رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

تعرف على مؤامرة الحكومة والاستعمار لهدم أكبر مؤسسة وطنیة

واكبت أزمة السیولة التى واجهها بنك مصر فى منتصف عام 1939 تشكیل الوزارة الجدیدة فى أغسطس 1939 يرأسها على ماهر باشا والذى كان على خلاف مع طلعت حرب یعود لعشر سنوات سابقة حین رفض طلعت حرب عرض منصب في مجلس إدارة بنك مصر على (على ماهر باشا) بعد عمله وزیرا للمالیة في وزارة «محمد محمود باشا فى تلك الفترة " عامى 1928 ،1929 حینما أصبح النمو السریع لبنك مصر مرتبطا كبار ملاك الأراضى الزراعیة فى البرلمان، حین عملوا على إلغاء وزارة أحمد زیور باشا عام 1925 بمنع مجالس المدیریات ومجالس بلدیات المدن والقرى من سحب أموالها من البنك الأهلى المصرى وإیداعها في بنك مصر، وحتى یحتفظ بنك مصر بمساندة قطاع الرأسمالیة الزراعیة، فقد بدأ یقوم بسیاسة عرض مناصب في مجلس إدارته، أو فى مجالس إدارة شركاته على بعض الوزراء، وكان معروفا عن على ماهر باشا أنه من أشد السیاسیین في مصر قسوة.
 
أما الطرف الآخر في مؤامرة خروج طلعت حرب من بنك مصر فكان حسین سرى باشا وزیر المالیة، والذى كان ابن وولاًء لإنجلترا، وكان وثیق الارتباط أول مهندس مصرى یتخرج فى جامعة إنجلیزیة، وكان من أكثر الأشخاص حبا بأحمد عبود باشا الذى كان أحلامه السیطرة على بنك مصر ووراثة طلعت حرب في بنك مصر، لم یكن أمام طلعت حرب بعد رفض البنك الأهلى إلا اللجوء إلي الحكومة للتدخل لمصلحة المساهمین فیه وأصحاب الودائع وعندما قابل حسین سرى باشا، أبلغه أن الحكومة مضطرة للتدخل لحل أزمة البنك حرصا علي مصلحة المساهمین فیه، وفي شركاته وأن الحكومة ترى أن الحل هو استقالة طلعت حرب، وإذا لم یفعل ستجد الحكومة نفسها مضطرة إلى سحب ودائعها من البنك.
 
ویروى الدكتور محمد حسین هیكل زعیم حزب الدستوریین، أن وزیر المالیة كان حاسما في طلبه من طلعت حرب وأعطي له مهلة ثلاثة أیام، وكان للحكومة ودائع ضخمة إذا هى فكرت فى نقلها إلى بنك غیره تعرضت سمعة البنك للخطر وعرضت كیان البنك للخطر، والبنك هو «طلعت حرب»، هو سمعته، هو حیاته، وهو تاریخه الباقى، لن ، وكان إنذار الحكومة معناه أن عدم موافقة طلعت حرب باشا علي الخروج من تستطیع الأیام محوه ما بقى البنك دائما بنك مصر أن الحكومة ستقف موقف الخصم من البنك.
ویختتم هیكل باشا شهادته بقوله «وآثر الرجل أن یتخلى عن إدارة البنك إبقاء علي تاریخه، فبلغ وزیر المالیة حسین سرى، قبل انقضاء الموعد المحدد»، واقترحت الحكومة أن یحل عبدالمقصود أحمد محل طلعت حرب باشا، بینما اقترح طلعت حرب نفسه أن یخلفه «حافظ عفیفي باشا» مدیرا لبنك مصر لیضمن شخصیة ذات وزن محترم بالمجتمع مدیرا للبنك، وكذلك تخلى «الدكتور فؤاد سلطان باشا» عن مركزه بصفته عضوا منتدبا عن مجلس إدارة البنك، وحل محله عبدالمقصود أحمد، وقد كان وقتها موظفا صغیرا في وزارة المالیة، والمسئول عن تقدیم الدعم لشركات بنك مصر، وكان طلعت حرب قد عّینه محاسبا لمصانع البنك في المحلة الكبرى.
أما شهادة الكاتب الكبیر محمد التابعى عن تلك النهایة الدرامیة المأساویة الطابع لحلم الزعیم الاقتصادى الكبیر طلعت حرب باشا.. فیقول «كان طلعت حرب رجلا بمعنى الكلمة ولأنه قدم قرضا لمصطفى النحاس باشا، حینما أنقصت حكومة صدقى معاش مصطفى النحاس باشا، وامتنع عن قبض المعاش ورفع قضیة علي الحكومة، لم یتردد طلعت حرب فى إقراض مصطفي النحاس باشا متحدیا الملك فؤاد وحكومة إسماعیل صدقى، ونقم علیه أحمد ماهر، وانتهز على ماهر باشا فرصة مجیئه إلى الوزارة فى ظروف الحرب العالمیة الثانیة، وأشار علي الملك فاروق الذى كان یثق به ویعتبره «رجل أبیه الملك فؤاد» أن یسحب أموال الخاصة الملكیة من بنك مصر وأن ینشر هذا الخبر في كافة الأماكن والمنتدیات، وساد الذعر وتزاحم عملاء البنك في سحب ودائعهم.
 
على إثر ذلك هبطت أسهم البنك وأسهم العدید من الشركات التى أسسها ولم یستطع بنك مصر أن یدفع للمودعین جمیع أموالهم التى كانت مودعة عنده لأنه كان قد استثمرها فى إقامة صناعات عدیدة، وهنا اضطر أن یطلب سلفة كبیرة من البنك الأهلى الذى كان یومئذ تحت السیطرة البریطانیة، ولم یكن الإنجلیز راضین طبعا عن إقامة صناعات مصریة، ومن ثم رفضوا طلب طلعت حرب باشا، واشترط على ماهر باشا رئیس الحكومة أن یستقیل طلعت حرب من كل منصب یتولاه فى بنك مصر، مقابل أن تضمن الحكومة المصریة أى قرض یقدمه البنك الأهلى لبنك مصرواستقال طلعت حرب. وقال كلمته المشهورة:
«فلیذهب طلعت حرب ولیبقى بنك مصر»
 
نص استقالة طلعت حرب
 
حضرات رئیس وأعضاء مجلس إدارة بنك مصر، السلام علیكم ورحمة االله وبركاته، وبعد، فتعلمون حضراتكم ما أراده االله أن یمتحننى به من مرض أقعدنى عن مواصلة العمل معكم زمنا، وترك أثره الدائم بما جعل معاودته عبرة، إن لم تكن مستحیلة، وتعلمون مبلغ حرصى على ألا یقوم على أعمال بنك مصر ومنشآته إلا كل من توافرت له ظروف القیام بها على الدرجة الأكمل، مما لا أعتقد أننى صالح له الآن، وتعلمون أخیًرا كیف أننى تحاملت علي نفسى وأنشأت من الضعف قوة مدة عامین، كنت أباشر فى أثنائها أعمالى فى البنك ومنشآته بما تعلمون من جهد، ولكنى أشعر الآن بأننى أصبحت بحال قرر الأطباء فیها ضرورة أن أتخلى عن العمل تماما للعنایة بصحتى، وإنني لهذا أرجو من حضرات أعضاء مجلس الإدارة قبول استقالتى من عضویة المجلس وما یتبعها من مسئولیات وتبعات، المولى أن یسدد خطاهم فیما یعود على البلاد والبنك بالنجاح راجیا.
وأنتهز هذه الفرصة لأشكر لكم من قلبى ما قمتم به من جلیل المعاونة في القیام بالتبعات التى كان من حظى أن حملناها معا، وما أخصلتم من ود وتعاون سیبقى أثرها فى نفسى مدى الحیاة، كذلك أرجو أن تبلغوا جمیع أبنائى موظفي البنك أسفى لفراقهم ولهجرانى المعیشة بینهم، وتقدیرى العظیم لجهودهم التى وصلت بالبنك إلى ما وصل إلیه، أرجو أن تتقبلوا أسمى تحیاتى
ًوختاما.
محمد طلعت حرب
القاهرة فى 19 سبتمبر 1939
 
رد إدارة بنك مصر على الاستقالة
 
یحزننا أن نُحرم من معاونتكم وأن تُحرم البلاد من ثمرة جهودكم حضرة صاحب السعادة محمد طلعت حرب باشا، تحیة وسلاما.. قد أطلع المجلس.. منعقدا على كتابكم الذى به تستقیلون من عضویة مجلس إدارة البنك وما یتبعها مراعاة لحالتكم الصحیة التي تستوجب العنایة، وكلنا كان یحب لو أن الظروف جرت بغیر هذا حتى لا یحرم البنك وتحرم البلاد جهودكم التى لازمها التوفیق مدة عشرین عاما قدمتم أثناءها نجاحا منقطع النظیر لولا ثقتكم باالله وبأبناء وطنكم التى شاء االله أن تتحقق بما یفوق كل حسبان,
یحزننا حقا أن نُحرم من معاونتكم وأن تحرم البلاد من ثمرة جهودكم وأن یحرم شباب مصر من مثل حى یذكى فیه جذوة الإقدام ورغبة التغلب علي المصاعب، علي أن ما تستوجبه صحتكم الغالیة من الراحة لیس معناه أنكم خرجتم من میدان العمل المفید فإن ما بنیتم للبلاد من مجد وما أقمتم علیه من الدلیل على وجود القوى الكامنة فى هذه الأمة سیبقى على الدهر مثالا حیا تخلد به ذكرى أعمالكم المجیدة وینسج على منواله كل ما یرجى له من نجاح، وإننا إذ نقبل آسفین أن تتركوا مكانكم بیننا سنبقى دائما على العهد نستوحى مثلكم فى أعمالنا راجین أن یوفقنا االله لأن تتم بها ما بدأتم، ونزخرف ما شیدتم وأن یكون منا مجتمعین ما یسد بعض الفراغ الذى یوجده تخلیكم عن العمل.
ویرجو أعضاء المجلس وجمیع أبنائكم من موظفي البنك ومنشآته أن تتقبلوا أحسن تمنیاتهم لكم بطیب الإقامة وسرعة استرداد العافیة، راجین دائما أن تسمح الظروف المقبلة باجتماع شمل عائلة بنك مصر مع زعیمها وقد مَّن االله علیه بالصحة الكاملة. وتقبلوا یا صاحب السعادة تحیاتنا القلبیة.
رئیس مجلس الإدارة
أحمد مدحت یكن
عضو مجلس الإدارة المنتدب
فؤاد سلطان
القاهرة فى 19 سبتمبر 1939
 
 
سیناریو حل أزمة بنك مصر یكشف أبعاد أزمة 1939
 
كان خروج طلعت حرب من بنك مصر مؤامرة ما بین الحكومة والاستعمار لهدم أكبر مؤسسة وطنیة عرفتها مصر «بنك مصر».. ولكن استقالة طلعت حرب كانت البدایة لتحقیق سیطرة العناصر الحكومیة المرتبطة بالمستعمر علي البنك في ذاك الوقت، وكانت هناك شروط أخرى فرضتها الحكومة علي البنك للتدخل لعلاج المشكلة متمثلة فیما یلي: 
 
أولا: العودة إلي الأصول المصرفیة المرعیة في وجوب احتفاظ البنك بجزء معقود من أمواله كأموال حرة أو یسهل تحویلها في وقت قصیر إلي أموال حرة لمواجهة طلبات العملاء والاستعانة بها في وقت الأزمات.
ثانیا: العمل علي تكوین محفظة للبنك تشمل أوراقا مالیة تتناسب قیمتها مع رأسماله وودائعه واحتیاطاته وأن تكون من أوراق الدرجة الأولي كالسندات الحكومیة أو المضمونة، وأن تتنوع هذه الأوراق بحیث تشمل الأوراق المصریة والأجنبیة المختلفة فلا یكتفي بالأوراق المصریة وحدها التي یصعب تصریفها في الأزمات المحلیة.
ثالثا: تدعیم إدارة البنك وشركاته بضم العناصر التي تتوافر فیها الخبرة وحسن السمعة إلي مجالس إدارتها.
رابعا: عدم قیام البنك بمنشآت جدیدة مستقبلا وعدم التوسع في المنشآت الحالیة والعمل علي ضم المتجانس منها بعضه إلي بعض أو إلي شركات أخري من نوعها وتصفیة ما لا أمل في نجاحه منها وإجمالا العمل علي تثبیت أقدام الصالح
، ویجب في هذا الصدد منها واستقلالها عن البنك من حیث رأس المال والإدارة إذ في ذلك صالح الشركات والبنك معا النظر في أمر الأموال التي یستثمرها البنك في الخارج.
خامسا: الاستعانة بخبرة من تثبت كفایته في المسائل الفنیة وإعادة النظر فیمن اختارهم البنك لمعاونته في تلك المسائل والاستغناء عمن یثبت عدم صلاحیتهم للمناصب التي یتولونها.
سادسا: السعي الحثیث لتصفیة ما تجمع لدي البنك من أراضي وعقارات متي وجد الثمن المناسب والفرصة الملائمة.
سابعا: انتخاب خبراء محاسبین معروفین مصرح لهم بالاشتغال بهذا العمل لمراجعة حسابات البنك وشركاته، وامتناع البنك نهائیا عن خطته الحالیة من تعیین موظفین للقیام بهذه الأعمال.
 
وفي 28 مارس 1940 وافق البرلمان علي تفویض الحكومة في أمرین أولهما، ضمان الحكومة للودائع الحالیة والمستقبلة في بنك مصر، وثانیهما اتخاذ التدابیر اللازمة لدعم واستمرارالبنك، وجاء صدور القانون الذي أطلق علیه قانون تدخل الحكومة لدعم بنك مصر كإحدى الحلقات المهمة لفهم أبعاد أزمة 1939 ،وفي الحقیقة فإن
هذاالقانون كان بمثابة تقنین لتدخل الحكومة في سیاسة وإدارة بنك مصر في ذلك الوقت، وقد صدر هذا القانون في 1941 یولیه 24.
 
رحیل طلعت حرب
 
 انتقل طلعت حرب للعیش في قریة العنانیة في مركز فارسكور بدمیاط حیث عاش بعیدا، عقب استقالته من بنك مصر،  وفى أقل من عام رحل فى هدوء تاركا وراءه تاریخا لن ینسى، توفى في الثالث عشر من أغسطس عام 1941 عن عمر یناهز 74 عاما قیمت جنازته بمنزله الموجود في شارع رمسیس. حضر الجنازة كل من: مندوب الملك ومصطفى النحاس باشا رئیس الوزراء والعدید من الشخصیات السیاسیة مثل: أحمد ماهر باشا وأحمد حسنین باشا وشیخ الأزهر مصطفى المراغى ووكیل بطركیة الأقباط ومفتي الدیار المصریة وشیخ المشایخ الصوفیة. والعدید من كبار الموظفین الحكومة والمفوضیات الأجنبیة وأعضاء مجلس إدارة وموظفي بنك مصر. كما نعاه العدید من الشعراء بقصائد رثاء مثل عباس العقاد وصالح جودت وأمیر الشعراء أحمد شوقى وكما أراد طلعت حرب رحل وَبقى البنك. ومازال بنك الأمة بنك كل المصریین.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg