رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

د. ســامــح فــوزى يكتب لديوان الأهرام .....وليم سليمان قلادة.. المبشِّر بالمواطنة والحوار

حلت يوم ٢٤ مارس الماضى الذكرى الخامسة والتسعون لميلاد المفكر والقاضى الراحل الدكتور وليم سليمان قلادة (1924 - 1999) ، وفى شهر سبتمبر المقبل سوف تحل علينا الذكرى العشرون لرحيله. هذا الرجل الوطنى النزيه الذى لم ينل التقدير الواجب، رغم عمق عطائه الفكرى فى ميادين القانون والتاريخ والثقافة. وأسباب ذلك متعددة، منها صرامة مواقفه الفكرية التى جعلته محل احترام وتقدير، ولكن دون أن يحسب على فصيل سياسى أو نظام حكم، فضلا عن أنه كان مثقفا واعيا ملتزما، لا يجيد العلاقات العامة، وكثافة الظهور الإعلامى، الذى جعل من هم أقل منه ثقافة وعمقا، وبعضهم من الناقلين لأفكاره، يتقدمون فى الحياة العامة، ويحصلون على مواقع سياسية، خاصة إبان فترة حكم الرئيس مبارك، وإن لم يمنع ذلك استشارته فى بعض القضايا من آن لآخر. غلبت عليه طبيعة القاضى، فقد كان حريصا، يزن الكلمة التى يكتبها بميزان من ذهب، القلم الرصاص مفضل عنده، لأن يتيح له حرية التنقيح والتعديل. عرفه جيلى، وعرف رفيقا له هو المستشار طارق البشرى. كلاهما عملا فى محراب مجلس الدولة، واهتما بالقضايا الوطنية العامة، ولاسيما المواطنة، والعلاقات الإسلامية المسيحية، وأنتجا مؤلفات مرجعية مهمة، وإن اختلفت زاوية النظر لدى كل منهما تجاه العديد من القضايا، خاصة الإسلام السياسى.

 شغلت الدكتور وليم سليمان قلادة قضية المواطنة منذ فترة مبكرة، بحيث يمكن القول دون مبالغة إنه الأب الروحى لها. فقد أبدع فى الحديث عن المواطنة بوصفها تعبيرا عن المساواة القانونية بين المواطنين، وكيف شكلت اختراقا لحاجز السلطة -وفق تعبيره- عندما سار المصريون جنبا إلى جنب (مسلمين ومسيحيين) لنيل الاستقلال من المستعمر، فى نموذج ثورة 1919، لم يسبق أحدهما الآخر، ولم يتمتع أحدهما بوضع مميز تجاه الآخر. المواطنة إذن هى مساواة ومشاركة، هى النقيض لمبدأ الذمية الذى تبناه التيار الإسلامى باختلاف فصائله. ويعنى فى جوهره سيادة طرف على آخر،  وولاية وقوامة  مواطنين على غيرهم نظرا لانتمائهم لمعتقد دينى معين. من هنا رفض الحديث عن منطق الأغلبية والأقلية فى النظر إلى المراكز القانونية للمواطنين، وكشف أن هذا المنطق يحكم السياسة المتغيرة ولا ينظم علاقات المواطنة الثابتة. وفى آخر كتاباته انتقد الحديث عن الذمية المعدلة، وهى الحديث الظاهرى عن المواطنة، والمساواة بين المواطنين اسما ولفظا، دون أن يكون لذلك مردود فى الفكر أو الواقع، بل إنتاج التمييز مستبطنا فى رداء المواطنة. بالطبع لكل مرحلة أفكارها، فقد كانت نظرة الدكتور وليم سليمان قلادة إلى المواطنة قانونية فى الغالب، مست المشاركة فى بعض أبعادها، لكن لم يطور فى كتاباته مفهوما مركبا للمواطنة يأخذ فى الاعتبار الأبعاد القانونية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، التى شاعت بكثافة فى الأدبيات الغربية بعد رحيله.

 لم يكره المفكر الراحل مصطلح الذمية سواء بشكله التقليدى أو المعدل فقط، بل كره مصطلح الأقلية، وقد كان رأس الحربة فى مواجهة عقد مؤتمر الأقليات الذى دعا إليه مركز ابن خلدون فى مايو عام 1994 فى مصر، ونتيجة رفض المثقفين له نقل إلى قبرص. فقد اتصل شخصيا بمعظم المثقفين المصريين، ومنهم الاستاذ محمد حسنين هيكل الذى كتب خصيصا مقالا فى الأهرام بعد طول ابتعاد عنوانه أقباط مصر ليسوا أقلية. واللافت أن الداعى للمؤتمر وقتئذ الدكتور سعد الدين إبراهيم قال لبعض المقربين إنه شعر بغصة من المواقف المتقلبة لبعض المثقفين، إلا أنه يحترم الدكتور وليم سليمان قلادة لأنه فعل ما يتفق مع قناعاته التى لم يغيرها يوما فى رفض الحديث عن الأقباط بوصفهم أقلية، وقد صرح بذلك له شخصيا.

لم يتنبه كثيرون إلى بعد نظر المفكر الراحل فى رفض مفهوم الأقلية بالمعنى الاجتماعى والسياسى، لأن التيار الإسلامى وقتئذ كان يروج مصطلح الأقلية بالنسبة للأقباط تمهيدا لطرح هيمنة الأغلبية العددية المسلمة، وهى حالة إلغاء لكل الاختلافات السياسية والثقافية والاجتماعية بين المواطنين، واعتبار الاختلاف الدينى هو أساس البناء السياسى.

لم يكن الدكتور وليم سليمان قلادة محبا للخلطة الاجتماعية، كان لطيفا، متواضعا، محبا، ورغم ذلك اتسم بطابع محافظ نتاج عمله قاضيا. يقبع خاصة فى العقد الأخير من عمره فى غرفته بالشقة التى عاش فيها فى حى مصر الجديدة. أسرة مصرية، متواضعة، متدينة، بسيطة، تربى أولادها على الدأب فى الحياة، والجدية فى العمل.

كتاباته سوف تظل مرجعا مهما، لا تتقادم بمرور السنين،  الحوار بين الأديان، الإسلام والمسيحية فى مصر، مدرسة حب الوطن. هذا الأخير تحديدا كتبه للشباب القبطى فى ذروة المد الطائفى فى التسعينيات من القرن العشرين، ذكرهم فيه بحقائق أساسية منها أن الكنيسة القبطية نشأت شعبيا مستقلة، لم ترتبط بحاكم، عبرت عن استقلال مصر فى وقت كان يحكم البلاد فيه غزاة، وأنعش أيضا ذاكرتهم بمواقف من التاريخ تؤكد وطنية الأقباط، واندماج الكنيسة فى الوطن فى مسيرتها ولاهوتها وطقوسها.

رحل مفكر علامة فى التاريخ، والقانون، والشأن الكنسى، يندر أن تجد نظيرا له، أسهم فى مشروع وطنى ممتد لتأسيس الوطنية المصرية مع مثقفين آخرين هم الدكتور بطرس بطرس غالي، الدكتور  مصطفى الفقى، المستشار طارق البشرى فى كتاب بديع عن الوحدة الوطنية صدر فى مطلع الثمانينيات، يستحق أن يعاد نشره، خاصة فى هذا التوقيت، جنبا إلى جنب مع كتابه القيِّم الحوار بين الأديان. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg