رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

فى ذكرى مرور ١٥٠ عاماً على ميلاده.. نفتح خزينة معلومات طلعت باشا حرب "الرجل الدولة"

طلعت حرب ليس أسطورة مصرفية فقط ..
 
 بعد مرور سبعة وتسعين عاما علي تأسيس بنك مصر نجد أنه من الصعب الحديث عن التطور التاريخى للبنك دون الحديث عن مؤسسة «محمد طلعت حرب باشا»، فبنك مصر وطلعت حرب وجهان لعملة واحدة، ذلك أن هذا الرجل الأسطورة من الصعب تناوله كسيرة ذاتية يؤرخ لها بشكل منفصل عن حياة البنك في تلك الفترة وما صاحبها من أحداث اقتصادية وسياسية.
 
إن هذه الزعامة الاقتصادية الكبرى التى عقد لواءها طلعت حرب والتى جاءته مختارة، ترفع هامات الفخار بكفاءته، هذه الزعامة الاقتصادية ما كانت لتنتهى إليه لولا أنه كون ماضيها بغرس يديه، وسقي غرسها من عزمه في كل الأدوار التي أداها والمحن التى واجهها، ولم تكن لطلعت حرب باشا الزعامة الاقتصادية في مصر فقط، بل تخطاها إلي مجالات عديدة كما أسهم في الحياة السياسية أيضاً، فلقد كان وطنياً من الدرجة الأولي، ولكنه لم يقحم نفسه في معترك الحياة السياسية في هذه الفترة بل شارك الجميع وتعاون مع من يسعى بجد وإخلاص لمصلحة مصر، وفى غمرة المشاكل التي واجهها لم ينس قط النواحى الثقافية والفنية فكان دائم القراءة والاطلاع، هذا إلي جانب رحلاته للخارج واحتكاكه بالعديد من الأوروبيين والغربيين، مما أتاح له فرصة التعرف علي المجتمع الغربي والتعامل معه.
 
  كما ساهم طلعت حرب في تأسيس الحركة الفنية في مصر من خلال إنشاء شركة مصر للتمثيل والسينما التي كانت بمثابة النافذة التى يطل منها بنك مصر علي العالم الخارجى يعرفه بشركاته ومؤسساته وبالحركة الاقتصادية الرائدة فيه وأيضاً من خلاله يتعرف البنك علي أحدث التطورات الفنية والتكنولوجية بالخارج، فيسارع باقتنائها والاستفادة منها. 
 
النشأة أسهمت في تكوين العقلية الاقتصادية
 
 ولد «طلعت حرب» بانى نهضة الاقتصاد المصرى الحديث في 25 نوفمبر 1867 بحى قصر الشوق بالجمالية، وهو أحد الأحياء القاهرية التى تتميز بتماسك أهلها وحبهم لبعضهم البعض وتمسكهم بالتقاليد والعادات الشرقية الأصيلة، كان والده حسن بك محمد حرب قد ولد في ميت أبوعلي وهي قرية صغيرة تابعة لمركز الزقازيق بمديرية الشرقية وكانت والدته تنتمى إلي عائلة صقر في قرية كفر أحمد التابعة لمركز منيا القمح بالمديرية نفسها.
 
 ترجع عائلة طلعت حرب في الأساس إلي أصول بدوية تنحدر من قبيلة «حرب» التي كانت تعيش في منطقة بين مكة والمدينة بالحجاز، ومن المحتمل أن تكون الأوضاع الاقتصادية القاسية التى سادت الحجاز قد أسهمت بدرجة كبيرة في العديد من هجرات القبائل البدوية إلي مناطق في الصحراء المصرية، حيث كان بمقدور هذه القبائل القيام بغارات علي المدن في الدلتا، أو الانخراط في التجارة مع الفلاحين، وفي عهد محمد علي باشا، تم سحق كثير من هذه القبائل البدوية، وخاصة القبائل القوية التي أتت من ليبيا وسيطرت علي أجزاء كبيرة من مصر العليا «الصعيد»، وخلال حكم محمد علي باشا، حصل زعماء بدويون آخرون علي مساحات كبيرة من الأرض في مقابل خدماتهم، ومن بينهم عائلة أباظة (البارزة) في مديرية الشرقية، وكان هؤلاء نواة للرأسمالية الزراعية فيما بعد.
 
يصعب أن نحدد كيف استوطنت واستقرت عائلات بدوية أقل بروزًا، مثل عائلتى حرب وصقر، والمرجح أن التباين بين قسوة حياة البدو في الصحراء وبين الحياة الأكثر أمناً التي يعيشها الفلاحون، قد أغرى كثيرًا من البدو بالاستقرار في مناطق مثل واحة الفيوم ومديرية الشرقية، وكانت عائلة طلعت حرب تملك بشكل جماعى خمسة عشر فدانا، ويبدو أن نمط الملكية في قرية «ميت أبوعلى» كان علي المشاع بمعنى أن تمتلك العائلة الأراضى بصورة جماعية علي أن تسجل باسم أكبر أعضائها أو عميد العائلة، وبالتالي فإن الشيخ «علي حرب» كان عميد العائلة ويلقب «بالشيخ» ونظرا لأهمية الملكية الزراعية كأساس للترقية الاجتماعية في مصر في ذلك العهد، فقد كانت عائلة الشيخ «علي حرب» تحظى بالاحترام في القرية، نظرًا إلي أنهم من الملاك الزراعيين، بالرغم من أنهم ليسوا من الأعيان.
 
وبنظرة متعمقة إلي الجذور الأولي لنشأة «طلعت حرب» الاقتصادي والرأسمالي.. نجد أن جذوره ونشأته الأولي، ساعدت علي تكوين شخصيته وعقليته الحسابية والاقتصادية.. والوطنية فيما بعد، فالبنية الاجتماعية لقرية «ميت أبوعلي» مثلما كان الحال في القري الأخرى في أنحاء مصر، كانت تدار وفقاً لنظام الالتزام في أوائل القرن التاسع عشر، وكان أعيان القري في مصر العليا يتمتعون بقدر من النفوذ أكبر بكثير مما كان يتمتع به أقرانهم في الدلتا، وكان ذلك يرجع إلي المصاعب التي واجهها النظام في القاهرة، في بسط سيطرته علي مصر العليا، وعلي العكس من الوضع الذي كان سائدًا في مصر العليا حيث كان أعيان القري هم الذين يقومون بجباية الضرائب، فإن جباية الضرائب في الدلتا كانت أميل إلي أن تتم في الغالب علي أيدى موظفين حكوميين، وكان ذلك صحيحاً بوجه خاص في مديرية الشرقية، التي كان يسكن بعض مناطقها قبائل من البدو الذين استقروا منذ فترة قصيرة، في هذه المناطق.
 
من «ميت أبوعلي» إلى «الجمالية»
 
في قرية «ميت أبوعلى»، مسقط رأس والد طلعت حرب، كانت العهدة «التزام جباية الضرائب» في يد موظف حكومى، يدعي «رفعت بهجت بك»، ولما كان عمل بهجت بك في مديريتى الغربية والمنوفية، فمن المرجح أنه لم يكن يقضي وقتاً طويلاً في ميت أبوعلي، ومع الأصول التركية، الشركسية التي يشير إليها اسمه، فمن المرجح للغاية أنه لم يكن يفعل في القرية سوى جباية الضرائب وضمان أن تحقق أرضه كسباً منتظماً، ونادرًا ما أقام صلات قوية مع القرية، نظرًا لخلفيته «العرقية ـ اللغوية»، فقد كان الأتراك ـ الشراكسة ينظرون بتعال إلى القرويين الوطنيين المصريين علي أنهم فلاحون بسطاء، ومن المرجح أن يكون السخط قد ملأ قلوب أهالي ميت أبوعلي البالغ عددها 1786 شخصاً يعيشون في عزبة «بهجت باشا» عام 1899، والذى كان ورثته يمتلكون نحو 80% من الأراضي القابلة للزراعة.
 
ولم يكن والد طلعت حرب علي درجة ملحوظة من الثراء أو الغنى بل كان يمتلك أصغر قدر من الأرض بالمقارنة مع باقي أشقائه الذكور، بل كان الوحيد فيهم الذى قرر مغادرة وترك قرية «ميت أبوعلي» والمجىء إلى القاهرة ليستقر مع زوجته في «قصر الشوق»، هذا الحي الشهير بالجمالية في منتصف الخمسينات من القرن التاسع عشر، ولعل نزوح الوالد إلي القاهرة وقتها كان في بداية فترة تحولات تاريخية في حياة مصر، فقد أنشئ أول خط للسكك الحديدية الحكومية التي أنشأها الخديو عباس حلمي الأول، وأصبح والد طلعت حرب من رؤساء مصلحة السكة الحديد، ثم التحق بعد ذلك بالدائرة السنية، وأصبح للأب دخل شهرى ثابت أتاح له حالة من الاستقرار المادى، ويبدو أن المتاعب المادية التي لاقاها الأب، أثرت فيما بعد علي الابن وآرائه الاقتصادية والسياسية، والمشاريع التي أسسها وكان يري فيها الخلاص لوطنه ولأبناء وطنه.
 
لقد امتزج تاريخ مصر السياسى في النصف الثانى من القرن التاسع عشر بالمال والاقتصاد، وفي نفس العام الذى ولد فيه طلعت حرب (1867) ولدت مدرسة الحقوق والتى تخرج منها فيما بعد، ففي ذلك العام أصدر الخديو إسماعيل (فرماناً) خديوياً بإنشاء مدرسة للحقوق والإدارة، يتولي إدارتها وتنظيمها مسيو (فيكتور دال) والتي حلت محل مدرسة الإدارة والألسن التي أسسها محمد علي باشا حتي صدر قرار وزارى بتسميتها مدرسة الحقوق اعتبارا من عام 1885.
 
 
 أجاد الفرنسية رغم نزعته العدائية للثقافة الغربية 
 
التحق طلعت حرب بالكتاب وحفظ القرآن ثم أتم دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية في أغسطس 1885، بعدها التحق بمدرسة الحقوق فحصل علي شهادة الدراسات الأولية في القانون بمرتبة الشرف في عام 1889، ثم حصل علي مرتبة الشرف في امتحانات الترجمة في فبراير 1889، وخلال تلك الفترة كان قد أجاد وأتقن اللغة الفرنسية قراءة وكتابة.   ومع الخلفية التعليمية لطلعت حرب، من الممكن أن نرصد بعدًا آخر في تطوره، فرغم أنه ربما كانت لدي طلعت حرب من الأسباب ما يجعله يشعر بالعداء للثقافة الغربية، فـإنه كان قد أصبح من خلال تعليمه ضليعاً في هذه الثقافة، فقد تعلم اللغة الفرنسية جيدًا، فضلا عن القانون المدنى الفرنسي الذي كان أساس الدراسات القانونية في مصر، وكان الكثير من أساتذته من الفرنسيين، فقد أصبح عضوًا في طبقة وطنية مصرية، تأثرت بكل من النزعة التقليدية للحياة القروية الريفية والقيم العالمية النابعة من ثقافة غربية كانت تسود المناطق الحضرية.
 
 وكان التأثير المتزايد للثقافة الغربية في مصر، كما يتضح في تأثيرها على النظام التعليمي إلي جانب الاحتلال الاستعمارى البريطانية وهيمنة رأس المال الأجنبي علي الاقتصاد، يعني أنه يتعين علي طلعت حرب وكثيرين من المصريين الآخرين في الطبقة المتوسطة الوليدة والصاعدة لأعلي، أن يكوِّنوا لأنفسهم نوعاً من الرؤية العالمية التي من شأنها أن تسمح لهم بالإبقاء علي كثير من جوانب نزعتهم التقليدية، في نفس الوقت الذي يدمجون فيه تلك الجوانب من الثقافة الغربية التي ينبغى مواجهتها في ضوء وضعهم الاجتماعى، أما بالنسبة للقطاع المشترك من الطبقة العليا المصرية، التي كانت تمتلك قدرًا كثيرًا من الثروة والسلطة، والتي كانت تنظر بتعال إلي الجماهير المصرية، فإن مواجهة الثقافة الغربية كانت أسهل كثيراً مما كان عليه الأمر مع شخص ينحدر من الطبقة المتوسطة، تلك الطبقة التي أنجبت رجالاً مثل طلعت حرب وسعد زغلول، والتي ظهر منها أول تحد للثقافة الغربية وللاحتلال الاستعمارى.  ولابد وأن طلعت حرب قد تأثر بالقدر الكبير من التحريض السياسى الذي كان يدور في مدرسة الحقوق الخديوية عندما كان طالباً بها، حيث كان «الحزب الوطنى» بزعامة مصطفي كامل ومحمد فريد يعقد اجتماعاته بها وكان من بين معلمى طلعت حرب وطنيون مرموقون مثل «عمر لطفى» مؤسس الحركة التعاونية الزراعية، و«حفني ناصف» الشاعر والمثقف الضليع.. وغيرهما.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg