رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

وثائق نادرة فى الأدب والسياسة والدين... إلى ولدى محمد .. كل حياتى الخاصة والعامة تجرى من وحى إيمانى بالإسلام

ينفرد ديوان الأهرام فى عدد يناير ٢٠١٩ ب 4 وثائق نادرة أفرج عنها الابن أحمد إحسان عبدالقدوس، تقديرًا منه للمجلة ودورها التنويرى، حيث تتناول إحدى الوثائق رسالة طويلة وجهها الأديب الكبير إلى عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين تناول فيها أزمة «أنف وثلاث عيون»، وهى تقرير واقع لحال أديب كبير يتعرض لحملة قتل وتعذيب وظلم معنوى من بعض كتاب الصحف المشوهين المرضى الموجودين فى كل العصور والأزمنة، ومن تخاذل الكبار أحيانًا فى قول كلمة الحق. بينما الرسالة الثانية موجهة للوزير على صبرى يصحح فيها بعض معلوماته بخصوص حملة «الأسلحة الفاسدة». أما الرسالة الأخيرة فيوجهها لابنه محمد ويضع فيها خلاصة أفكاره وفلسفته الخاصة بالدين والتدين والعلاقة بين الإنسان وربه، فى روح صوفية رائقة ربما لم نقف عليها كثيرًا فيما عهدناه من كتابات الأديب الكبير.


لقد نشأت فى بيت جدى لأبى الشيخ أحمد رضوان وقد كان من خريجى الأزهر الشريف ومن رجال القضاء الشرعى.. وكان جدى حريصا على تنشئة أفراد العائلة كلها على الإيمان الكامل العميق بالإسلام وأداء كل الفروض والاستجابة لكل التعاليم.. ومن قبل أن أصل إلى السابعة من عمرى وأنا أحاول استمالة قدرتى على أداء كل الفروض.. كالصلاة والصوم وحفظ آيات القرآن.. وربما كان جدى يُعتبر مثاليا فى تزمته على أداء الفروض.. حتى إنه كان يحرّم علينا أن نؤدى الصلاة ونحن نرتدى ثوبا يكشف عن ساقنا فوق الركبة، وقد كنت أذهب إلى المدرسة الأولية ثم المدرسة الابتدائية وأنا أرتدى بنطلونا قصيرا يكشف عن ركبتى، فكيف أؤدى صلاة الظُهر وأنا فى المدرسة؟.. لذلك كانوا يضعون فى حقيبتى التى أذهب بها إلى المدرسة جوربًا طويلا يرتفع على ساقى حتى يغطى ركبتى حتى ألجأ إليه كلما حل موعد صلاة الظهر حتى أؤديها داخل جامع المدرسة.

وكنت لم أصل إلى عُمر السابعة عندما حفظت «جزء عم» من القرآن الكريم، ثم بدأت أحفظ من القرآن على مدى العمر. وإن كنت لم أحفظه كله إلا أنى قرأته عشرات المرات واستوعبت كثيرا من الآيات.. لازلت إلى اليوم أرددها دائما وفى كل يوم تبركًا وتقربًا إلى الله سبحانه وتعالى «وتزودوا» باستكمال راحتى النفسية وشخصيتى المسلمة.

ولكن بعد أن نما وعيى وتجاوزت سن الخامسة عشرة بدأت تدهمنى حيرة دينية ربما كان سببها أنى بدأت ألاحظ اختلاف مظاهر الإيمان بين الأفراد المسلمين، فكثير من مظاهر المجتمعات الإسلامية مختلفة فى أداء ما يفرضه الإسلام.. وبدأ فكرى يسيطر علىّ حتى أقنعنى بأنه لا يجب أن أكتفى بأن أكون مسلما بالوراثة.. أى مسلم لأن أبى وجدى وجد جدى مسلمون.. بل يجب أن أكون مسلما عن اقتناع بالإسلام.. أى أن أختار الإسلام إيمانا ولست مجرد مستسلم له.. ولذلك بدأت أفيض فى دراسة الإسلام.. دون أن أتخصص كرجل دين إنما لمجرد إقناع نفسى بما أؤمن به.. ووصلت بى الدراسة إلى حد أنى بدأت أحاول اكتشاف أسرار تعاليم الديانة اليهودية، ثم الديانة المسيحية.. وكنت أتعمد لقاء رجال الدين اليهودى والمسيحى لأفهم منهم وأجادلهم، وانتهى بى هذا البحث الذى استغرق شهورا طويلة إلى أنى أخذت الإسلام دينا عن إيمان قائم على اقتناع.. ولكن هذا الجهد العنيف الذى بذلته خلال هذه الشهور أدى بى إلى حالة معاناة الإنهاك إلى حد أن أصبحت مريضًا  رقدت فى فراشى بمرض عجز عن إشفائى منه الأطباء.

وفى فترة مرضى جاءنى أبى المرحوم محمد عبدالقدوس رضوان بالمصحف الذى كان خاصا بجدى وكانت العائلة تحتفظ به بعد أن كان تبركًا وتكريمًا لذكراه.. وقال لى.. اقرأ يا ابنى. فالله هو القادر على شفائك..

وقد قرأت القرآن كله وأنا راقد فى الفراش.. ولكنى أحسست بأنى قرأته تبركا وتوسلا إلى الله بأن يشفينى ولم يكن هذا هو كل ما أريده.. فبدأت أقرأ القرآن مرة ثانية وأنا أحاول أن أفسر كل آية وكل كلمة من كلمات الله.. وأستعين على الفّهم بكتب التفسير التى تزدحم بها المكتبة التى تركها جدى. ولكنى مع هذا انتهيت من قراءة القرآن كله ولا أزال قاصرًا عن فهم وتفسير بعض الآيات، فبدأت أقرأه مرة ثالثة.. وأضع بنفسى تفسيرًا لكل ما كنت عاجزا عن استيعابه.. واسترحت. واستكملت إيمانى على أساس اقتناعى وفهمى. وشفيت فعلا من مرضى.. ومما أدهشنى أن كثيرًا من الآيات التى كنت أعتقد أنى وصلت إلى تفسيرها بنفسى ووفقا لعقليتى كانت قد سبق أن فسرت وسجل تفسيرها نفس التفسير الذى وصلت إليه.. وهوما أقنعنى بأن صدق وعمق الإيمان يمكن أن يصل بالمؤمن إلى التفسير الصحيح.. وإن كنت أتمنى وأدعو حتى اليوم فى أن يبذل رجال الدين الإسلامى مجهودا أكبر فى إعلان التفسيرات المبسطة التى يمكن أن تصل إلى عقول البسطاء.. حتى تتم وحدة كل مظاهر الإيمان بين المسلمين.

للمزيد عدد يناير ٢٠١٩ من مجلة ديوان الاهرام 

 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg