رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

"الأميرة فتحية" هددت عرش أخيها الملك فاروق .. وقتلها زوجها رياض غالي

لم تتخيل الأميرة فتحية ان المسدس الذى اشتراه لها زوجها رياض غالى لتحمى به نفسها هو نفس المسدس الذى سيتم اغتيالها به لتستقر رصاصاته الخمس في جسدها لتودع الحياة بعد رحلة طويلة مع الآلام والمعاناة .

بدأت القصة عندما سافرت الملكة نازلى في صيف 1946 الى الخارج للعلاج واصطحبت معها ابنتيها فائزة وفتحية حيث كانت تعانى من حالة حزن واكتئاب شديد نتيجة لوفاة زوجها رئيس الديوان الملكى أحمد حسين اثر حادث- سيارة بالاضافة الى شعورها بآلام بالكلى ولم تعرف الملكة نازلى انها مهما بعدت فقدرها سيظل يلاحقها. كانت البداية عندما عين رياض غالى لمرافقة الملكة نازلى وابنتها أثناء رحلتهما الى فرنسا وكان رياض يعمل موظفا في القنصلية المصرية في مارسيليا وكانت الأميرة فتحية وقتها زهرة يافعة لا تتجاوز السادسة عشرة من عمرها وبدأ رياض غالى يكسب في البداية قلب وثقة الملكة الكبيرة من خلال مغازلة شبابها الضائع ورفع روحها الأنثوية.

اما فتحية التى عاشت في مناخ من العزلة الملكية فقد أصبحت بعيدة عن الرقابة وفجأة أصبحت وجها لوجه لأول مرة أمام شاب عرف كيف يسيل عواطفها فكانت أول تجربة حب في حياتها وكانت فتحية جياشة العواطف فأحبته.

بدأ رياض غالى بالفعل يسهر مع فتحية في الملاهى بموافقة الملكة نازلى التى بهرها بحلو حديثه ومعرفته بخبايا المرأة فزاد ارتباط فتحية برياض غالى، وسرعان ما نقل السفير المصرى في الولايات المتحدة الى الملك فاروق انه رأى الأميرة فتحية وهى في مشهد غرامى مع رياض غالى في ملهى ليلى فاشتد غضب فاروق وفشل السفير في إثناء رياض غالى عن إتمام الزواج فطلب فاروق من مصطفى النحاس اقناع الملكة نازلى بالعدول عن زواج فتحية من رياض المسيحى فكان ردها على النحاس «أظن أن موضوع زواج ابنتى ليس من اختصاص رئيس الوزراء» وهددت بنشر الفضائح على صفحات الصحف الأمريكية.

يوم الزفاف

 في الصباح الباكر من يوم 25 مايو 1950 ازدحمت قاعات الفندق بالمدعوين من كبار الشخصيات الأمريكية الذين حضروا من نيويورك الى سان فرانسيسكو على بعد 3 آلاف ميل. وفى الخامسة ظهر رياض غالى على قمة السلم يرتدى بدلة بنجور ويبتسم في سعادة وبعد دقائق عزفت الموسيقى اشارة الى نزول البرنسيسة فتحية «والملكة « نازلى» وكانت العروس ترتدى ثوب عرس انيق استحضر خصيصا من باريس وصنعه بيت « ديسييه» للازياء اما الملكة الوالدة فكانت ترتدى ثوبا للسهرة من الحرير ازرق اللون مفتوحا من الأمام حتى الصدر ينتهى بمشبكين كبيرين من الألماس وقد زينت صدرها واذنيها ويديها بطاقم الماس. واسرع رياض غالى يستقبلهما واتجه ثلاثتهم الى المائدة التى اعدت لعقد القران واعلن « رياض غالى » أمام المأذون الباكستانى انه مسلم وتلا الشهادتين وبعد انهاء مراسم العقد قدم رياض غالى لزوجته هديتين ثمينتين احداهما خاتم الزواج وهو مصنوع من البلاتين ومرصع بثلاث قطع من الألماس وقد نقشت عليه كلمة « أحبك « اما الهدية الثانية فكانت مشبكا متوسط الحجم من البلاتين المرصع بالألماس وقضى العروسان بعد ذلك شهر العسل في جزر هاواى.

قررت الملكة نازلى الاستيطان بالمدينة الأمريكية لوس انجلوس واشترت الفيلا التى كانت قد استأجرتها في بيفرلى هيلز واشترت قصرا فخما في جزيرة هاواى وبذلك امتلكت جانبا يؤهلها للتعرف على شخصيات المجتمع المخملى كما يقول الكاتب صلاح عيسى الذى يضم مئات من افراد الأسر المالكة السابقة ونجوم الصناعة الأمريكيين وارتبطت بصداقات حميمة مع كثيرين منهم كان من بينهم اسرة « بيفرج » التى تمتلك مزارع شاسعة في ولاية « تكساس » والمستر «ايدبولى» ملك البترول الذى ساعدها في شراء اسهم في شركات البترول الأمريكية بلغت قيمتها 230 الف جنيه ودولار.

الزمن كان كفيلا بالقضاء على أغلب المشاكل التى واجهت زواج الأميرة «فتحية» من رياض غالى فلم يعد الملك " فاروق" بعد تنازله عن العرش يهددها ولم تعد هناك مشكلة في استمرار اقامتها في امريكا بعد ان رزق الزوجان بأول ابنائهما « رائد « عام 1952 والثانى رفيق عام 1954 ثم رانيا عام 1956 اذ يمنح القانون الأمريكى الجنسية للأبوين اللذين يولد ابنهما على الأرض الأمريكية وحق الاقامة الدائمة وبدأ اسم رياض غالى يتردد باعتباره مستشارا اقتصاديا لشئون الشرق الأوسط يقدم خدماته لبعض الشركات الأمريكية الكبرى.

راهنتا عليه فرهن أملاكهما

 في عام 1956 حصل رياض غالى على توكيل عام من الملكة الوالدة والأميرة « فتحية » للتصرف باسميهما في كل ما يتصل بشئونهما المالية وكانت هى بداية المأساة فقد سلمته الأميرة والملكة كل شىء اسم العائلة والمال والجاه والشباب حتى الديانة تنازلتا عنها فعبث بكل هذا ليثبت لنفسه والجميع انه ليس مجرد الشاب الجميل الذى كان يعمل في خدمة الملكة الأم. اندفع رياض غالى يضارب في البورصات الأمريكية بمنطق الذى لا يردعه ما خسره ولا يكفيه ما ربحه فأصبح يشرب كل ليلة ليهرب من تعاسته وبدأ يرهن ممتلكات الملكة والأميرة ويقترض بضمانها الألوف من الدولارات لعلها تنجح في انقاذ استثماراته الخاسرة وفى سد نفقات الحياة الأرستقراطية ولم يقر بعدم صلاحيته لكى يكون مستثمرا وبعد مرور سبع سنوات على التوكيل تنبهتا الملكة والأميرة الى ما يجرى. وجاء الوقت الذى طرد فيه «رياض» الملكة الوالدة والأميرتين وابناءه الثلاثة من بيتهم المرهون في «بيفرلى هيلز» واقام به وحده عاجزا حتى عن إستئجار خادم يعد له طعامه وانتقلت الملكة والأميرتان والأولاد للاقامة بمنزل الأسرة في جزيرة هاواى وكان مرهونا هو الآخر.

 

 فتوزعن بين بيوت المحسنين الذين خفقت قلوبهم رحمة لعزيز قوم ذل، لجأت الملكة «نازلى» الى أسرة يهودية مصرية من الأسر المعروفة التى هاجرت الى امريكا بعد الثورة فحنت على شيخوختها واستضافتها لمدة عام واخذت « فتحية « اولادها الثلاثة « رفيق ورائد ورانيا واقامت ما يقرب من عام عند السيدة « عايدة تكلا « وهى مصرية كانت تقيم في المدينة ذاتها منذ سنوات طويلة ووجدت فائزة من يحسن على غربتها من الأصدقاء.

الأميرة التعيسة تطلب الطلاق!

 كانت صفعات «رياض غالى» الطائشة على وجه الملكة العجوز هى التى جعلت فتحية تحسم امرها معه وملكت الجرأة والقدرة على ان تتقدم في فبراير 1965 الى المحكمة لتطلب الانفصال الجسدى عنه تمهيدا لطلب الطلاق ولم تتردد في الالتحاق بأى عمل حيث عملت في منازل اصدقائها وعملت في تنظيف بعض المحلات التجارية في المساء وبعد عام من العمل الشاق استطاعت ان تستأجر شقة متواضعة في الحى الشعبى بمدينة لوس انجلوس انتقلت للاقامة بها هى وابناؤها وشقيقتها وامها وما لبثت الأوضاع ان تحسنت حتى ظهرت الأميرة « أشرف بهلوى» شقيقة شاه ايران الأسبق رضا بهلوى لتمد يد العون الى الملكة نازلى. اما «آتى» أو الأميرة فتحية الجميلة فقد قادت السفينة الى بر الأمان وتخرج رفيق فى جامعة كاليفورنيا بعد دراسة الأدب الانجليزى وكان يعمل اثناء الدراسة في محل للبقالة بينما كان الابن الثانى رائد على وشك الانتهاء من دراسته للعلوم وكان يعمل ايضا في محل تجارى اما رانيا فان التحاقها بالجامعة لم يمنعها من مواصلة العمل في المساء كممرضة في احد المستشفيات.

 نذر الملكة في عام 1958

حين اعلنت الملكة نازلى اعتناقها المسيحية بررت ذلك بأنها قد نجت من الموت اثر العمليات الجراحية المتكررة التى اجريت لها في احد المستشفيات الكاثوليكية وانها قد نذرت قبل الجراحة ان تعتنق الكاثوليكية إذا مد الله في عمرها وان تعود ايضا الى دين ومذهب جدها الكولونيل ( انتلم اوكتاف سيف ) الذى اسلم وتسمى باسم «سليمان باشا الفرنساوى» وارتد ايضا رياض غالى ليس عن الاسلام بل عن مذهبه الارثوذكسى ليعتنق الكاثوليكية التى اعتنقتها كذلك الأميرة « فتحية».

 دعاها إلى المنزل لمساعدته وقتلها!

لم تنتهى فصول القصة المثيرة عند هذا الحد فبعد الطلاق ماتت ام رياض غالى وكانت على علاقة طيبة بفتحية فقدمت له العزاء واراد ان يعيدها اليه وتوسل اليها ولكن فتحية كانت قد اعتزمت العودة الى مصر. وفى الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس 9 ديسمبر 1976 كانت الأميرة فتحية تستعد للخروج لتستكمل اجراءات رحلتها الى قبرص اولا : لتعزى اسرة « غالى « في وفاة حماتها ثم الى القاهرة ثانيا لتزور شقيقتيها فوزيه وفائقة وتدرس امكانية عودتها هى وامها للاقامة الدائمة بها ثم الى طهران لتزور الأميرة « اشرف بهلوى « شقيقة شاه ايران وتشكرها على مساندتها لأسرتها قبل ان تعود مرة اخرى الى «لوس انجلوس» وقبل ان تصل الى باب الفيلا دق جرس الهاتف لتجد رياض غالى يطلب منها ان تزوره لكى تساعده في جمع ملابس ومقتنيات والدته في حقائب وابدت « فتحية « دهشتها وحاولت تأجيل المهمة الى يوم آخر لكنه الح عليها بشكل جعلها تعده بأن تمر عليه وبعد أقل من ساعة كانت سيارة الأميرة « فتحية « تقف امام المنزل رقم 1282 ب « شارع بارى » وبعد نحو ثلاث ساعات سمع مدير المبنى طلقات مكتومة.

خشيت الملكة نازلى أن تكون ابنتها قد تعرضت لحادث في طريق عودتها الى سانتا مونيكا فكلفت الابن الأكبر « رفيق » بالبحث عن والدته فاصطحب شقيقته « رانيا » في سيارته وعندما دخلا الى منزل ابيهما وجدا سيارة الأم تقف امامه وفضلا الا يقطعا عليهما خلوتهما وعادا مرة أخرى الى سانتا مونيكا وعادت ابنته رانيا مرة اخرى في الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل وفتح الباب واستقبلها في غرفة المعيشة التى كان يشاهد فيها التليفزيون وعندما سألته عن امها قال لها انها تركته لأنها على موعد مع اصدقائها في الوقت الذى كانت هى بغرفة النوم مدرجة في دمائها وفى اليوم التالى أخذت الملكة والأولاد يسألون اصدقاءها ولكن للأسف لا أحد يعرف عنها اى شىء . فعاد الابن في صباح اليوم التالى 11 ديسمبر 1976 الى شارع بارى ووجد سيارة والده موجودة ولكنه لا يفتح الباب على الرغم من أن صوت التليفزيون كان مسموعا من داخل الشقة فحطم ابنه الشراعة الزجاجية لغرفة المعيشة ليجد والده ملقى على الشيزلونج والدماء تنزف من رأسه بغزارة شديدة وعندما فتح باب غرفة النوم بين السرير والكوميدينو وجد جثة أمه فى وضع القرفصاء وقد اختفى وجهها تحت كتل من الدماء ممتدة إلى السجادة السميكة وقد تهتك نصف وجهها الأيسر تماما واختفى من تأثير الاصابة بطلقات مسدس رياض غالى 5 رصاصات أربع فى الوجه والخامسة فى الرأس بعدها فارقت البرنسيسة الحياة أما غالى فقد كان فى غيبوبة بعد أن اطلق على نفسه الرصاصة السادسة ولكنه كان لا يزال على قيد الحياة وعندما وصل الخبر الى « سانتا مونيكا» سقطت الملكة مغشيا عليها واحتشد الأطباء حولها يحقنونها بالمسكنات كلما افاقت خشية ان تصحو لتموت. لقد تحول الشاب الجميل الذى رشحه الصحفيون الأمريكيون عام 1950 لكى يكون أحد نجوم هوليوود الى حطام انسان لا يعرف شيئا مما يجرى حوله. لقد اعطته فتحية كل شىء واخذ منها كل شىء. حتى حياتها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg