رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

العلامة التي حسمت تحكيم طابا

 
 
وقد أخذ باركر هذه الصورة لأول علامة حدودية قرب طابا. وقد أنقذت هذه الصورة الدعوى المصرية ضد إسرائيل في تحكيم قضية طابا عام 1988، أما باركر وأمثاله فقد أنشأوا شرطة عسكرية من الهجانة، وكان زيها وهو نفس الزي الذي كانت تلبسه شرطة بئر السبع أيام الانتداب البريطاني.
 
بل أكثر من ذلك، فإن بريطانيا كانت تحكم سيناء وجنوب فلسطين وشرقي الأردن بموجب قانون العشائر الموحد الذي فرض لفض النزاع بين العشائر ومنع الغارات المتبادلة والصلح في جرائم القتل والثأر. وكانت تعقد محاكم العشائر من بداية القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية في العريش في سيناء، وبئر السبع في فلسطين، ومعان في شرق الأردن، بالتبادل وتحت إشراف ضباط بريطانيين.
 
 
 
أثر الحرب الأولي 
لكن التواصل التاريخي بين فلسطين ومصر قد انفصمت عراه عام 1915 إذ أعلنت بريطانيا مصر محمية بريطانية وبقي المشرق العربي ولايات عثمانية، وأصبحت قناة السويس حاجزا مائيا وقانونيا يفصل مصر عن المشرق، وبدأ عصر جديد من الاستعمار المباشر لهذه المنطقة.
نقلت بريطانيا مركز إدارة الشئون العربية في خليج البصرة، من الهند إلى القاهرة، وافتتحت المكتب العربي في القاهرة ليكون مقرها الجديد وانضم إليه ضابط إنجليزي شاب يعرف العربية اسمه لورانس.
 
وبدأت من القاهرة المراسلات بين المندوب السامي مكماهون والشريف حسين شريف مكة حول اعتراف بريطانيا باستقلال الولايات العربية وقيام مملكة عربية وعلى عرشها أبناء الشريف حسين، مقابل القيام بثورة ضد الأتراك وطردهم من البلاد، وبينما كانت طائرات الحلفاء تسقط المناشير على الثوار العرب، تحثهم على الثورة ضد الدولة العثمانية، وتؤكد لهم وفاء بريطانيا بتعهدها باستقلال الولايات العربية، كان اثنان من الدبلوماسيين يجلسان على طاولة في غرفة مقفلة، وأمامهما خريطة الشرق الأوسط. هذان الدبلوماسيان هما البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو، يتفقان على تقسيم المشرق العربي بينهما، وبموجب هذا الاتفاق الخائن تكون فلسطين وشرق الأردن والعراق من حصة بريطانيا، وما تبقى من سوريا ومن ضمنها ــ ما أصبح فيما بعد ــ لبنان، من حصة فرنسا.
بقيت هذه الخيانة مكتومة إلى أن كشفها الثوار البولشيفيك عندما أطاحوا بالقيصر في أكتوبر 1917. وفي هذا الشهر من نفس العام، وقعت أحداث أخرى غيرّت مجرى التاريخ في فلسطين، وبدأ عصر من القتل والتشريد إلى يومنا هذا.
قررت بريطانيا احتلال فلسطين وخرجت حملة عسكرية بريطانية من مصر لهذا الغرض باسم غريب حقا وهو «الحملة العسكرية المصرية». دخلت الحملة فلسطين في مطلع عام 1917. وانهزمت مرتين أمام غزة التى كان يدافع عنها الأتراك مع مستشاريهم الألمان. بعدها أقالت بريطانيا الجنرال موري Murray المهزوم وعينت مكانه اللنبى (Allenby) الذى أعاد تنظيم الجيش وغيّر الخطة العسكرية بالالتفاف المفاجئ نحو بئر السبع. وسقطت بئر السبع في مساء يوم الأربعاء 31 اكتوبر 1917، وأنزلت القوات البريطانية العلم التركي من فوق المسجد ورفعت مكانه علم بريطانيا. ما إن وصل خبر هذا الانتصار إلى لندن حتى أعلن بلفور وعده المشئوم في 2 نوفمبر الذى سبق الاتفاق عليه سراً مع أثرياء اليهود، وبذلك انتهى عهد من الحكم العربي والإسلامي استمر 1400 عام، ولا نزال إلى يومنا هذا نعانى هذه الكارثة الكبرى.
 
كان قوام الحملة البريطانية 150 ألف جندى من الإنجليز والأستراليين والنيوزلانديين والهنود، وهم الذين نسب إليهم انتصار بريطانيا، لكن كان هناك جيش آخر لم يعز له نصر ولم يحظ بتقدير معنوي أو مادي. كان هذا الجيش يتكون من 125 ألف عامل مصري، بموجب عقود عمل في الظاهر، وكعمال سخرة في واقع الأمر، جمعوا قسرا من القرى والنجوع. 
تقدم الجيش البريطاني في زحفه نحو فلسطين بسرعة إنشاء خط سكة حديدية وأنابيب مياه النيل التى بناها العمال المصريون إلى أن وصلت غزة، وحمّل آلاف الجمال المصرية المواد والتموين والذخائر إلى مواقع القتال في سيناء وفلسطين. وسقط منهم العشرات من التعب والإرهاق وقلة العناية.
وعندما سقطت بئر السبع خرج قائد الحامية التركى عصمت بيك مسرعاً على حصانه، وأرسل إشارة إلى زميله الضابط مصطفى بيك في نابلس، واتفق الطرفان على أن هزيمتهم العسكرية ليست نابعة من قلة قدراتهم العسكرية، وإنما نابعة من فساد الحكم في عاصمة بلادهم، وعادا لتغيير الحكم في بلاديهما.
 
مصطفي بيك أصبح معروفاً باسم أتاتورك وهو أول رئيس لجمهورية تركيا. أما عصمت بك فهو عصمت اينونو الرئيس الثانى للجمهورية. وسيتكرر هذا المشهد بعد ثلاثين عاماً على بعد ثلاثين كيلو متراً من نفس المكان.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg