رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

وعد بلفور

 

سافر تشرتشل مع ربيبه صامويل بقطار خاص إلى القدس، وفي غزة استقبله الأهالى في محطة القطار بالصيحات والتكبير الذى كان يعتقد أنه احتفاء به فحيا الجماهير تحية ملكية، ولكن الاستقبال كان في الواقع صيحات تنديد ببريطانيا ووعد بلفور، وفي القدس قابل تشيرتشل شخصيات فلسطينية بارزة وأعطاهم وعودا بريطانية كاذبة ولم يتنازل عن وعد بلفور.

 

وفي الثلاثين عاماً من الحكم البريطاني رأس الحركة الوطنية الفلسطينية الحاج أمين الحسيني، وبسبب ظروف فلسطين وانشغال العرب كل بقضيته، أخذت هذه الحركة منحى فلسطينيا خاصا، وفي عام 1929 وقعت ثورة البراق حين اعتدى الصهاينة على حائط البراق في المسجد الأقصي، وكونت بريطانيا لجنة دولية من دول أخرى للتحقيق في أصل النزاع، وقررت اللجنة أن حائط البراق هو مِلْك إسلامي خالص، دعا الحاج أمين عام 1931 إلى مؤتمر إسلامي عربي لإنقاذ المسجد الأقصى، فكانت الاستجابة لدعوته إسلامية أكثر منها عربية وجاء كثير من علماء المسلمين مثل العلامة محمد رشيد رضا والإمام كاشف الغطاء والطباطبائي من إيران، والثعالبي من تونس والشاعر إقبال من الهند. ومن الشخصيات العربية شكرى القوتلى من سوريا، ورياض الصلح من لبنان ومحمد علي علوبة من مصر، وألقى عبد الرحمن عزام كلمة حزب الوفد نيابة عن مصطفى النحاس الذى تبنى الاتجاه العربي نحو القضية الفلسطينية.

 

أما من الناحية الشعبية فقد وقفت هدى شعراوى التى أصبحت رئيسة جمعية السيدات العربيات مع أخواتها في فلسطين، كما قام حزب مصر الفتاة بتأييد المطالب الوطنية في فلسطين وكلاهما كانت له تنظيمات شبه عسكرية، ولكن لم تلق الحركة الفلسطينية ولا رئيسها الحاج أمين الحسيني دعما قويا حينها من الساسة المصريين، إسماعيل صدقي باشا مثلاً المعروف بقربه من الإنجليز لم يكن يرى في القضية العربية شأنا له، وكان اهتمامه أولا وأخيراً بالقضية المصرية، كتب السفير الإنجليزى في القاهرة إلى لندن يقول إن إسماعيل صدقي مستعد للدعوة إلى تقسيم فلسطين وإعطاء دولة لليهود مقابل أن تتساهل بريطانيا في شروط معاهدة 36 والجلاء عن مصر.

 

وفي عام 1945 أنشئت جامعة الدول العربية بإيعاز من بريطانيا، وعادت القضية الفلسطينية إلى حضن العرب، وعين موسى العلمي لشغل مقعد فلسطين، وأصبحت الجامعة العربية بحكم الوصى على فلسطين لأنها لم تصبح دولة بعد.

بدأت الجامعة بإصدار قرارات بمقاطعة البضائع والشركات اليهودية في فلسطين. ولكن ترددت بعض الدول في تطبيقها لأن لها مصالح مع اليهود.

التقسيم ثم الاحتلال 

وفي 29 نوفمبر 1947 صدر قرار التقسيم بأغلبية ضئيلة ومعارضة العالم العربي والإسلامي والآسيوى والأفريقى على قلة عددهم في ذلك الوقت. قرار التقسيم  كان مجرد توصية لا تنفذ إلا إذا وافق عليه الطرفان, وبالطبع لم يوافق الفلسطينيون على إنشاء دولة يهودية في %55 من فلسطين، بينما لم يتمكن المهاجرون اليهود في ظل بريطانيا من السيطرة على أكثر من %6 فقط من فلسطين، وفي مارس 1948 تخلت هيئة الأمم المتحدة ومعها الولايات المتحدة عن قرار التقسيم لأنه سيؤدى إلى الحروب وسفك الدماء، وأوصت بدلاً عنه وضع فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة. وهنا هاج بن غوريون الصهيونى وماج بعد نزع الخيط القانوني الذى كان يعتمد عليه، وقرر احتلال فلسطين بقوة عسكرية مجهزة منذ سنين قوامها 120 ألف جندى.

 

واحتلت القوات الصهيونية 220 قرية فلسطينية وطردت أهلها واقترفت أكثر من 15 مجزرة منها دير ياسين، وبذلك تم تهجير نصف اللاجئين الفلسطينيين، هذا كله في وجود بريطانيا وقبل إعلان قيام إسرائيل وقبل دخول أى جندى عربي نظامي لإنقاذ فلسطين، أشعلت أخبار التهجير والمذابح الشعب العربي في العواصم العربية، وأصبح لزاما على الحكومات التدخل لإنقاذ الفلسطينيين من المذابح. في مصر تردد محمود النقراشي في إرسال قوات إلى فلسطين بحجة وجود القوات البريطانية في قناة السويس، لكن الملك فاروق أصر على دخول الجيش لرغبته في ألا يتخلف كملك عربي عن القيام بالواجب، وربما نكاية بالأمير عبدالله في شرق الأردن الذى كان ينوى اقتسام فلسطين مع اليهود. كان جنوب فلسطين المخصص للجيش المصري خاليا تقريباً من اليهود الذين كانوا يتجمعون في الساحل من يافا إلى حيفا.

اعتراف بريطاني

 

وعندما بدأ النقاش حول تقسيم الغنائم أصر اللورد كرزون وزير الخارجية البريطانية في مرافعته أمام اللجنة الشرقية على ضرورة حيازة بريطانيا لفلسطين وقال في مذكراته» لقد أثبتت الحرب أن فلسطين هى الدرع الإستراتيجية لمصر وأن وجود أى قوة أجنبية في فلسطين سيؤثر سلبا على وضع بريطانيا لحماية قناة السويس والمناطق العربية المجاورة». عندما أقرأ هذا القول يخطر لي أن أقول لهؤلاء الذين يجهلون عمق العلاقة بين مصر وفلسطين، أو معنى الأمن القومي العربي، أقول لهم «إذا لم تكونوا عرباً فلتكونوا إنجليزا». لكن هذه الحقيقة الإستراتيجية لم تغب عن ابن مصر عبقرى المكان جمال حمدان: إذ كتب قائلاً: «منذ 4000 عام على الأقل أدركت مصر أن الشام هو خط دفاعها الطبيعى الأول وأن مصيرهما مرتبط عضويا، تاريخيا وجغرافيا».
 

عندما وصل المندوب السامي البريطاني والصهيوني العريق هربرت صامويل إلى فلسطين وواجهته مظاهرات ضد وعد بلفور، أبلغ تشرتشل بذلك لهذا الغرض وأيضا لتنظيم استيعاب البلاد العربية، من فلسطين إلى العراق، التى أصبحت تحت قبضة بريطانيا، دعا تشرتشل وزير المستعمرات البريطانية إلى اجتماع موسع عام 1921 في مقر القيادة العسكرية البريطانية للشرق الأوسط في القاهرة، وحضر هذا المؤتمر كبار القادة العسكريين وهربرت صامويل ولورانس وبعض الضباط العرب مثل نورى السعيد. 

 

وكان غرض المؤتمر حل التناقضات في السياسة البريطانية حول وعد مكماهون واتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور. واتفقوا على الوفاء بوعد بلفور والتخلى عن سوريا ولبنان لفرنسا وتأجيل مصير شرق الأردن. ومن الغريب حقاً أن مطالب مصر بالاستقلال لم تبحث في مؤتمر بهذه الأهمية، عقد في القاهرة نفسها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg