رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

بعثة استقصاء فلسطين و ترسيم الحدود

أرسلت بريطانيا بعثة أخرى أكبر وأشمل لاستقصاء أحوال فلسطين وبدأت عملها عام 1871، أرسلها «صندوق اكتشاف فلسطين» الذي أنشئ تحت رعاية الملكة فكتوريا قبل ذلك بسبع سنوات، وكان غرضها المعلن هو تقفي آثار السيد المسيح واستطلاع الأرض المقدسة لبيان صحة الإنجيل الجغرافية والتاريخية، كان ضابط المساحة الثاني في الحملة شابا حديث تخرج في مدرسة ووليتش Woolwich للمساحة العسكرية واسمه هوريشيو كيتشينر.
 
 
خلال 4 سنوات من المسح الميداني في فلسطين و4 سنوات من الدراسة والتمحيص في لندن أنجزت البعثة عملا يضاهي «وصف مصر» الذي قامت به الحملة الفرنسية، وأنجزت 26 خريطة لفلسطين بها معالم ألف قرية و12 ألف اسم مكان. كما صحبها عشرة مجلدات عن آثار فلسطين والقدس بالذات، وعن طيور فلسطين، ونباتاتها، وأهلها، لكن الغرض المخفي من هذه البعثة هو التخطيط للاستيلاء على فلسطين، وهو ما تم بعد عقود قليلة من الزمان، أما كيتشينر  فقد استمر في إنجاز خرائط مساحية لجنوب فلسطين وأجزاء من سيناء، وشارك في الحملة البريطانية لإخماد ثورة المهدي في السودان، وأصبح سردارا للجيش المصري. ثم أصبح وزيرا للحربية البريطانية ومات غرقا عام 1916.
 
 
كان غرض بريطانيا من احتلال مصر هو حماية خطوط مواصلات بريطانيا نحو الهند وبالذات السيطرة على قناة السويس. ولذلك نشأت الحاجة البريطانية إلى سيطرة أقوى على ثلثي سيناء الجنوبي. فأرسلت المخابرات العسكرية البريطانية في القاهرة برئاسة الأميرالاى أوين ضابطاً لها اسمه جيننجز براملي (W.E. Jennings Bramly) الذي اتخذ من نِخِل مقرا له، وطاف بأرجاء سيناء يسجل أحوالها ومواضع القوات التركية فيها، والمطلع على تقاريره يدهش لغزارة المعلومات التي كان يجمعها حول أسماء القبائل وعددهم وشيوخهم وميولهم السياسية وبناء بيوتهم وحتى ماشيتهم والوسم الموسوم به ماشيتهم للتعرف عليها. استمرت تقاريره من نحو 1890 حتى 1906 عند تحديد الخط الإداري بين مصر وفلسطين، وأصبح براملي المرجع البريطاني الأول عن سيناء.
 
تحول النزاع المحدود بين براملي والقائد التركي في العقبة إلى أزمة دبلوماسية وعسكرية، فقد اعتبر الأتراك تحركات براملي تهديدا عسكريا، لاسيما بالنسبة لخطوط مواصلاتهم، بما في ذلك خط سكة الحديد الجديد الذي كان يجري إنشاؤه بين دمشق والمدينة المنورة، وقام الحاكم التركي لغزة بزيارة المقضبة والقصيّمة جنوب العريش غرب الخط الوهمي بين رفح والعقبة، وذلك لإثبات وجود الحكم التركي، كما قام الأتراك، الذين كانوا مدركين للمخططات البريطانية في جنوب فلسطين، ببناء مدينة بئر السبع الحديثة فوق أنقاض المدينة القديمة وبنفس الاسم لتكون مركزا لقواتهم ومواد تموينهم، وسعى الأتراك أيضا لتقوية بلدة عوجة الحفير (على خط الحدود الفلسطينية-المصرية كما تم تعيينه لاحقا) ومدينة العقبة، وهكذا، استنتج البريطانيون أنه من الواجب تحديد الخط الفاصل بين الدولتين بشكل حاسم.
 
 
ترسيم الحدود 
ولدى مناقشة النزاع الحدودي، ادَّعى اللورد كرومر أن الفرمان الصادر عام 1841، الذي يعيِّن الحدود الإدارية بين فلسطين ومصر، لم يُعثر عليه، ورفض الأتراك تعيين حد بين ولايتين عثمانيتين، واحدة منها تحت السيطرة البريطانية، وأرسلت بريطانيا بوارج إلى شواطئ رفح والعقبة، رافق مجيء البوارج رسالة مفادها أن بريطانيا ستحتل هاتين المنطقتين إذا لم يوافق السلطان على خط حدود مستقيم يمتد بينهما، وافق السلطان وأصُدر إرادة سلطانية بتاريخ 12 سبتمبر 1906، قبل ساعات قليلة من الوقت الذي كان من المفروض أن ينزل فيه الجنود البريطانيون إلى البر، وهكذا، اضطر الضباط الأتراك للجلوس مع الضباط البريطانيين ومساعديهم المصريين في خيمة شمال العقبة لرسم خط الحدود.
 
أم الرشراش بداية ترسيم الحدود
 
بدأ ترسيم الحدود من موقع أم الرشراش (التي صار اسمها لاحقاً إيلات) شرق طابا على خليج العقبة إلى رفح على البحر المتوسط في خط شبه مستقيم، ولو استمر الخط مستقيما فإنه سيقطع أراضي العشائر وأسباب معيشتهم لوقوعها على جانبى الخط، ولذلك اعترض الأتراك عليه، وكانت معظم أراضي قبائل الترابين والتياها والعزازمة تقع في فلسطين ولكنها تمتد إلى سيناء، وتخضع هذه القبائل للحكم التركي وتدفع الضرائب إلى قائمقام بئر السبع، الذى يرسل دورياته إلى تلك المناطق حتى العريش لجمع الضرائب وإقرار الأمن، كما أن حل الخلافات بين العشائر كان يتم في بئر السبع.
 
وبعد مجادلات مطوّلة امتد الخط الإداري على شكل خط مستقيم مع انحراف بسيط، وهكذا ضمت أراضي القبائل هذه إلى مصر، وهى تحتوى على آبار عديدة ومناطق زراعية، ولذلك قام بعض أفراد العشائر بمهاجمة لجنة الحدود أثناء عملها، وتم الوصول إلى تسوية بتعديل شروط الحدود بحيث يسمح للعشائر بعبور الخط إلى أراضيهم وآبارهم على جانبيه، جرى توقيع الاتفاق النهائي الذي يعيّن «الخط الإداري» (أي أنه ليس خط حدود دوليا) بين «ولاية الحجاز ومتصرفية القدس من جهة وبين شبه جزيرة طور سيناء»، من قِبَل ممثلين عن مصر وعن تركيا في الأول من شهر أكتوبر، 1906.   لم يطرأ أي تغيير جوهري على الخط الإداري بعد احتلال البريطانيين لفلسطين عام 1917 وتأسيس حكومة الانتداب (1920-1948)، ورغم وجود مخافر للشرطة المصرية في رفح والعريش، على طول خط السكة الحديدية الذي يربط بين مصر وفلسطين، فإن جوازات السفر للقادمين إلى مصر كانت تختم في القنطرة فقط الواقعة على قناة السويس باعتبار أن أصحابها دخلوا قلب الأراضي المصرية.
 
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg