قبل افتتاح قناة السويس للملاحة بعام، ولم يكن قد تجاوز الحادية عشرة 

من عمره عندما جاء إلى مصر فرمان السلطان العثماني عبدالحميد بعزل أبيه الخديو إسماعيل من الخديوية، على 

أن يتولى أكبر أبنائه الأمير محمد توفيق الخديوية، وما حدث يومها ظل محفورا في ذاكرة الصبي الصغير، فقد حدث

 وداع سريع وحزين لإسماعيل الذي لم يكن قد حدد مقرا لمنفاه، وفي البداية قرر أن يعيش في إسطنبول ثم عدل عنها

 إلى أزمير، وبمجرد أن ركب يخت ‹المحروسة› بلغه أن صديقه ملك إيطاليا قد أعد له مقاما كريما في نابولي، وبقي

 الأمير فؤاد الصغير إلى جوار والده بإيطاليا لمدة 8 سنوات، وهناك تشرب الثقافة الإيطالية، ثم تلقى تعليمه في جنيف

 بسويسرا وأكاديمية تورين الحربية، وحصل على رتبة ملازم في الجيش الإيطالي، وألحق بالفرقة الثانية عشرة من

 مدفعية الميدان، وكانت إحدى وحدات حامية روما، وهناك توثقت صلته بولي العهد الإيطالي فيكتور عمانويل الثالث،

 وفي عام 1890 انتقل إسماعيل إلى إسطنبول في سراي مطلة على البوسفور، وأخذ معه أبناءه بمن فيهم فؤاد، وفي

 نفس السنة عين السلطان العثماني فؤاد ملحقا عسكريا بالسفارة العثمانية في فيينا، حيث بقي عامين اكتسب خلالهما

 معرفة واسعة باللغة الألمانية، بالإضافة إلى التركية والإيطالية والفرنسية، وفي تلك الفترة لم يكن مسموحا لفؤاد

 بدخول مصر، فمن غرائب البلاط والقصور أن الخديو توفيق بعد أن ودع والده ساورته الشكوك في أن الوالد

 يسعى عبر أصدقائه في أوروبا ليعود ثانية إلى حكم مصر، وهكذا نشب خلاف كبير بينه وبين والده واستولى 

هو على أملاك والده في القاهرة ، ويقول أحمد شفيق باشا في مذكراته، وكان يعمل آنذاك في ديوان الخديو إن توفيق

 أرسل العيون خلف والده لتنقل إليه تحركاته وأخباره، وقد انتهت تلك المرحلة بالوفاة المفاجئة لتوفيق وصعود ابنه

 الخديو عباس حلمي إلى سدة الحكم في عام 1892 ، وكان عباس معجبا بجده إسماعيل، ولم يكن راضيا عن رخاوة

 والده في مواجهة الاحتلال البريطاني، وهكذا عاد أحمد فؤاد فورا إلى مصر، واستقال من عمله بالسفارة التركية، 

وأصبح ياورا لابن أخيه، وظل في هذا الموقع حتى عام 1895 ، ثم استقال، وقيل في تفسير هذه الاستقالة إنه لم 

يكن راضيا عن سياسة ابن أخيه، وإنه تعرض لبعض المكائد لقربه من الخديو، وربما بعض الحسد، وكان هناك 

من ينظر إلى وجوده في القاهرة بعين الريبة، وعاش في مصر مجرد أمير من الأسرة المالكة، وصار مع الوقت 

من مفردات الحياة الاجتماعية المصرية. 

 

عرش ألبانيا  ثم عرش مصر

 ومنذ أن ترك القصر في عام 1895 وحتى توليه عرش مصر باسم السلطان أحمد فؤاد في عام 1917 ظل فؤاد

 بعيدا عن أي عمل أو دور سياسي، وانخرط في المشروعات العمرانية والعلمية، لكنه في العام 1913 كان على 

وشك تولي عرش ألبانيا التي كانت قد نجحت في الحصول على الاستقلال في العام السابق، وتم الاعتراف في مؤتمر 

لندن باستقلالها، وكان البحث جاريا عمن يتولى عرش هذا البلد الصغير، وكان سكان ألبانيا يريدون أي أمير مسلم عليهم، 

ولا توجد وثائق تتحدث عن هذا الأمر، ولكنه جاء في مذكرات بعض الشخصيات التاريخية، فقد نسب عبدالرحمن عزام 

أول أمين عام للجامعة العربية لنفسه فكرة ترشيح فؤاد لعرش ألبانيا، خاصة أن فرنسا لم تكن تمانع في ذلك الترشيح، 

وكانت إيطاليا تؤيده، ولكن إيطاليا خذلته في النهاية، واعترضت حكومة النمسا على ترشيح أحمد فؤاد، وكانت حجة 

ترشيح فؤاد أنه حفيد محمد علي الذي جاء من ألبانيا أصلا وهو مسلم، مثل غالبية السكان فضلا عن علاقته القديمة 

بإيطاليا وبأسرتها المالكة، وكانت إيطاليا أكثر اهتماما بهذه الدولة الوليدة التي تقع على تخومها الشرقية.  وجاءت 

سنوات الحرب العالمية الأولى بما لم يتوقعه أحد للأمير فؤاد، ففي العام 1914  عزلت بريطانيا الخديو عباس حلمي، 

وكان قد سافر إلى تركيا لقضاء الصيف، فمنعته بريطانيا من العودة، وتم تعيين عمه حسين كامل الذي لم يجد أي ترحاب، 

وجرت محاولة لاغتياله فقد اعتبر رجل الإنجليز، وفي أكتوبر من العام 1917 توفى السلطان العجوز، واعتذر نجله الأمير 

كمال الدين عن تولي السلطنة، وكانت الفرمانات  تقضي بأن يتولى العرش أكبر أبناء الخديو أو السلطان، لكن الأمير كمال 

الدين قال:  إنني مقتنع كل الاقتناع بأن بقائي على حالتي الآن يمكنني من خدمة بلادي بأكثر، مما يمكن أن أخدمها به في 

حالة أخرى .وقال في رسالة موجهة إلى والده:«أرجو من حسن تعطفاتكم أن تأذنوا لي بالتنازل عن كل حق أو صفة كان 

من الممكن أن أتمسك بها في عرش السلطنة المصرية بصفتي ابنكم الوحيد» ووصلت رسالة أخرى من المعتمد البريطاني 

السير ريجنلد وينجت إلى الأمير أحمد فؤاد بصفته الوارث الشرعي المتعين تبعا لوراثة العرش تعرض عليه هذا العرش، 

على أن يكون لورثته من بعده حسب النظام الوراثي، ويحسب للسلطان فؤاد أنه فور انتهاء الحرب العالمية الأولى ساند 

الوفد المصري الذي تكون من سعد زغلول وعلي شعراوي وغيرهما ، والذي التقى المندوب السامي البريطاني ليطالب 

باستقلال مصر، بل إن السلطان فؤاد كان ينوي أن يترأس وفدا من وزرائه ليذهب إلى لندن ليطالب بالاستقلال، وفي وقت 

من الأوقات كانت هناك رغبة في أن يتزعم الأمير عمر طوسون الوفد، لكن سعد زغلول تخوف من أن  الأمير عمر طوسون 

محسوب على التيار التركي في البلاد مما يضعف القضية، وتطور الأمر إلى أن يتشكل وفد برئاسة سعد زغلول، ووفد آخر 

برئاسة عمر طوسون، وكان الرأي في النهاية أن وفدين يمكن أن يظهرا المصريين وكأنهم مختلفون، وتدخل السلطان فؤاد 

وساند فكرة وجود وفد واحد بقيادة سعد زغلول، وتطور الأمر إلى قيام ثورة 19 ، وظلت علاقة السلطان جيدة بسعد زغلول 

حتى صدور تصريح 28 فبراير 1922، وكان فؤاد هو الذي وقع على المرسوم بصدور دستور سنة 1923 ، وقبل عن 

طيب خاطر أن يتنازل عن لقب صاحب العظمة السلطان ليكون صاحب الجلالة الملك .

 

مشروعات عمرانية

وكان لدى الملك فؤاد ولع بالمشروعات العمرانية والعلمية، ففي عهده تأسست مدينة بورفؤاد التي تقع قبالة مدينة 

بورسعيد على الناحية الشرقية من القناة، وهو الذي أصدر مرسوم إنشاء مجمع اللغة العربية، وكان متحمسا له غاية التحمس، 

وتأسس في عهده بنك مصر، وبنك التسليف، ومصر للطيران، والإذاعة المصرية، وأبدى اهتماما بإحياء الموسيقى العربية ومعهدها، 

ودخلت الحكومة ممثلة في وزارة الأشغال العمومية مجال الاهتمام بالسينما ، وترقية المسرح وتشكلت لجنة التمثيل الاستشارية، 

وضمت في عضويتها د.عبدالحميد بدوي والشاعر خليل مطران، وتم إنشاء معهد فن التمثيل ، ولعل النظرة المنصفة تقول إن 

معاهد أكاديمية الفنون بل ووجود وزارة للثقافة في مصر بدأت نواتها في تلك المرحلة، وهناك نهضة فنية تحققت في عهده،

وأبرزها إنشاء تمثال نهضة مصر الذي أقيم بتبرعات المصريين، فقد استقبل الملك فؤاد الفنان محمود مختار عقب عودته 

إلى مصر، وقيل إن الملك طلب من مختار أن يقيم له تمثالا نصفيا ، لكن مختار انشغل بنهضة مصر. 

 

     والذين يتابعون وثائق التاريخ المصري يعرفون أن حفظ جميع الوثائق بدأ في عهد الملك فؤاد الذي كان مهتما بجمع 

وثائق جده محمد علي وأفراد العائلة، وفي سبيل ذلك اهتم بالمؤرخون والمتخصصين في الوثائق، وجمعت فعلا في عهده 

وهي لا تزال إلى اليوم العمود الفقري لدار الوثائق المصرية، هذه الجوانب هي ما يسميه الدكتور يونان المجهول في حياة 

الملك فؤاد، أما المعلوم فهو استبداده وتسلطه، ولعل التساؤل الذي يبرز هنا كيف يحدث التناقض بين المعلوم والمجهول في 

حياة هذا الرجل؟ فهو الذي أقر دستور 1923‹الليبرالي› وهو الذي خرج عليه وأراد أن يكون خليفة للمسلمين وليس ملكا 

دستوريا، وهو الذي لعب دورا في تأسيس الجامعة المصرية، وهو أيضا الذي تحالف مع الجامعة الأزهرية ‹التقليدية›، 

والتفسير أن الملك فؤاد شأن كثيرين من أفراد أسرة محمد علي أرسلوا في بعثات تعليمية إلى أوروبا، أو عاشوا فيها فترة 

طويلة، وتشربوا الثقافة الحديثة، وأدركوا سر التقدم، وكانوا يحاولون نقل ذلك إلى مصر ، لكنهم من جهة أخرى كانوا حكاما

‹شرقيين› بما يحمله ذلك من أبهة الحكم وتسلطه.

 

     وعلى جانب آخر يقول الدكتور يونان: صحيح أن الاستقلال جاء منقوصا بسبب التحفظات الأربعة، وصحيح أن

 العديد من قواعد الاستقلال حاول بعض آباء   «فؤاد» إرساءها وخاصة في عهد «محمد علي » و «إسماعيل» إلا 

أنه في كل الأحوال ظلت مصر ولاية عثمانية ، كما أن «محمد علي» و «إسماعيل» قد اهتما أكثر بمظاهر الاستقلال 

في الخارج، والتي كان أبرزها إقامة العلاقات السياسية المباشرة مع الدول الأجنبية، أما الاهتمام بأثر الاستقلال على 

الأوضاع الداخلية وخاصة الاقتصادية والثقافية فلم يتم الاعتناء به بدرجة كافية .وهناك العديد من الملاحظات التي يسجلها

 د يونان، والتي تؤكد دور فؤاد في المجالين الاقتصادي والثقافي منها: أيادى الأجانب في هذين الميدانين أصبحت أخف 

وطأة بعد صدور تصريح 28 فبراير ، حتى إن رجلا مثل «طلعت حرب» جهر صراحة بأن المساهمين في بنك مصر 

لابد أن يكونوا من المصريين فقط، وقد زادت الأنشطة التي تم اقتصارها على المصريين فقط بعد صدور قانون الجنسية 1929.

 

    كانت فرصة الملك  فؤاد في التحديث أكبر كثيرا من أسلافه، حيث سادت في عهده روح الرغبة في التغيير بين 

المصريين. أما الأوقات التي تولى فيها الوفد الوزارة سواء في عهد «سعد زغلول» أو «النحاس» فلم تتسم بالعديد من 

الإنجازات، وهذا لا يمثل إدانة للوزارات الوفدية، لأن فترات حكم الوفد كانت تتسم في العادة بجو سياسي عاصف، 

ومعارك وطنية لا تترك الوقت للاهتمام بأي شيء آخر. صحيح أنه قيل إن اهتمام «فؤاد» بتلك المؤسسات كان لإلهاء

المصريين عن الجوانب السياسية، وللتأكيد للمصريين أن حكمه الانفرادي وسيطرته على شئون الحكم لها بعض المزايا،

إلا أن إنجازاته في هذين المجالين تحسب له مهما كانت نواياه. في 28 أبريل عام 1936  توفي الملك أحمد فؤاد بعد أن 

حكم مصر 19 عاماً شهدت مصر خلالها أحداثا جسام مثل قيام ثورة 1919 ووضع الدستور عام 1923 وقيام الحياة 

النيابية لأول مرة في مصر. كما أن عهده شهد إنجازات اقتصادية واجتماعية مهدت لريادة مصر الحضارية في النصف 

الأول من القرن العشرين.

 

      كان السلطان أحمد فؤاد في البداية على وفاق مع الحركة الوطنية الوليدة بزعامة سعد زغلول. فقد كان فؤاد، مثل عباس 

حلمي ، يتصور إمكانية أن يضاف عائد العمل الوطني ورغبة المصريين في الحصول على قدر من الاستقلال لحساب سلطة 

قصر عابدين، حتي إن الوفد نفسه نشأ بمباركة ومساعدة السلطان أحمد فؤاد، وكان ذلك في مارس 1918 م . كما تقدم الملك 

فؤاد بطلبات متكررة لبريطانيا عن طريق المندوب السامي البرطاني ونجت  ويلسون بمنح مصر قدراً من الحكم الذاتي بشكل 

أو بآخر، بما يسمح توسيع سلطاته. كما أنه أرسل إلى الرئيس الأمريكي ويلسون يشكره علي المبادي الأربعة عشر التي تدعم 

حق الشعوب في تقرير مصيرها. والحقيقة أن كل تحركات الوفد قبل ثورة 1919 كانت بالتنسيق مع فؤاد، حتي إن زعماء 

الوفد الثلاثة سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي اجتمعوا مع السلطان فؤاد للاتفاق علي تشكيل وفد للذهاب إلى 

مؤتمر الصلح في باريس لعرض قضية استقلال مصر. ولكن الأمور تبدلت بعد ذلك، وتحول الوفاق إلى قطيعة بينه وبين سعد  

زغلول نتيجة خروج سعد زغلول من عباءته، وتوجيه انتقادات علنية له.

 

      أظهرت آخر عشر سنوات من عهد الملك فؤاد وجها بغيضا طغى على سيرته وإنجازات عصره ، فقد ناصب الملك 

فؤاد حزب الوفد برئاسة مصطفي النحاس والذي يتمتع بشعبية جارفة العداء طوال هذه السنوات، وأقدم بدافع هذا العداء 

على إجراءات تمثل انتهاكات صارخة للحياة النيابية المصرية في ذلك الوقت، ومنها الإصرار علي تكليف أحزاب أقلية 

بتأليف الوزارات بعيدا عن حزب الوفد مثل وزارات زيور باشا وعبد الخالق ثروت باشا ومحمد محمود باشا.

 

    وكذلك تكليفه لإسماعيل صدقي بتأيف الوزارة عام 1930 ، فأقدم الأخير على إلغاء دستور 1923 وأصدر دستورا 

جديدا سمي بدستور صدقي وكان يهدف منه إلى توسيع صلاحيات الملك. كانت تلك الإجراءات التعسفية مستفزة للشعب، 

فتحولت الشوارع إلى ساحات قتال بين الطلبة والأهالي من ناحية والبوليس من ناحية أخرى،  واستخدم إسماعيل صدقي 

أقسي أنواع البطش لإيقاف الاضطرابات، حتي قيل إن الإجراءات البوليسية التي اتخذتها هذه الوزارة تعادل ما حدث 

في ثورة  1919م. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة التي خلقها الملك فؤاد بديكتاتوريته ورئيس وزرائه بعدائه للدستور، 

اضطر المندوب السامي البريطاني نفسه أن يتدخل، فأجبر الملك على تكليف حزب الوفد الذي يتمتع بالأغلبية الشعبية 

بتشكيل الوزارة ، وبالفعل تشكلت وزارة برئاسة توفيق نسيم الوفدي وكانت وزارة مدعومة من الوفد والمندوب السامي، 

وكان أول عمل لها هو إلغاء دستور 1930 وإعادة العمل بدستور 1923م.

قراءة عادلة فى تاريخ حكم مصر

     ولكن عهد فؤاد لم يخل أيضا من إنجازات كبيرة هي التي أسست لقيادة مصر للمنطقة في المجالات الاقتصادية 

والصناعية والفنية وهي القيادة التي تبلورت في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. وسوف يظل اسم الملك فؤاد بن 

إسماعيل مسارًا للجدل، إذ لم يأخذ ذلك الذى حكم مصر سلطانًا وملكًا لما يقرب من عشرين عامًا حقه من الدراسة 

الموضوعية والتحليل الدقيق، إذ إن تاريخه قبل أن يتولى حكم مصر لم يكن تاريخًا لامعًا فى مجمله، فقد كان أميرًا 

يتسكع بين العواصم الأوروبية حتى خدم (ياورًا) لملك إيطاليًا، بل إن هناك بعض الكتابات التى تشير إلى أنه عرض 

نفسه على السلطات البريطانية مطالبًا بحكم إحدى الدول الصغيرة الخاضعة للتاج البريطانى، حتى اقترح أن يكون ملكًا 

على جزيرة (مالطة) مع استعداده للتحول إلى الكاثوليكية، حتى يكون وضعه ملائمًا لحكم تلك الجزيرة، وهذا وفقا لما 

كتبه المفكر السياسي مصطفى الفقى فى جريدة الأهرام فى إحدى مقالاته سنة 2017 ، ولكن على الجانب الآخر فإن 

دوره فى إنشاء جامعة القاهرة التى حملت اسمه لسنوات طويلة باعتباره أول رئيس لمجلس إدارتها يعد نقطة إيجابية له 

تغفر الكثير من خطاياه، والمعروف أن لورد كرومر المعتمد البريطاني كان يحارب هذا المشروع الذي بدأ بمبادرة شعبية 

بالمعنى الكامل، وكان إنشاؤها محاولة من تلك المحاولات التي بذلت لاستقلال مصر عن الاحتلال البريطاني، وكان 

كرومر يرى أن المصريين لا يحتاجون إلى جامعة، وإنما يحتاجون الى كتاتيب ومدارس تخرج كتبة وموظفين.

 

     ونذكر له أنه سارع بعد تصريح 28 فبراير عام 1922 بافتتاح سفارة مصرية فى لندن تثبيتًا للاستقلال الجديد، 

ومحاولة لتنظيم العلاقة مع دولة الاحتلال، ولا شك أن علاقة الملك فؤاد بكل من الزعيمين الوطنيين سعد زغلول 

ومصطفى النحاس تظل مثار جدل لا ينتهى، فقد كان يخشى تأثير الحركة الوطنية، ويتلقى تعليماته من سلطات الاحتلال 

وأعوانهم فى دوائر السياسة المصرية، وما زلنا نتذكر ما قاله العقاد فى البرلمان المصرى من استعداد المصريين لسحق 

أكبر رأس فى البلاد إذا خالفت الدستور، وقد دفع العقاد ثمن هذه العبارة فترة من الاعتقال الذى خرج منه مباشرة ليزور 

قبر سعد زغلول، تأكيدًا لوفديته، واحترامًا للزعيم الذى آمن به وأصدر له كتابه (سيرة وتحية)، وبهذه المناسبة فإننى 

ألفت النظر إلى الملاحظات الآتية: أولًا: إن قراءة جديدة وعادلة فى تاريخ حكام مصر أصبحت أمرًا ضروريًّا لتصحيح 

مسار الدراسات التاريخية فى بلادنا على اعتبار أن الوثائق الرسمية هى التى تتحدث، وهى القادرة على إبراز الصواب 

والخطأ بدلًا من المذكرات المرسلة والأحاديث السردية التى تتلون وفقًا للظروف وطبيعة الأشخاص الذين كتبوها، بالإضافة 

إلى عامل المعاصرة الذى يجعل حبر الأقلام يقطر مرارة أو يسيل نفاقًا. 

 

ثانيًا: إن الضربة القاضية التى وجهها  الشيخ على عبد الرازق بكتابه الصغير والخطير (الإسلام وأصول الحكم)  لفؤاد 

الأول حين تطلع للخلافة قد جعلت جزءًا من طموحات حفيد محمد على الكبير تبدو بعيدة المنال، ولابد أن أعترف هنا 

بأن فؤاد الأول لم يكن قريبًا من الجماهير ولم يتمتع - ولو مرحليًّا ببعض الشعبية التى حازها ابنه فى مستهل سنوات 

توليه العرش. ثالثًا: دعنا نعترف بأن أسرة محمد على لم تكن فى مجملها بذلك السوء الذى صورته الكتابات الحديثة، فليس 

فيهم إلا خائن واحد وهو محمد توفيق، ولكن إبراهيم باشا وإسماعيل وبعدهما عباس حلمى الثانى وفؤاد قد كانوا أقل 

انصياعًا لقوة الاحتلال والتصاقًا بالعرش الذى ورثوه عن جدهم الكبير الذى مازلنا نعتبره مؤسس مصر الحديثة، أيضا 

أدعو أساتذة التاريخ السياسى وخبراء نظم الحكم والمعنيين بتطور النظام السياسى المصرى الحديث إلى كتابة تاريخ فؤاد 

الأول بتجرد ودون مؤثرات عقائدية أو ميول شخصية، ويكفى أن نتذكر أن الشيخ الشافعى أبو وافية (نائب الدلنجات) 

قد اعترض فى البرلمان المصرى على تخصيص مبلغ تسعة عشر ألف جنيه مشتروات للقصر الملكى فى عهد الملك فؤاد، 

وعاد الرجل إلى قريته لينام آمنًا مطمئنًا !إننى أطالب بتقديم الحقائق مجردة وموضوعية للأجيال الجديدة، فلكل حاكم مزاياه، 

كما أن له خطاياه.

 

المراجع:

ــ رؤساء الوزارات بالوثائق السرية البريطانية والأمريكية، محسن محمد، دار الشروق، 2005

ــ فاروق الأول وعرش مصر، لطيفة محمد سالم، دار الشروق، الطبعة الأولي 2005

ــ النقراشي، هدي شامل أباظة، دار الشروق، الطبعة الأولي 2007

ــ الحركة السياسية في مصر 1945-1953، طارق البشري، دار الشروق، الطبعة الثانية الجديدة 2002

 ــ المعارضة في البرلمان المصري، إسماعيل محمد زين الدين، دار الشروق، 2006

ــ جريدة الأهرام

ــ «الملك فؤاد المعلوم والمجهول» د يونان لبيب رزق

 

     «ذلك حظ نادر في حظوظ الناجحين، وذلك عقل نادر في عقول المالكين، اجتمعا معا في الملك فؤاد، فكان تاريخه 

قبل الملك توفيقا كله في التمهيد إليه، وكان تاريخه بعد الملك توفيقا نادرا يدبره عقل نادر». امتاز تاريخ صاحب الجلالة 

الملك الراحل أحمد فؤاد الأول بميزتين ظاهرتين كل الظهور هما: قدرته العقلية الكبيرة وحظه النادر فيما يتعلق بشئون الملك والولاية.

فلا نبالغ إذا قلنا إن القدرة العقلية التي امتاز بها الملك الراحل كانت تضارع أكبر قوة ظهرت في الأسرة العلوية، بغير استثناء 

جدها العظيم محمد علي الكبير. وقد تبينت هذه القدرة الراجحة في أمور كثيرة: تبينت في اختيار الملك فؤاد لرجاله وأعوانه، 

وتبينت في عرفانه الوثيق لمواقع الإقدام ومواقع الإحجام، أو للفرص التي يجب فيها العمل والفرص التي يجب فيها السكون، 

وتبينت في تقدير خطواته ومراحله خطوة بعد خطوة ومرحلة بعد مرحلة، لا يتعجل ولا يبطئ ولا ينسى غايته في طوال الأيام 

التي تتعاقب فيها الحوادث بما في الحسبان وما ليس في الحسبان، وتبينت في علاجه للأزمات كل أزمة بما يلائمها من الوسائل 

ويلائم الرجال العاملين فيها أو العناصر المشتركة في تكوينها، وتبينت في أساليب تدبيره لما يقرر سلطانه ويحقق غايته في 

المستقبل القريب ثم المستقبل البعيد، وإن الأساليب التي كان يعمد إليها لاجتذاب الجيل المقبل إليه، والنطاق الواسع الذى تناولته 

تلك الأساليب في دوائر التعليم والرياضة والمجتمع والسياسة، لهى أساليب عقل نفاذ محيط بما حوله، عارف بما جرى للعواهل 

والشعوب من قبله، وكل أسلوب منها بمقدار يدل على نظر ثاقب وأستاذية بارعة في علاج الأمور.

وقد كان أناس يزعمون أن الملك فوادًا كان يمضي مع نفوذ هذا، ويتأثر بدسيسة ذاك.

     وهم فيما زعموا مخطئون بل جد مخطئين، لأن هؤلاء الذين كانوا يذكرونهم بأسمائهم لم يكونوا مع الملك فؤاد إلا كالتلاميذ 

المقتدين الذين يتدربون علي يديه ويستفيدون، وأقصى ما يذهبون إليه أن يفهموا بعض المرامى البعيدة التي كان يرمى إليها 

الأستاذ الكبير، وإن ما يحيط به هو في يوم واحد لا يحيطون به هم فى سنين. والفضل في هذه القدرة العقلية البالغة هو قبل 

كل شيء فضل الملكة المطبوعة والفطرة الموروثة، ثم يضاف إليها تعليم جيد، ودراسة واسعة، وتجربة سياسية وافية، تارة

في مصر، وتارة في تركيا وتارة في إيطاليا والنمسا، وهي تجربة شملت البيئات الشعبية كما شملت بيئات الملك والإمارة، 

وانتفعت بمعارف العسكريين كما انتفعت بمعارف الوزراء. أما حظ الملك فؤاد فهو أحسن الحظوظ في شئون الملك 

والولاية بين البارزين من أسلافه الكبار في الأسرة المحمدية العلوية.

      فهو أحسن حظًا من محمد علي الكبير، لأن جده العظيم أخطأه التوفيق في أواخر أيامه حتى عكس عليه ما أصابه من التوفيق في أيامه الأولي، فانقلبت عليه انتصاراته ثم آل به الإخفاق إلى النزول عن الإمارة وهو فى قيد الحياة. وهو أحسن حظا من جده إبراهيم لأن ابراهيم كان قصير الأجل في الحكم كثير المتاعب في ذلك الأجل القصير. وهو أحسن حظا من أبيه إسماعيل، لما أصاب إسماعيل من الأزمات في أيام الإمارة، وما أصابه بعد ذلك من العزل والإقصاء. وهو أحسن حظا من أخيه توفيق لأنه مُنى بالثورة العرابية والاحتلال، ومن ابن أخيه عباس لأنه عزل فى عنفوان أيامه، ومن أخيه حسين كامل لأنه تولى العرش ومات وهو فى ظل الحماية البريطانية.

 

     أما الملك فؤاد فقد كتب له ما لم يكتب لأحد من أسلافه، فأصبح أول ملك معروف له بالاستقلال، وأول صاحب جلالة 

في تاريخ مصر منذ مئات السنين. جاءه ذلك الحظ الجليل بغير تمهيد منه وبغير حسبان من أحد قبل حصوله، فما كان أحد 

يظن أو يرد له على خاطر قبل الحرب العظمى أن فؤاد بن إسماعيل سيرتقي عرش مصر في يوم من الأيام، على أى 

احتمال وبأى تقدير. لم يكن أكبر أعضاء الأسرة حتى ينتقل إليه العرش بعد أبيه. ولم يكن أكبر أبناء إسماعيل حتى ينتقل إليه 

العرش بعد أن تقرر نظام الوراثة الذي يحصر ولاية العهد في الأكبر فالأكبر من الأبناء. ولما تولى الإمارة أخوه محمد توفيق 

وله ولدان صالحان لولاية العهد من بعده أصبحت ولاية فؤاد الملك أمرًا بعيدًا عن كل تفكير، ثم آلت الإمارة إلي عباس الثانى، 

وأعلنت ولاية العهد لأكبر أبنائه، ولم يبق من يتحدث بولاية أحد من أبناء إسماعيل الكبار إلا الذين سمعوا بالرؤيا المشهورة، 

وهي الرؤيا التي فسرت  يومذاك بأن إسماعيل وثلاثة من أبنائه سيجلسون علي عرش هذه البلاد.

   وكانوا يتحدثون بها كما يتحدثون بالأحلام التي يتنادر بها الناس، وظلت كذلك ضربا من التنجيم حتى عزل عباس في أوائل 

الحرب وخلفه عمه حسين، فلاح للمتحدثين أن في الرؤيا شيئا أكثر من أضغاث الأحلام وأكاذيب المنجمين، ولكنهم لم يعلموا من 

أين يتأدي الزمن إلى تحقيق الرؤيا وولاية الأمير فؤاد، فبعد السلطان حسين ابنه الأمير كمال الدين، وليس فؤاد بالمرشح الوحيد 

في الأسرة المالكة بعد كمال الدين. ويشاء الحظ النادر أن يعتذر كمال الدين عن ولاية العرش بعد أبيه، وأن يسند العرش إلى 

الأمير فؤاد فيتولى السلطنة وهو في نحو الخمسين. إلى هنا هذا حظ نادر يقل نظيره في توفيقات النجاح، ولكنه مع هذا لم يأت 

بأقصى ما عنده من التوفيقات التي امتاز بها هذا الحظ الغلاب. وإلا فمن يدري علام كانت تستقر الحرب العظمى؟ ومن يدري 

علام ينتهى نظام الوراثة؟ ومن يدري علام تنتهي القلاقل المصرية؟ 

     إن السلطان فؤاد لم يرزق من الذرية غير كريمته الأميرة فوقية، وهو أعزب لما يكن قد تزوّج بعد زوجته الأولى، وإذا تزوج

 فالذرية سر من أسرار الغيب، ونظام الوراثة كذلك سر من وراء حجاب. هنا تم التوفيق النادر بين توفيقات النجاح، ورزق 

السلطان ولي عهده ونصيبه الوحيد من الأبناء الذكور، وأصبح صاحب العظمة السلطان فؤاد صاحب الجلالة الملك فؤاد، 

ودانت له العقبات، فما قامت أمامه عقبة إلا زالت من الطريق، وعاش حتى رأى ولي العهد المحبوب ينمو ويترعرع ويكبر 

ويبلغ مبلغ الرجال، ويقترب من سن الملك فيطمئن عليه وتطمئن إليه البلاد. ذلك حظ نادر في حظوظ الناجحين وذلك عقل 

نادر في عقل المالكين اجتمعا معا في الملك فؤاد، فكان تاريخه قبل الملك توفيقا كله في التمهيد إليه، وكان تاريخه بعد الملك 

توفيق نادرا يدبره عقل نادر، وبيَّن لنا هذا التاريخ الغزير بمعانيه أن الكفاءة على أقواها والحظ على أتمه قد يلتقيان.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg