رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

راهب حق العودة د. سلمان أبو ستة: مصر حصن فلسطين الأخير

هكذا تحدث التاريخ عبر ٢٠٠ عام

حقيقة أعلنتها دائما الجغرافيا وأكدها التاريخ: فلسطين هي خط الدفاع الأول عن مصر، ومصر هي خط الدفاع الأخير عن فلسطين..

وآمن الشعبان بتلك المقول الذهبية مهما ارتفعت أصوات الخصام والخصومة ومهما حاول البعض هنا وهناك العزف على نغمة النشاز القُطْري ضيق الأفق، فإن الغالبية في مصر وفلسطين تتكلم لغة واحدة بلهجات مختلفة، لكنها تتوحد دائما عندما يشعر الشعبان بالخطر من أي اتجاه، ولا يستطيع أحد أن يزايد على موقف مصر من قضية العرب الأولى على مدى التاريخ.

هذه الدراسة لباحث فلسطيني عاشق لمصر، تربى وتلقى تعليمه حتى الجامعة في القاهرة، هو الدكتور سلمان أبو ستة المعروف في الأدبيات براهب حق العودة.

راهب حق العودة د. سلمان أبو ستة: مصر حصن فلسطين الأخير التاريخ يحكي ما خفي..

 

والدراسة التي يلخص فيها د. سلمان أبوستة قرنين من التاريخ المشترك والتعاون بين مصر وفلسطين على البِرّ بالوطن والدفاع عنه، تصبح قراءتها الآن وسط اختلاط الأمور ضرورة ملحة، ليعرف الجميع أن مصر كانت وستظل الحصن العروبي الأخير... واسألوا التتار والليبيين ولا تصدقوا هواة التاريخ على المقاهي، فلا ينبئك مثل خبير فلسطيني بما فعلت مصر ... علاقات مصر وفلسطين عميقة وقديمة.. وقد اكتسب الترابط بين مصر وفلسطين أهمية خاصة في القرنين الماضيين التاسع عشر والعشرين، عندما عاد الاستعمار الأوروبي إلى المنطقة بعد غياب أوروبا عن المشرق منذ الحروب الصليبية لسبعمائة عام خلت.

يقول د. أبو ستة: إن المؤرخين أشبعوا هذه الحقبة بالدراسات والأبحاث.. «لكن هذا التاريخ مليء بالعبر والدروس، ويمكن أن نستفيد منه في مستقبلنا القريب.

وإن كان هذا في معظم الأحوال درسا ضروريا، فهو اليوم أكثر أهمية عندما نرى نواقص التربية الوطنية العربية بين الشباب.

فعلى مدى عصور كانت مصر والشام جسما واحدا، وكان الهجوم على مصر يأتي من الشام، والهجوم على الشام يأتي من مصر. وإن جاء العدو من البحر فإنه يندفع نحو الشام تارة ونحو مصر تارة أخرى. وليس في هذا أي غرابة، فقد امتد هذا التاريخ إلى عصور ماقبل الإسلام. أما بعد بزوغ فجر الإسلام، قبل 1400 سنة، فاجتمعت كل هذه الأمة تحت دولة واحدة وهي التى كانت قلب العالم القديم، وشواطئها أهم بحور العالم في ذلك الوقت.

استمرت الدولة العثمانية في حكم هذه المنطقة لمدة 400 عام، انتهت في الحرب العالمية الأولى، وفي القرن الذي سبق هذه الحرب وفي القرن الذي لحقها، وقعت أحداث عظام غيّرت وجه المنطقة إلى واقع مؤلم، حتى يومنا هذا، وكان السفر بين مصر والشام شاقا ومجهدا، وخطرا في كثير من الأحيان، ولكن كانت هناك ثلاث فئات من الناس خاطرت بالسفر بين مصر والشام وأكدت ترابطهما وتواصلهما. الفئة الأولى: فئة العسكر، وقد استقر بعضهم في أماكن تنقلاته وغزواته.

والفئة الثانية: الأئمة والفقهاء والقضاة، والذين تنقلوا في بلاد الإسلام واستقروا في بعضها. والفئة الثالثة: أهل التجارة والمال، وكانوا يسافرون بتجارتهم إلى بلد ويبيعون بضائعهم ثم يستقرون فيه.

ومن هذه الفئة الأخيرة المحاسبون ومحصلو الضرائب وأصحاب المال، وهؤلاء كان لهم تواصل مستمر بين مصر والشام. نذكر منهم اسمين إبراهيم الصباغ وميخائيل الجمل، واللذان كان لهما دور في تاريخ مصر والشام. فكلاهما كان ممن يسمون «نصارى الشام»، الذين كانوا ينافسون الأقباط على الوظائف المالية عند الولاة والحكام.

 

أول اتفاق دفاع مشترك (١٧٦٦) كان إبراهيم الصباغ وزيرا للشيخ ظاهر العمر الزيداني في فلسطين وخازنا لأمواله وطبيبه، أما ميخائيل الجمل فكان رئيس الدواوين والجمارك لدى علي بك الكبير في مصر. أما ظاهر العمر فقد أقام أول دولة فلسطينية مستقلة عن السلطان في الآستانة، وبسط نفوذه على شمال فلسطين في الجليل بين طبرية وعكا وامتد حتى غزة في جنوب فلسطين، وأما علي بك الكبير في مصر فكان له طموح الاستقلال بمصر أيضا، وفيما يمكن أن يسمى بأول اتفاقية دفاع مشترك، توثقت العلاقة بين ظاهر العمر وعلي بك الكبير. وأرسل ظاهر العمر ابنه ليحارب إلى جانب علي بك في مصر، وآواه في غزة عندما لجأ إليها عام 1766.

 

وعندما اشتد الضغط على ظاهر العمر. أرسل على بيك الكبير قائد جيشه محمد أبو الذهب إلى فلسطين ليقف إلى جانب ظاهر العمر وانتهت القصة بأن أجهضت هاتان المحاولتان لإنشاء كيانين مستقلين في فلسطين ومصر عن السلطان العثماني. لكن المحاولات لاتحاد البلدين عادت بعد نصف قرن على يد محمد علي. عاد اهتمام أوروبا بالشرق ينشط بعد غيبة استمرت سبعمائة عام بعد الحروب الصليبية، وكان غرض عودة أوروبا إلى الشرق هو تقسيم تركة ما سمي في أوروبا «بالرجل المريض» لما بدا من ضعف الدولة العثمانية.

وصل «الكاونت فولني» Volney إلى مصر عام 1782 وطاف في أرجائها ثم سافر إلى الشام، وأصدر خريطتين باسم «بر مصر» و«بر الشام». وسجل في رحلته دقائق الحياة في هذين البلدين بمعلومات وافية عن الناس وأعمالهم وتجارتهم وصادراتهم وقوتهم وضعفهم وعلاقتهم ببعضهم.

كان هذا تقريرا إستراتيجيا وافيا يصلح مقدمة لغزو البلاد، فلا عجب أن فرض نابليون على ضباطه قراءة هذا الكتاب كمقرر قبل غزو مصر. كانت طموحات نابليون أن يصنع له إمبراطورية في الشرق، تسيطر عليه، وتقطع خطوط مواصلات بريطانيا إلى الهند، وفي عام 1798، احتل نابليون مصر، وفي معركة مشهورة قرب إمبابة، هزم المماليك الذين كانوا يدافعون عن مصر، كانت شجاعة المماليك يضرب بها المثل، لكنها لم تصمد أمام التخطيط الفرنسي الحديث، حيث يتقدم الجنود في مربعات في قلعة متحركة يتكسر عليها هجوم المماليك، وبينما كانت المعركة حامية الوطيس، هرع علماء الأزهر ومعهم عامة الناس بالنبابيت والعصي إلى بولاق على الشاطئ المقابل لنهر النيل يدعون لهم بالانتصار- كما قال الجبرتي- ويبتهلون إلى الله بالنصر، لكن الهزيمة كانت ماحقة فانفرط عقد المماليك.

كان الغزو الفرنسي لمصر طامة كبرى. فهو أول غزو أوروبى بعد الحروب الصليبية، اندفع المسلمون للجهاد ضد «الفرنسيس» كما كانوا يعرفون. ولعل قليلين من يعلمون أنه عندما تقدم الفرنسيون نحو الصعيد هبت قبائل الحجاز واليمن لنصرة مصر، وكما تبين لنا هذه المخطوطة اليمنية تطوع الناس لمواجهة من وصفوهم بـ«الكفرة اللئام من الهجوم على ساحات مصر. وكانت النساء يلقين بعقودهن وملبوسهن نصرة للمجاهدين»، عبر المجاهدون البحر إلى الصعيد، ولا تزال قبورهم في أسوان تشهد بأسماء قبائلهم العربية إلى يومنا هذا، وفي هذا المقام لا يمكننا أن ننسى سليمان الحلبى طالب الأزهر الشامي الذى قتل الجنرال كليبر في صيف عام 1800.

كانت القبائل العربية، بجانب المماليك، المصدر الثاني للقوة العسكرية في مصر، وكانت بينهم منافسة، إذ كان العرب يقولون للمماليك «نحن أصحاب البلاد وما أنتم إلا عبيد أرقاء اشتريتم بالذهب». وفي أحوال أخرى كان بينهم تحالف لحكم البلاد، لذلك اهتمت البعثة العلمية الفرنسية التي جاءت مع نابليون لدراسة أوضاع مصر والشام بتسجيل أسماء القبائل العربية بين القاهرة ودمشق وأماكن وجودها وعدد فرسانها لتقدير حجم العدو المحتمل. انطلق نابليون من مصر لغزو فلسطين، وعندما عبر صحراء سيناء ووصل إلى مشارف غزة في فبراير 1799، ورأى الخضرة قال «هذا يذكرني بأوروبا»، ولم يستطع نابليون كسر شوكة عكا وارتد عن أسوارها خائبا، لكنه في طريق العودة اقترف جريمة شنيعة إذ أعدم 5 آلاف أسير في يافا.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg