رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

طلعت حرب :لا تخلعوا طرابیشكم الأجانب لن یحترموا شعباً لا یحترم قومیته

هل هناك جبروت أقوى من إنشاء بنك وطنى مائة بالمائة وشركات صناعیة مصریة مائة بالمائة في عز الاحتلال العسكرى والاقتصادي لدولة كان یسیطر الأجانب على اقتصادها من كل جنسیة، لم یكن طلعت حرب فقط حریصاعلى كفاءة أداء بنكه وشركاته ومصریتها وإنما أن یلتزم بالمظهر المصرى كل من یعمل لدیه في شركاته.

روى عنه أنه حینما دخل مساء یوم دار سینما حدیقة الأزبكیة فجأة، رأى بعض موظفیه حاسري رءوسهم (خالعینالطرابیش) فلما جلس، نادي بواحد منهم وقال له (یا فلان، قل لإخوانك من موظفي السینما أن یلبسوا طرابیشهم وألا، أحس الموظف أن هذا الخطاب موجه إلیه مع زملائه، فامتدت یده بطربوشه إلى رأسه،یخلعوها في هذه الدار مطلقاواعتذر عن خلعه بضرورات العمل في دار مفروض فیها أنها دار للسینما، قال طلعت حرب باشا وهذا هو السببعینه الذى یحدو بكم هنا وفى هذه الدار بالذات، أن تتمسكوا بوضع طرابیشكم فوق رءوسكم، فى أثناء تأدیتكم أعمالكم،فدور السینما لایزال أغلبها فى مصر بأیدى الأجانب، وإذا أنتم ظهرتم أمام الجمهور خالعین طرابیشكم، حسب الناس

 

.أنكم لستم من المصریین وأن المصریین حتى في السینما المصریة الصمیمة لن یجدوا لهم مكاناكان هذا مبدأ طلعت حرب في البنك وجمیع شركاته، حتى على البواخر كان عمال البواخر مطربشین، حتى فىموانئ أوروبا، ألیس هو الرجل الذى أصر علي أن تكون اللغة العربیة هى لغة العمل في البنوك المصریة، لقد أمرطلعت حرب بإسقاط التعابیر والمصطلحات والألفاظ الأجنبیة من لغة المعاملات والمحاسبات في بنك مصر، بل إنهلأول مرة في تاریخ العالم یتداول الناس أوراقا بنكیة بلغتهم القومیة، بل إن الثورة الكبري والنجاح الأكبر كان حینأسس طلعت حرب (بنك مصر ـ سوریا ـ لبنان)، واستبدل اللغة الفرنسیة بالعربیة كما حدث فى مصر حینما كانتاللغة الفرنسیة أحد أشكال الوجاهة الاجتماعیة والمعاملات باللغة الفرنسیة أحد أسباب اكتساب الأجانب، فقد كان یعلم

لا یحترم قومیته ولغته القومیة ویعجزعن إثبات قومیته،علم الیقین أن هؤلاء الأجانب لا یمكنهم أن یحترموا شعبا

كان طلعت حرب یرى الیوم السعید هو الیوم الذي یرى فیه بنك مصر له بنوك، تشبهه في جمیع بلاد الشرق،وتتبادل معه المنافع بعین الروح التى یعمل بها لمصلحة مساهمیه وللصالح العام، حینما قال طلعت حربهذاالكلام، كان قد أسس بنك مصر ـ سویا ـ لبنان، وكانت الجموع تتوافد من هذه البلاد الشقیقة لترى الزعیم

الاقتصادى المصري، الذى كان یرى أنه (لا تكفي الید الواحدة أن تصفق)، كما لا یجوز أن یضحى فریق دونمقابل من الفریق الآخر، فالحیاة من الخلیقة أخذ وعطاء وهى الیوم حرب اقتصادیة لا تغنى فیها العواطف ولا النظریات

 

لم یغفل حق الذین سبقوه في طرح الفكرةإنشاء بنك مصر بأموال المصریین

 

كان طلعت حرب في حوالى الخامسة عشرة من عمره مع مجىء الاحتلال الأجنبى إلى مصر وفشل ثورة عرابى،ودخل معترك الحیاة وفكرة بنك الأمة مختمرة في رأسه، فاستولت على قلبه واستأثرت بكل مشاعره، وكان إیمانه بهافلم تبرح بخاطره أبًدا، فكشف عنها لبعض أصحابه سًرا وجهًرا وقابلها الكثیرون بالفتور والتشكك، وقعإیمانا عمیقا، واختزنها في عقله وقلبه في مرحلة الشباب

طلعت حرب فى هوى تلك الفكرة، التى أثارت مشاعره فت ًى یافعاوالنضوج، ثم نادى بها «بنك الأمة» فى مؤتمر مصرى كان منعقدا عام 1908 ،فآمن المفكرون بالفكرة وتوقع لها. الكثیرون الفشل المحقق فأخذ یدعو للفكرة في الصحف وینشرها بین الناس

كان طلعت حرب قد تقدم باقتراح یتضمن 7 نقاط لإنشاء البنك وأرسلها إلي المؤتمر المصرى الأول فى 29 أبریل

1911 الذى كانت تتطلع لعقده كل القوى الوطنیة، وقد جاء في تقریر اللجنة التحضیریة للمؤتمر والذى شارك طلعتحرب في صیاغته عن البنك وإنشائه: «أن فائدته هي أن یجعل لمصر صوتا فى سوقها المالیة ویدافع عن مصالحها»

واقترحت اللجنة على المؤتمر أن یقر وجوب إنشاء بنك مصر بأموال مصریة، وقد أقر المؤتمر المصري في نهایة

أعماله إیفاد طلعت حرب للسفر إلي أوروبا لدراسة الفكرة وإنشاء البنك بعد عمل الدراسات اللازمة عن المصارفالوطنیة وكیف تعمل فى الدول الأوروبیة.

جاء كتاب طلعت حرب «علاج مصر الاقتصادى ومشروع بنك المصریین بنك الأمة» الصادر فى نوفمبر 1911

لا یخرج عن فكر الرواد الأوائل، وأعیان مصر عام 1879 من ضرورة تأسیس بنك للمصریین أو بنك الأمة، وماقاله عمر لطفي ورشید رضا وحفنى ناصف وعبدالعزیز جاویش من ضرورة إنشاء مصارف مصریة وفي التفرقة.

بین الربا والفائدة المصرفیة الخفیفة.. ولكن ظروف فشل الثورة العرابیة والاحتلال البریطانى لمصر أوقفتهم، أماظروف ثورة 1919 فلم توقف طلعت حرب بل استمد منها الوقود الذى ألهب صدور المصریین ضد سیطرةالأجانب، وضیاع آمال المصریین.

وقد قال فى كتاب طلعت حرب «علاج مصر الاقتصادى ـ مشروع بنك المصریین بنك الأمة» مازالت الحاجةلإنشاء مصرف حقیقى، یعمل بجانب المصارف الموجودة الآن فى مصر یمد ید المساعدة للمصریین، ویحثهم عليبعد الدخول فى أبواب الصناعة والتجارة، ویحرضهم على الاقتصاد والاستفادة من الأعمال المالیة التي تزاد یوماعلي صفحات الجرائد ثم تختفى، موضع بعد آخر تظهر أیاما یوم، مازالت الفكرة فى تحقیق هذا الغرض تتجسم آنا السمر في المجالس الخاصة ثم تنزوي، حتى جاء المؤتمر المصرى الأول فرأت لجنته أن هذه الفرصة سانحة یجب اغتنامها لأنه لا ینتظر أن یشمل اجتماع من أعیان البلاد وكبرائها مثل ما ضم ذلك الاجتماع فعرضت الفكرة في تقریرها، وقد كانت فكرة «بنك الأمة» النور في هذا الظلام الحالك وكان تلقف طلعت حرب للفكرة وجهاده علىتنفیذها، وإخراجها من دنیا الأحلام إلى الواقع.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg