رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

طموحات محمد على

تولى محمد على ولاية مصر وكان كما هو معلوم طموحا جدا للسيطرة على المشرق ولتكوين دولة قوية تحت حكمه، فغزا الحجاز، ثم أرسل حملة بقيادة ابنه إبراهيم باشا لغزو الشام، وكان غرض هذه الحملة  إقامة دولة في مصر والشام «إلى حيث يتحدث الناس العربية» كما قال، وأحيا بذلك طموحات ظاهر العمر وعلى بيك الكبير. كان هذا مشروعا طموحا قابله الناس في فلسطين بالترحاب لأنهم رأوا فيه حكما مستنيرا ينقذهم من بطش العثمانيين، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن إبراهيم باشا يعاملهم بقسوة تعوّد عليها، وهم أهل الجبل ولا يقبلون بظلم جديد، فثاروا عليه عام 1834 في القدس ونابلس والخليل.


كانت بريطانيا تراقب هذا الطموح عن قرب، ونجد في هذه الوثيقة دليلا على ذلك، حيث أرسل القنصل الإنجليزي كامبل الذى صادق محمد علي وتقرب إليه  إلى وزير خارجية بريطانيا بالمرستون هذا التقرير في 23 يونيو 1834 صادرا من الإسكندرية يقول فيه «إن محمد علي واثق من نصره في الشام لأنه أرسل قوات عربية لمساعدة ابنه إبراهيم باشا». كتب القنصل الإنجليزى أنه ذهب لمقابلة محمد على لاستطلاع موقفه في الشام فأخبره محمد علي أنه استدعى شيوخ أولاد علي وأقنعهم لكى يرسلوا فرسانهم إلى الشام، ويقول أيضاً إنه لديه 4000 من رجال القبائل قد وصلوا دمشق بالفعل.


ظلت بريطانيا تراقب تحركات محمد علي وامتداد طموحاته إلى أن وصل إبراهيم باشا إلى كوتاهيا في جنوب الأناضول، عندها استنجد السلطان العثماني بأوروبا لإيقاف تقدم محمد علي، وكانت بريطانيا في مقدمة الذين تصدوا لفتوحات محمد علي.
وفي عام 1840، عُقدت معاهدة لندن التي أوقفت فيها فتوحاته، وبذلك انتهت حملة إبراهيم باشا بخسارة ومربح. أما الخسارة فهي أنه فقد ما فتحه في الشام والجزيرة العربية وفقد ثلثي جيشه في الشام، Pde ذهب ومعه 130 ألف جندى وعاد منهم خمسون ألفاً فقط والباقى ما بين قتيل أو هارب أو متبق في بلاد الشام. ولذلك ليس من المستغرب أن نجد في فلسطين مدنا وضياعاً كثيرة باسم كفر مصر والمصاروة وأبو كبير وسكنة درويش. كما ذكر الرحالة الأوروبيون أن ملامح الناس في جنوب فلسطين وملابس النساء تشبه فلاحي مصر، ونجد حتى يومنا هذا عائلات شامية أصلها مصرى بنفس الأسماء ونفس القربى بين مصر وفلسطين مثل عائلات البليبسى والقمحاوى وأبو خضرة وأبو لبن وأبو الجبين وأهالى سكنات أبو كبير وحماد ودرويش. أما المربح فقد اعترف السلطان العثماني بولاية محمد علي على مصر له ولنسله من بعده، وأصدر السلطان العثماني عام 1841 فرماناً بتولى محمد علي ونسله حكم مصر.


انفتحت شهية أوروبا نحو الشرق مرة أخرى، ووصل إليه سيل من الرحالة والقساوسة والمغامرين وضباط المخابرات، كانت الحجة أو الدافع هو الاطلاع على سحر الشرق وأسواقه مثل أسواق القاهرة التي تأتي إليها أقمشة الشام وبخور الهند عن طريق جدة والعبيد عن طريق الأربعين من السودان، وتأتى إليها قوافل الحجاج من المغرب وغرب إفريقيا في الطريق إلى مكة.
لكن لم يكن حب السفر والترحال هو الحافز الوحيد لهذه الرحلات، فقد أصبحت الجاسوسية عملا منظما لفريق من الباحثين، ففي غمرة الأحداث التى أدت إلى شق قناة السويس وافتتاحها وصلت بعثة بريطانية عام  1869- عام افتتاح القناة إلى سيناء - وغرضها المعلن هو استكشاف طريق خروج اليهود من مصر في صحراء التيه حسب الرواية التوراتية، أنجزت البعثة خرائط متعددة لسيناء، وأخذت 500 صورة ضوئية. لم تكن زيارة البعثة إلى سيناء مصادفة، فلقد كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بقناة السويس، والتي أنجزت في عام 1865، ولم يكن لبريطانيا فيها نصيب.


في عام 1881، طالب أحمد عرابي بإنصاف الضباط المصريين من التمييز العنصري ضدهم لمصلحة الضباط الشراكسة والأتراك، وعُرفت حركته تلك عند العامة باسم «هوجة عرابي»، وتطور الأمر باستدعاء الخديوي توفيق الأسطول البريطاني لمساعدته. وبينما كان الأسطول البريطاني يقترب من شواطئ الإسكندرية، وصل بالمر هذا إلى ميناء يافا بترتيب مسبق، ثم اتجه إلى غزة ومنها إلى سيناء، وقابل شيوخ القبائل محملا بأكياس من الذهب الإنجليزي، كانت بريطانيا تريد مدخلا لمصر والاستيلاء على قناة السويس، فلم تجد أفضل من دعوة الخديوي توفيق لها، وعندما دمر أسطولها الإسكندرية اتجهت القوات البريطانية مباشرة إلى قناة السويس، التى لم تكن جزءا من شكوى الخديوى ضد الضباط المصريين، وتقدمت إلى مواجهة عرابي غربي القناة في أبي كبير.


كانت مهمة بالمر هذا هى الحصول على تعاون مشايخ سيناء وعدم انضمامهم إلى هوجة عرابي، وعلى الأخص، عدم تخريبهم لقناة السويس، وحاول بالمر استمالة شيوخ القبائل على الضفة الشرقية للقناة، ولكنهم أبوا، وظل بالمر مستمرا في محاولاته، وأمدّته سفينة حربية في السويس بأكياس من الذهب وبضابطين بريطانيين، ولكن أفرادا من القبائل اعترضوهم وقتلوا بالمر وزملاءه وأخذوا الذهب، وانتهت بذلك جهود بالمر بالفشل.
أما الجيش البريطاني غرب القناة، فقد هزم قوات عرابي في هجوم مباغت في ظلام الليل. وبقيت القوات البريطانية التي جاءت لمهمة مؤقتة، هي مؤازرة الخديوي توفيق، 74 عاما، من عام 1882 إلى 1956 عندما طردها  جمال عبد الناصر.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg