رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

لطيفة الزيات.. فلسفة الشيخوخة فى عالم نجيب محفوظ

تقول لطيفة الزيات في نقدها لقصتها الشيخوخة مبررة استخدامها لصيغة اليوميات والمذكرات، أي صيغة المتكلم دون الغائب: فلكي تصل الرسالة الوجدانية والعقلية التي تنطوي عليها القصة للقارئ، يتعين عليه، عليها أن يواجه ذاته، وأن يسائل الكثير من الأوهام الراسخة عن هذه الذات، وهذا أمر ليس بالسهل، ويتطلب من الكاتب مساعدة القارئ على إنجازه، ومن شأن استخدام ضمير المتكلم لذات تضع نفسها موضع التشريح الموجع أن يسقط الكثير من تحفظات المتلقي، وأن يشجعه على مواجهة مماثلة للذات، وبهذا تمنت الكاتبة أن تكتمل دائرة التلقي.
 
وتتجلى كل عناصر النقد الشامل للفلسفة المثالية نظريا وتطبيقيا في كتابها نجيب محفوظ: الصورة والمثال، وهو الكتاب الذي يبين حجم الجهد الذي بذلته الكاتبة في قراءة أعمال نجيب محفوظ منذ بدايته الأولى لتكتشف ذلك الخيط الرابط بينها جميعا بعد أن أعادت قراءة أعماله بدءاً من عبث الأقدار و«همس الجنون» وهما المجموعتان القصصيتان الأوليان للكاتب إلى «المرايا» بحثا عن المفاتيح التي تفتح لها عالم نجيب محفوظ القصصي، وهي المدخل إلى دراسة المنظور المثالي للكاتب كما يتبدى في نصوصه الأدبية على المستويين الكوني والاجتماعي، وبحثا أيضا عن مصادرة الفلسفة التي تستند إليها رؤيته، ويتأكد لها عبر البحث الدءوب تجانس عالم نجيب محفوظ ورسوخ منطلقاته الفلسفية من بداية أعماله، وإلى اليوم 1989 سنة صدور هذا الكتاب في سلسلة كتاب الأهالي التي يصدرها حزب التجمع، وهو الكتاب رقم 22 في السلسلة.
 
قدمت الباحثة لهذا الكتاب النقدي بإطلاقها لواحدة من أفكارها الأساسية حول وظائف الأدب وهو ما أسمته بالمعنى العام، أو ما درجنا نحن النقاد من الأجيال التالية على تسميته بالرسالة تقول: قادتني هذه الدراسة التحليلية في المقام الاول بالضرورة إلى محاولة فهم المعنى العام للنص، واستنباط هذا المعنى من أطره الفلسفية المدرجة في كل رواية، وتأصيل الأسس الفلسفية لهذه الأطر.
 
وبحثا عن هذه الأسس الفلسفية ذهبت مباشرة إلى كل من هيجل والمتصوفة المسلمين وإن ركزت أكثر على هيجل ومن المعروف أن الفلسفة كانت هي مادة دراسة نجيب محفوظ في الجامعة، وأن التصوف الإسلامي كان أيضا مصدرا من مصادره، وقد اتضح تأثيره فيما بعد حين كتب أحلام فترة النقاهة التي خرجت إلى الوجود بعد سنوات من موت الدكتورة لطيفة 1996.
 
أما المعنى العام الذي استخلصته الباحثة من قراءتها للشكل الروائي عند نجيب محفوظ من «اللص والكلاب» إلى «ميرامار» فهو أي المعني محاولة الإنسان لإيجاد المعني في عالم يتحكم فيه الخلل والقصور على الصعيدين الاجتماعي والميتافيزيقي ويشكل هذا الاختلال وهي مفردة تتكرر كثيرا في الكتاب أساسا لمأساة الإنسان عامة ويعيدها إلى جذورها في القهر الاجتماعي والميتافيزيقي وجحيم نجيب محفوظ هو الماضي بكل تراثه المدمر الثقيل، بكل قيوده ومعوقاته وأوزاره التي تتحكم في العصر وتحد من قدرته على الحركة، وبنسيون ميرامار، أو الجحيم هو التجسيد الحي لماض تحكم فيه الاستعمار، في تحالف مع الاحتكار الأجنبي والإقطاع المصري.
 
تستخلص الباحثة من القراءة المتأنية لأعمال نجيب محفوظ أن الإنسان وفقا للمنظور المثالي لوحدة الوجود هو الحقيقة العليا، وهو الفرد المشوب بالقصور، وهو الأنا العليا والأنا السفلى على حد تعبير نجيب محفوظ وهو الفكرة، وهو المادة، وهو الروح وهو الجسد، وهو الوعي أو الحدس أو الشعور الذي يصله بأصله، وهو العقل الذي يستحيل من خلاله استكناه أو استجلاء حقائق الأشياء، وهو هذه الصفة أو أكثر من صفات الحقيقة العليا دون بقية الصفات، لأنه دونها لا يستطيع أبداً أن يكون جماع المتناقضات. ولأن الإنسان كذلك فهو منقسم على نفسه، يرزح تحت ازدواجيته دون إمكانية للإفلات من هذه الازدواجية إلا بالموت والارتداد إلى الأصل، وازدواجية الإنسان تتمثل في المنظور المثالي الروائي في صراع بين طرفي ثنائية الروح الجسد، الحدس العقل، الفكرة المثال، الوعي الحس، الفن العلم، نسمة التصوف ووهج الغريزة.
 
وتتبدل هذه الثنائيات ما بين عمل من أعمال نجيب محفوظ والآخر ولكنها لا تلقى التصالح أبدا، وتبقى الشخصية الروائية أسيرة لها ما بقيت على قيد الحياة دون إمكانية للتطور، ومن الطبيعي أن يحدث هذا فطرف الثنائية المثالية يقف موقف التضاد المطلق من الطرف الآخر بلا أي إمكانية للتفاعل، وبالتالي بلا أي إمكانية للحل إلا بالموت. اكتشف نجيب محفوظ أن مادته تحتم عليه الاهتمام بالحقيقة الداخلية للشخصية، بل إن هذه الحقيقة هي الحقيقة التي تجب أن تنعكس من خلالها كل الأحداث والحقائق الخارجية، إنها ألوان التكنيك التي تتبع مجرى الشعور وكأن الحدث بأكمله يحدث في شعور واحد هو شعور سعيد مهران.
تتقاطع مفردات الزيات النقدية في بعض الأحيان مع المفردات الدينية كما هو الحال في نقدها لرواية «الطريق» حين تستخدم مفردات الحق والباطل بدلا من الخطأ والصواب.
 
فالحق والباطل مطلقان دينيان والخطأ والصواب نسبيان علمانيان، وهناك فارق شاسع بين المقاربتين، وتتناسل ثنائية الحق والباطل غير القابلة للتصالح حين تصبح كريمة زوجة العجوز صاحب فندق القاهرة الذي يقيم فيه صابر هي تجسيد للباطل، وإلهام الموظفة البسيطة في الإعلانات والتي تحبه وتريد أن تساعده هي تجسيد للحق، وهكذا تحرم الناقدة كريمة من أي عطف أو رحمة، بينما تغدق على إلهام مديحا يكاد يجردها من إنسانياتها ورغباتها البشرية.
 
ويلخص هذا الاقتباس المطول رؤية لطيفة الزيات لعالم نجيب محفوظ الروائي، ولأنها انشغلت بالمنطلق الفلسفي لمحفوظ الذي أرجعته إلى الأصول الهيجيلية وإن توقفت بشكل عابر أمام تأثير التصوف عليه فقد فاتها أن تعالج القضايا الرئيسية في مجال الصراع الاجتماعي رغم أن نجيب محفوظ يسمى الطبقة الوسطى على لسان أحد أبطاله بالطبقة الهابطة أو الهالكة، وحين ركزت الباحثة في تتبعها للأصول الفلسفية للروائي العربي الكبير على تأثير فلسفة هيجل وقعت في المطابقة بين المسرحية والرواية، لأن هيجل حين عالج مسألة البطل التراجيدي كانت المسرحيات الإغريقية هي مصادره ونماذجه، وهناك فروق جوهرية بين المسرحية والرواية، ففي المسرحية كلية الحركة هي الأساس، وفي الرواية كلية الأهداف أو الرسالة هي الأساس.
 
وأذكر أنني كنت في طريقي إلى الجزائر وزرت الأستاذ نجيب محفوظ في مكتبه بالأهرام لأسأله: إن كان يريد شيئا من باريس لأنني أنوي أن أزور شقيقي وحيد الذي كان يحضر للدكتوراه في ذلك الحين في فرنسا، فطلب مني أن أحضر له روايات كلودسيمون. وكانت الرواية الجديدة في ذلك الزمن أواخر الستينيات فرنسية وكلود سيمون من أكبر المؤسسين في هذا الميدان.
وحين عدت من الجزائر وذهبت إليه بالروايات عبر عن فرح وامتنان غامر، وعرفت حينها أنه يقرأ الفرنسية أيضا، والأهم من ذلك أنه يتابع الجديد في العالم باهتمام كبير ذلك أن سؤال الأدب والفكر ليس شرقيا ولا غربيا بل هو كوني رغم أنه كان يرد على السؤال الصحفي المتكرر عن ماذا يقرأ فيقول: إنها الموسوعة البريطانية فقط.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg