رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

جمال عبدالناصر خير الزعماء الوسط

     عندما تخرج جمال عبد الناصر في الكلية الحربية (يوليه عام 1938) بدأ خدمته في معسكر منقباد جنوب أسيوط، وهناك وفي وقت الراحة في المساء من عناء التدريب العسكري نهارا، كان الحديث يدور بين زملائه حول الأوضاع في مصر، من حيث سيطرة الإنجليز على مقدرات البلاد، وعلى جيش مصر بمقتضى معاهدة 1936 التي قننت وجود الجيش الإنجليزي في أربعة معسكرات: الإسماعيلية، ومصطفى باشا في الإسكندرية، والقلعة بالقاهرة، وكذا ثكنات قصر النيل (مكانها الآن مبنى الجامعة العربية)، مع وجود بعثة عسكرية إنجليزية لتدريب الجيش المصري وتسليحه بما لا يسمح بتقويته، وفي لقاءات المساء بمعسكر منقباد بدأ يتعرف تدريجيا على قدرات زملائه الضباط وموقفهم من نظام الحكم القائم، وبهدف اختيار من يصلح منهم لمهمة الانقضاض على الحكم في مصر، ومن هنا كان تكوين تنظيم الضباط «الأحرار»، أي المتحررين من عضوية أية أحزاب أو جماعات سياسية في مصر، وما أكثرها آنذاك من ذلك الوقت بدأت فكرة الانقضاض على الحكم في مصر تختمر في ذهن جمال عبد الناصر، وكانت الأحداث التي تشهدها مصر بين حين وآخر تؤكد لديه ضرورة التغيير.

     من ذلك على سبيل المثال حادثة 4 فبراير 1942 حين فرض السفير البريطاني (مايلز لامبسون) على الملك فاروق تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل الوزارة، وقبول النحاس دون اعتبار لكرامة الحكم، وتسخير الجيش المصري في خدمة إنجلتراوحلفائها أثناء الحرب العالمية الثانية  (1945 - 1939)، وسيطرة طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية ورأس المال التجاري والصناعي على مقدرات الشعب المصري، من خلال البرلمان الذي وقع تحت سيطرة رأس المال، بمقتضى قانون الترشح لعضوية مجلس الشيوخ الذي اشترط أن يكون المرشح ممن يدفعون ضريبة أطيان زراعية قدرها مائة وخمسون جنيها سنويا، أي ملكية ثلاثمائة فدان على اعتبار أن الضريبة على الفدان كانت خمسين قرشا، ومن ثم كانت التشريعات التي صدرت من البرلمان منذ تم تشكيله في عام 1924 بناء على دستور 1923 في صالح أولئك الملاك.

     وفي هذا الخصوص يكفي أن نذكر على سبيل المثال أن البرلمان في عام 1933 رفض الموافقة على مشروع مقدم لزيادة ميزانية التعليم الإلزامي لأولاد الفلاحين، وكانت حجة الرافضين: إن تعليم أولاد الفلاحين يعد طفرة كبرى، ويغير من طبيعتهم الخشنة، ويجعلهم يستنكفون مهنة آبائهم، وفي مايو 1942 وافقت حكومة الوفد على حق العمال في تكوين النقابات ولكن داخل كل مصنع دون السماح بتشكيل النقابة العامة والاتحاد العام للنقابات. وفي أثناء وضع دستور 1923 رفض أعضاء لجنة وضع الدستور النص على حق العمال في تكوين نقابات، وفي مايو 1944 وفي عهد حكومة الوفد وافق البرلمان على أن يكون هناك عقد عمل بين العامل وبين صاحب الشركة والمصانع، لحمايته في حالة الاستغناء عنه، لكن القانون الذي صدر في هذا الخصوص استثنى عمال الخدمات وعمال المحلات العامة وعمال المراكب وعمال الزراعة، وفي يوليو 1951 وفي عهد حكومة الوفد أيضا رفض مجلس الوزراء مشروعا تقدم به الدكتور أحمد حسين وزير الشئون الاجتماعية ولم يكن وفديا، بشأن مد الريف بشبكة مياه نقية، وبشبكة كهرباء، وإقامة وحدة صحية وناد ريفي لشباب الفلاحين على حساب الملاك، وإذا رفضوا تقوم الحكومة بالمشروع، وتستهلك نفقاته من فرض ضريبة تصاعدية على الملاك، فرفض مجلس الوزراء المشروع، وقال وزير الزراعة لأحمد حسين «أنت بهذا المشروع يا باشا تبقى وزير أحمر» أي شيوعي، فرد عليه أحمد حسين قائلا: «مفيش أحمر منك » وقدم استقالته ومضى. وكان لاستقالته صدى واسع في الصحافة آنذاك، ولقد قرأ عبد الناصر أخبار هذه الاستقالة فوضع أحمد حسين في باله، حتى لقد طلب منه أن يتولى منصبا وزاريا بعد الثورة، لكن الرجل اعتذر، فتم تعيينه سفيرا لمصر في الولايات المتحدة الأمريكية، للاستفادة من خبراته الدولية.

"عندما بدأ مجلس قيادة الثورة بتأثير جمال
عبد الناصر في اتخاذ الإجراءات لتنفيذ
مبادئ الحركة وشعارتها وأهدافها، بدأ
المتضررون يتجمعون تدريجيا مع كل إجراء
وقرار ويشكلون ثورة مضادة، رغم أن كل
الإجراءات كانت في مصلحة غالبية الجماهير"

كل هذه الأمور وغيرها كثير سكنت ذاكرة عبد الناصر، وكان يتعجب بينه وبين نفسه من موقف الحكام من قضايا عامة الشعب بشكل عام، وهي قضايا لمسها بنفسه من خلال حياته في الإسكندرية، وفي حي الجمالية بالقاهرة، وفي مروره بقرى مصر في المهمات العسكرية. وفي حرب فلسطين هو محاصر في الفالوجا اختمرت في ذهنه مقولة أحمد عبد العزيز: «إن تحرير فلسطين يبدأ من القاهرة ». وعاد ناصر من فلسطين في سبتمبر 1949 وفي يناير 1950 شكل تنظيم الضباط الأحرار لإسقاط نظام الحكم. وآنذاك كان عبد الناصر متزوجا ولديه أولاد(هدى وخالد)، ويقيم في شقة، والطريق للترقي داخل الجيش مفتوح أمامه، ويمتلك سيارة خاصة ماركة أوستن، وهذا معناه أن قراره بإسقاط الحكم لم يكن لسبب شخصي مثل الشعور بالفاقة والبطالة والحاجة للسكن، وإنما كان من أجل جماهير الشعب المصري الذين شاهدهم بعينه، وكانوا حفاة حتى لقد كانت الحكومات القائمة ترفع شعار «مقاومة الحفاء »، ولعل هذا يفسر شعارات الثورة: القضاء على الإقطاع وعلى سيطرة رأس المال على الحكم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، أي تسمح بدخول ممثلين عن أبناء الطبقة الوسطى والعمال والفلاحين لمجلسي البرلمان، حتى تأتي التشريعات لخدمة مصالحهم، بدلا من اقتصارها لصالح الصفوة الحاكمة.

 
ونجحت حركة الجيش ليلة 23 يوليو 1952 في الاستيلاء على الحكم، وإجبار الملك فاروق على التخلي عن العرش، ومغادرة البلاد دون إراقة دماء، وتهلل عامة الجماهير فرحا بما حدث، وخرجوا إلى الشوارع يؤيدون ثورة الجيش. لكن أصحاب المصالح من وجود الحكم الملكي ومن يلوذ بهم بدأوا يتوجسون خيفة على مصيرهم بطبيعة الحال، لكن الإعلان عن رفضهم لما حدث لم يبدأ في حينه، إذ كانوا ينتظرون ما تسفر عنه الأحداث، خاصة أن مجلس قيادة الثورة أبقى على الحكم الملكي، وذلك بتعيين أحمد فؤاد ابن فاروق وليا للعهد تحت إشراف مجلس وصاية، وتم تكليف علي ماهر باشا برئاسة حكومة جديدة، وكان الرجل من قبل أحد رؤساء الحكومات ورئيسا للديوان الملكي، حتى يبدو الأمر وكأن الضباط يريدون التخلص فقط من فاروق، وكان ذلك نوعا من الدهاء من جانب الثوار يتطلبه الموقف السياسي. ولكن عندما بدأ مجلس قيادة الثورة بتأثير جمال عبد الناصر في اتخاذ الإجراءات لتنفيذ مبادئ الحركة وشعارتها وأهدافها، بدأ المتضررون يتجمعون تدريجيا مع كل إجراء وقرار ويشكلون ثورة مضادة، رغم أن كل الإجراءات كانت في صالح غالبية الجماهير.
     كانت أولى إجراءات الثورة إصدار قانون الإصلاح الزراعي  (9 سبتمبر 1952) بتحديد الملكية الفردية للأرض الزراعية ب 200 فدان للفرد، فبدأ الخاضعون يخسرون مكانتهم في الأقاليم ويفقدون السيطرة على الفلاحين، وفي هذا قال ناصر إنه لا يستهدف تصفية أبناء طبقة الملاك، ولكنه يستهدف تجريدهم من سلاح السيطرة في الريف على مقدرات الفلاحين، ومع ذلك ما يزال خصوم ناصر يرددون أنه استولى على أراضيهم دون مقابل، مع أن الحكومة أصدرت لهم سندات مالية على الخزينة بثمن الأرض بسعر السوق يتم تمويلها من حصيلة الإيجار الذي يدفعه الفلاح المالك الجديد (المستأجر القديم)، بحيث لا يعد مالكا قانونيا إلا بعد سداد ثمن الأرض من الإيجار السنوي، وغفل أنصار وأبناء الإقطاع حقيقة أن أراضي أولئك الملاك الكبار لم يشتروها، وإنما منحت لهم عطايا وهبات من أسرة محمد علي باشا، ولم يعرقوا عليها بأنفسهم، وإنما زرعها لهم الفلاحون (التملية) والمستأجرون الغلابة. وفي نهاية ديسمبر 1952 تم إلغاء العمل بدستور 1923، فبدأ الحديث عن سيطرة العسكريين وانهيار الديموقراطية، ولم يلتفتهؤلاء المنتقدون إلى أن الدستور ينص في مواده على أن الملك يملك ويحكم بواسطة وزرائه، وأن نظام الحكم في مصر ملكية وراثية، فإذا أبقى الثوار على هذا الدستور فلماذا إذا قاموا بالثورة؟. وفي يناير 1953 تم إلغاء الأحزاب السياسية القائمة لأن قوام أعضائها من كبار الملاك، أو أصحاب رأس المال التجاري والصناعي، أو من يلوذ بهم ويعمل لديهم، ومن ثم كان انتقاد القرار باعتباره مناقضا للديمقراطية، ونسي هؤلاء أن تلك الأحزاب كانت تحمي مصالح أصحابها من خلال الحكم وعلى حساب الجماهير، فضلا عن أن تكوينها كان دوما شخصيا وليس على أساس المبادئ، باستثناء الحزب الوطني (مصطفى كامل) وحزب الوفد من أجل تحقيق استقلال مصر، لكن هذا الحزب ما لبث أن خضع للخصومات الثأرية بين أعضائه وهم في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، حتى لقد خرج منه الأحرار الدستوريون (محمد محمود باشا)، وحزب الشعب (إسماعيل صدقي)، والهيئة السعدية (النقراشي وأحمد ماهر)، والكتلة الوفدية (مكرم عبيد).
     وعندما تم تشكيل هيئة التحرير لاستيعاب الشباب وسد الفراغ الناتج عن إلغاء الأحزاب، هاجم خصوم ناصر الخطوة متهمين إياه بالفاشية والنازية، أي نظام الحزب الواحد، مع أن هذا التنظيم كان يضم كل قوى الشعب العامل تحت شعار «الكل في واحد » دون انحياز أو إيثار، واستمر الهجوم مع تطور هذا التنظيم إلى «الاتحاد القومي »، ثم «الاتحاد الاشتراكي .» وعندما أقدم جمال عبد الناصر على حل جماعة الإخوان المسلمين (يناير 1954) الذين ثبت تحالفهم مع الرئيس محمد نجيب للتخلص من عبد الناصر، وقعت أزمة مارس 1954 بين عبد الناصر ومحمد نجيب الذي ناصره سلاح الفرسان بقيادة خالد محيي الدين باستثناء حسين الشافعي، وطالبوا بإعادة الأحزاب السياسية للحكم وعودة الضباط إلى الثكنات، وكأن الثورة لم تقم.
     لكن ناصر نجح في مواجهة الأزمة، وفيما بعد اعترف خالد محيي الدين في مذكراته التي نشرها في عام 1992 بعنوان «الآن أتكلم » قائلا: إننا في أزمة مارس 1954 كنا على خطأ وكان عبد الناصر على صواب، لكن مريدي الأحزاب السياسية الملغاة يتناولون أزمة مارس في مقالاتهم بأنها «أزمة الديمقراطية .!؟ » وعندما قررت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة حسن الهضيبي التخلص من عبد الناصر بعد أن رفض الامتثال لطلبهم بعرض أي مشروع قانون أو قرار على مكتب الإرشاد لدراسته قبل إصداره، ورفض تعميم الحجاب على المرأة المصرية، انتهزوا فرصة خطابه في ميدان المنشية احتفاء بتوقيع اتفاقية الجلاء مع إنجلترا (26 أكتوبر 1954)، وأطلقوا عليه النار، وكانت النتيجة اعتقال الإخوان ووضعهم في السجن ومحاكمتهم.. إلخ، وهنا تحولت الجماعة إلى قوة مضادة لثورة يوليو وأصبحوا وحتى الآن في حالة ثأر من ناصر هم وأتباعهم الجدد الذين يتلقون كراهية ناصر عند انضمامهم للجماعة.
     بعد أيام قليلة من حادث المنشية وفي 14 نوفمبر من نفس العام قام عبد الناصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء مع إنجلترا بعزل محمد نجيب من رئاسة الجمهورية وتحديد إقامته، واتخذ خصوم عبد الناصر من هذا الموقف وحتى الآن موقفا معاديا باعتبار أنه عزل القائد الذي أعلنت حركة الجيش باسمه، وينسى هؤلاء أن نجيب لم يكن من الضباط الأحرار أصلا، وأنه لم يعلم بخبر ثورتهم إلا في 18 يوليو 1952 في إعقاب قيام الملك في اليوم السابق بحل مجلس إدارة نادي الضباط الذي ترأسه نجيب بدعم من ناصر وزملائه، احتجاجا من الملك على عدم انتخاب مرشحه. وفي هذا الخصوص يكفي ناصر فخرا وعزة أنه لم يقم بسجن محمد نجيب ومحاكمته بتهمة التحالف مع الإخوان المسلمين، كما تنبغي الإشارة إلى أن ناصر كان يراعي شرف دفعة الجيش، فلم يفكر في اعتقال وسجن زملائه الذين اختلفوا معه على توجهات وسياسات معينة، واكتفى بأن قال لكل منهم: لن تكمل معنا. وعندما لم يستجب أصحاب رأس المال لدعوة ناصر لهم باستثمار أموالهم في إقامة المصانع لتطوير البنية الأساسية لمصر للاستغناء عن الاستيراد تعزيزا لقوة الإرادة والمحافظة على استقلال القرار السياسي من التبعية للقوى الكبرى، لم يفعلوا شيئا بل إن عبد اللطيف أبو رجيلة صاحب شركة نقل داخل القاهرة قام بشراء أوتوبيسات مرسيدس من ألمانيا بدلا من إنشاء مصنع للسيارات، ومن ثم كان قرار تأميم رأس المال الكبير في يوليو 1961، واستثماره في إقامة المشروعات الصناعية التي بدأتها الثورة مثل المصانع الحربية وصناعة الحديد والصلب وصناعة الألمونيوم.و أكثر من هذا أن عبد الناصر وقد أنشأ القطاع العام بأموال الرأسماليين فتح الباب لقيام الدولة بتعيين خريجي الجامعات وحملةالدبلومات المتوسطة في مختلف الشركات ودوائر الحكومة ابتداء من عام 1962 ، فنال كراهية أصحاب المال، واتهمه أتباعهم بأنه أخذ أموالهم مع أن هذا غير حقيقي بل تم شراء تلك الشركات بإذونات على الخزانة بسعر السوق تسدد على آجال من أرباح الشركات، بل تم تعيين أصحابها في وظيفة مدير عام الشركة أو رئيس مجلس الإدارة.
     ويلاحظ أن عدد خريجي الجامعات من كليات الآداب والحقوق والزراعة والهندسة الذين لم يكونوا يعملون آنذاك كانوا قد بلغوا تسعة آلاف شاب، وهو عدد لا يستهان به في ضوء عدد سكان مصر آنذاك، ذلك أن أصحاب الشركات لم يكونوا يعينون إلا القليل توفيرا للنفقات ولزيادة الأرباح. ولما تمكنت إسرائيل من احتلال سيناء في الخامس من يونيه 1967 بعد عدوان غادر، هاج خصوم عبد الناصر عليه، فلما أعلن ناصر أنه يتحمل مسؤولية ما حدث، وأنه يتنحى عن الحكم، قال خصومه إنها تمثيلية ..!! ولم يدرك هؤلاء أن عدوان إسرائيل مدبر بقصد التخلص من ناصر الذي رفع شعار العروبة وتحرير فلسطين وإعادتها لأهلها، ومما يؤكد خطة التخلص، أن مجلس الأمن القومي الأمريكي رفع مذكرة للرئيس الأمريكي جونسون بعد مقتل كيندي (23 نوفمبر 1963) وتجدد القتال في اليمن، يقولون فيها إن من مصلحة أمريكا استمرار الحرب في اليمن، لأن في هذا إنهاكا للجيش المصري، وزيادة الأزمة الاقتصادية في مصر، مما يعجل بقيام ثورة ضد عبد الناصر، فلما لم تنجح الفكرة تم تدبير عدوان يونيه 1967 ، ولم يستسلم ناصر للهزيمة، وعرضت أمريكا عليه باسم إسرائيل في منتصف 1968 استعداد إسرائيل للانسحاب من سيناء دون قتال، في مقابل اعترافه بإسرائيل وعقد معاهدة، فرفع ناصر شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ».
     وبدأت حرب الاستنزاف التي أزعجت إسرائيل، فكانت مبادرة روجرز وزير خارجية أمريكا في يوليه 1970 لإيقاف القتال ثلاث أشهر لصالح إسرائيل لكي تلتقط أنفاسها، خاصة أن استمرار حرب الاستنزاف أنهك إسرائيل لدرجة استدعاء الجيش الاحتياطي من مواقع العمل فتأثر الإنتاج، وفيما بعد كتب عزرا وايزمان في الثمانينيات وبعد انتصار أكتوبر: إن حرب الاستنزاف هي الحرب الوحيدة التي لم تكسبها إسرائيل!!، ولم يلتفت خصوم ناصر في مصر إلى مقولة وايزمان، لأنه لا كرامة لنبي في وطنه. ومن عجب أن خصوم ناصر لا يجدون في تاريخه أي شيء يستحق التقدير بدرجة من الدرجات، ويتغاضون عن نزاهته ونظافة يده وصدقه واستقامته، وعدم حبه للنفاق، وفي هذا تروى عدة روايات، فمثلا عرض عليه بعض المنافقين تطوير قرية بني مر في أسيوط (بلد والده)، فقال لهم: هناك أربعة آلاف قرية في مصر عليكم تطويرها، وتكون بني مر آخر قرية، وعرض عليه البعض تعيينه حاكما مدى الحياة فأبى واستنكر.
     ومن عجب أيضا أن خصوم عبد الناصر يقولون إنه قضى على الحريات التي كان الشعب يتمتع بها طبقا لدستور 1923 ، مع أن هذه الحريات  لمشار إليها في الباب الثاني «في حقوق المصريين وواجباتهم » (المواد 2-22) مقيدة بالقانون أو التقاليد أو الأعراف، وتم نقل هذه الموادبنصها وحرفها في دستور 1956 في الباب الثاني «المقومات الأساسية للمجتمع المصري » (المواد 48 - 41 ). ويبقى الفرق بين النظام الملكي والنظام الجمهوري أن النظام الملكي كان يستخدم مواد الحريات لصالح الطبقة العليا في المجتمع، والنظام الجمهوري يستخدمها لحماية الطبقة الوسطى والعمال والفلاحين جماهير الشعب المصريومن عجب ثالثا أن بعض أن صار خصومه يدعون الموضوعية عندالحديث عن عبد الناصر فيقولون: إن عبد الناصر له إيجابيات كثيرة،وله سلبيات كثيرة، ويظنون أن هذ الحكم علمي وموضوعي ومقبول.
     وهذا خطأ علمي كبير لأنه لا يوجد مطلق متفق عليه، والحياة نسبية، وما يرضي شخصا ما قد لا يرضي غيره. فمثلا أي قرار أو قانون يصدر في أي دولة يكون له مستفيدون ومضارون، لكن العبرة في تقدير هذا القانون أو القرار أو الإجراء تكون بحجم المستفيدين منه، فإذا كان المستفيدون الأغلبية الغالبة من الشعب، والمضارون نسبة ضئيلة يصبح هذا التصرف إيجابيا. أما إذا كان المستفيدون قلة والمضارون كثرة يصبح هذا التصرف سلبيا، فمثلا قانون الإصلاح الزراعي أفاد الفلاحين المستأجرين والأجراء ونسبتهم 99 % من أهل الريف، بينما أضير ملاك الأرض ونسبتهم نصف في المائة.
      فيصبح هذا القانون إيجابيا لأنه أفاد الغالبية الغالبة، وأيضا قانون تخفيض إيجارات المساكن بنسبة 10 % في سبتمبر 1952 أفاد المستأجرين وهم الغالبية، واشتكى منه الملاك وهم قلة، وهكذا يكون الحكم، وحتى في الطب وعلاج المرضي يقول الأطباء إن الدواء الذي يوصى به للمريض إذا لم تكن له آثار جانبية فليس بدواء، والمعنى أنك تخفف مرضا كبيرا فينشأ مرض بسيط يمكن معالجتهوهكذا. والخلاصة إن جمال عبد الناصر يمثل شخصية المصريين المعتدلة، ولم يكن متطرفا يمينا أو يسارا، وإنما كان وسطيا طبقا للحكمة القائلة «خير الأمور الوسط »، ولهذا اجتمع المتطرفون يمينا ويسارا ضده دون موضوعية بطبيعة الحال، ذلك أن الخصومة السياسية لا تعرف الأخلاق.
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg