رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

لطفى الخولى فى حوار من ربع قرن والإجابات مازالت حاضرة:أغفلنا الديمقراطية والحرية فأفسدنا التجربة الاشتراكية

زينب عبدالرزَاق

 

لطفى الخولى فى حوار من ربع قرن والإجابات مازالت حاضرة:أغفلنا الديمقراطية والحرية فأفسدنا التجربة الاشتراكية

 

                              

 

 

"عندما يتحدث لطفى الخولى لابد أن يتوقع المرء انطلاق قذائف من الذاكرة التى وعت الكثير وحملته طوال خمسين عاما من الفكر والإبداع والنضال السياسى, مفكر وكاتب كبير مثله شاهد على وقائع وأحداث ومستشرف لمستقبل آت ، فى حديثه حقائق وأسرار ورؤى وكشف وتحليل ، هو كما وصف نفسه " شاب كبير السن .

في كل جلسة من جلساتنا – لطفى الخولى وأنا – كان على أن أحاول جاهدة المشى على الماء والدخول عميقا باتجاه المحاذير كى يكون حوارنا " ذكريات صادمة " لم يدونها لطفي الخولى في أوراقه وكان علي أن أفك رموز عالمه . وكان مفتاح الدخول إلى  مدينته هو الصدق سواء كان الحديث عن  الحياة أو الفن أو الصحافة أو السياسة .

 

 

  نفتح الشباك ولا نقفل الشباك" عبارة ذكرتها في سياق حوار شخصية الطنساوى فى مسرحية القضية ،عبارة لها دلالات عديدة ، ماذا تقصد بها؟

في الحقيقة هذه العبارة كانت تعبيرا عن حيرة رجل الشارع العادى أمام القانون والمحاكم وهى تمثل موقف حيرة الموطن العادى أمام سلطة القانون.

الإنسان العادى في مصر يشعر بالتغرب عن القانون والدولة سواء سلطة الدولة أو سلطة الحكومة أو سلطة القضاء أو أية سلطة ، كما لو كان يعيش خارج هذه النظم .. والنظم تعتبره خارجها وفي نفس الوقت السلطة الجاهلة بمواطنيها واحتياجاتهم الحقيقية ومصالحهم وبالتالي كانت شخصية الطنساوي في المسرحية رجل خالف القانون دون أن يدري ودون أن يعلم أن القانون ضد هذا .. لقد كان سيقضي نحبه فى الغرفة الصغيرة التى كان يسكن فيها لأنها بدون شباك ففتح شباكا فى هذه الحجرة فجاءت له الشرطة وأخبرته أن الشباك مخالف للقانون .. فاضطر إلى أن يسد الشباك وتصور أنه بذلك قد نفذ القانون ولكن جاءت له الشرطة مرة أخرى وأخبرته أنه مخالف للقانون مرة أخرى لان السد به بروز ، وهذا ضد القانون وبطريقة صماء حكموا عليه فى القضية الأولى لأنه فتح الشباك والقضية الثانية لأنه سد الشباك. 

 فى إحدى مقالاتك كتبت أن مصر أصبحت أشبه ببناء آيل للسقوط .. لماذا ؟وما  الأشياء التي علي وشك الانهيار؟ 

هناك أشياء كثيرة آيلة للسقوط فى مصر أوقد سقطت بالفعل ، منها الثقافة العامة مثلا وكذلك الإحساس العام بالحد الأدنى بالمسئولية ابتداء ممن هم فى أعلى المستويات إلى أقل المستويات فى ممارسة مهامهم وأعمالهم يعنى  فيه " لكلكة " فى المجتمع والدولة على كل المستويات.

وانا مهموم بظاهرة غريبة .. غربية في واقعها وليس وصفها وهي أن جيلنا قد استلم هذا البلد من آبائه وأجداده أكثر جمالا وأكثر حيوية .. جيلنا كانت عنده قدرات على الحلم بمستقبل أفضل سواء على المستوى الشخصى أو العام ، رغم أنه في ذلك الوقت كان هناك الاستعمار وثقله واستغلاله وقبضته.. ولم تكن السلطة الوطنية المصرية قد أصبحت هي التي تحكم .

كان البلد أشبه ببناء إقطاعى شبه رأسمالى فتحول إلى بلد زراعى وصناعى ، وحدثت ثورة اجتماعية شاملة للحد من الأمية التى كانت أكثر من 80 % والآن أصبحت حوالي 50 % ، وقد بنيت مشروعات عملاقة مثل السد العالى وأقيمت العديد من الصناعات المختلفة بما فيها الصناعات الالكترونية .. ومع ذلك فالبلد أقل جمالا وأقل حلما وأقل قدرة .

هل هذا بسبب الزحام ؟ نحن بلد ليس غنيا بالموارد الطبيعية وكان استثمار الرأسمال الحقيقي ولايزال في مصر هو الإنسان فإذا كان الإنسان وقدراته الفكرية والمهنية والمهارات والإحساس بالمسئولية والقدرة علي الخلق والإبداع يتضاءل .. فمعنى ذلك أن رأسمال مصر الحقيقى يتبدد!!

أيضا من أهم العناصر الآيلة للسقوط فى مصر هو الثقافة : وهذا عنصر أساسى بينما الناس تمر عليه مرور الكرام.

 وهذا مدمر للإنسان فى رؤيته للأمور، فى أن يميز ما بين الأساسى وغير الأساسى ، فى أن يتعرف الصدق والكذب فى السياسة والمجتمع والمؤسسات والإعلام وبالتالى يصبح إنسانا مجوفا وبالتالى أى شىء يملؤه ويفرغه بصرف النظر عن الإيجابيات والسلبيات .

فبعد أن امتلأ ب " الناصرية" مثلا وأصبح مسيرا فى هذا الاتجاه جاء السادات وأفرغه من الناصرية وملأه "بالساداتية".

نفس الأمر ينصرف على الاشتراكية الفجة .. فأنا أعتبر نفسى أيضا مسئولا باعتبارى أحد الذين ينتمون للمدرسة الاشتراكية  بأننا ملأنا الإنسان بنوعيه من الاشتراكية الفجة والآمال الخيالية التي لا تتحقق ،نتيجة عدم رؤية حقيقية لخريطة المجتمع والتعرف إلى نقاط الضعف والقوة ، ثم تم إفراغ المصرى من الاشتراكية وملئ بفكر الانفتاح والسوق كما هو الحال حاليا ،ومن هنا فإن قضية الثقافة قضية اساسية .

  ما زلت تتحدث بلسان الاشتراكى ، لكنهم يقولون : إنك اشتراكى على صينية فضة وسيجار كوبي وأزياء فرنسية .. ما مدى صحة هذا الكلام؟

 على العكس ، أنا أسرتى فقيرة ، صحيح بقدر ما من اليسر، لكنه اليسر الفقير .. نحن ننتمى كأسرة إلى الطبقة الوسطى الفقيرة ، وبالتالى لا أدرى من أين جاءت تسمية اشتراكى على صينية فضية !! أنا لم أعرف الصينية الفضية إلا عند زواجى عندما أهدونى صينية فضة ! لكن باستمرار كانت هناك الصينية النحاس ! وبالتالى فمحيطى فى حياتى هو محيط الفقراء باستمرار وبالعكس كانت عائلتى تريد منى أن ألتحق بكلية الطب لكى ترتفع - بمستوى دخل الطبيب فى ذلك الوقت - إلى  طبقة اجتماعية أرقى. 

  فى بداية حياتك كان اتجاهك وأفكارك ومعتقداتك اشتراكية حتى النخاع ، ومع مرور الوقت تغيرت هذه الأفكار مع المدرسة المضادة .. ما سر هذا التغيير الخطير ؟ وهل من حق الكاتب أن يغير آراءه ومعتقداته أمام قرائه بعد هذا الزمن الطويل ؟

 الكاتب يغير من آرائه إذا حدثت متغيرات لا يستطيع تجاهلها، فأنا قيمى لم تتغير بما فيها : عدم استغلال الإنسان للإنسان، وأن يكون هناك حق الحياة لكل من يولد علي هذه الأرض، وأن يكون له عمل، وله حق التمتع بالحياة ، حتى حق الخطأ، لأن الذي يعلم الإنسان ويبلور فكره هو حق الخطأ ،وحق الخطأ هذا أساس في التغيير، قيمى أعتقد أنها لم تتغير ولكن الذي تغير هو أفكار حول الرؤية الاشتراكية والتطبيق الذى تم باسم الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتي والبلاد الاشتراكية، فقد كنت أرى أن الاشتراكية قد طبقت تطبيقا سليما فى الاتحاد السوفيتى وكنت أعتمد أنا ومن يعتنقونها على ما يصدره الاتحاد السوفيتى من بيانات وما نراه عندما نزور موسكو من مظاهر الحياة فى المجتمع و الدولة من التقدم.

 ما الأخطاء التى أغفلتها أنت ومن معك من عشاق هذه التجربة؟

طبعا .. قضية الديمقراطية والحرية . عندما تذهب إلى الاتحاد السوفيتي وتسأل عما حدث ابتداء من عضو المكتب السياسى الذى يعتبر أعلي درجة فى السلطة السياسية، حتى المفكرين والأدباء والفنانين، إلى العامل العادى ،الجميع يقولون لك لقد قرر الحزب فى مؤتمره كذا وكذا، وقال لينين كذا ،ولم تكن قد تراكمت لدينا المعرفة فى هذا الإطار، وكان رأينا أن الديمقراطية وحرية الرأي سوف تأتيان فى مرحلة قادمة، لكنه ثبت أنه إذا لم تقترن عملية التنمية الاجتماعية ذات الطابع الاشتراكى بقضية الديمقراطية منذ البداية فانها لا تأتي ابدا .

ثبت من التجربة أنها تخلق مجموعة من الدكتاتوريين والمستبدين فالحزب والمؤتمر العام الذي من المفروض ان يقرركل شىء وينتخب قيادته الديمقراطية يلغي نفسه لحساب لجنة المكتب السياسى ثم المكتب السياسى يلغى نفسه لحساب الزعيم، وتكتشف أيضا خصوصا بعد وفاة ستالين، وماقام به خروشوف من فضح دور ستالين،أن الماركسية تحولت إلي مايشبه الدين الجامد .

 إذن فقد لاحظت فى وقت ما أو بشكل ما أن هناك ممارسة خطأ في التجربة الاشتراكية السوفيتية؟

انا وآخرون كنا نشعر فى أثناء زيارتنا بهذا الأمر يوما بعد يوم خصوصا بعد إصدار مجلة " الطليعة " سنة 1965 ،وأسرة الطليعة فى غالبيتها اشتراكيون مثل د. إسماعيل صبرى وإبراهيم سعد الدين وإبراهيم يوسف وميشيل كامل وحلمي ياسين وحسين شعلان وخيرى عزيز. أخشى ألا أذكر كل الأسماء – وأنا شاب كبير السن!، بدأنا من خلال الزيارات إلى الاتحاد السوفيتي والبلاد الاشتراكية تثار داخلنا عديد من الأسئلة حول التطبيق الاشتراكي وأيضا حول الأفكار الاشتراكية وبدأ بقدر ما يتزايد في الطليعة نقد هذه التجارب وتواكب ذلك مع نقد التجربة المصرية في مصر، وهذا الذى أوغر صدر الاتحاد الاشتراكي ضدنا وأدخلونى السجن عدة مرات وحاولوا أن يوقفوا إصدار المجلة عدة مرات .

وأوغروا أيضا صدر جمال عبد الناصر لكن ذلك هو الثمن الذى لابد من دفعه، والحقيقة مساندة محمد حسنين هيكل كانت حاسمة فى هذا الأمر.

 أراك متأثرا جدا بالأستاذ هيكل ؟

 

                            

 

هيكل بالنسبة لى هو الصديق ،والأستاذ صديق بمعنى أنه يلزم نفسه بواجبات الصداقة نحو أصدقائه وهيكل صداقاته قليلة لكن إخلاصه ووفاءه لأصدقائه يضرب بهما المثل.

و في سبيل ذلك خاض مشاكل عديدة بسبب ما تعرضت له من حبس واعتقال حيث كان يصدر نفسه باستمرار وخصوصا أثناء حكم عبد الناصر ،وفي إحدى المرات كاد يقبض على هيكل عندما جاء يزورنى فى معتقل قصر العينى ،و ذلك عندما كان يجب أن أجرى جراحة و ضغط هيكل كثيرا لكي أنقل من سجن بنى سويف إلى عنبر المعتقلين بمستشفى قصر العينى .

بحذر أسال لطفي الخولي عن رغبتى فى الإبحار فى نقطة شديدة الحساسية فهل أستطيع؟

وعندما رحب، سألته باعتباره من الأصدقاء الملتصقين لمحمد حسنين هيكل عن دوره فى القضيه التى سجن بسببها مصطفى أمين، وموقفه منها ؟ 

 في البداية أحب أن أسجل أن مصطفى أمين بصمة كبيرة فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية ،ورغم الاختلاف معه فكريا لكن لا نملك إلا احترام تاريخه فى المهنة وفى ترقيتها، وأيضا احترام مواقفه ونضاله من اجل الديمقراطية بعد خروجه من السجن ،بحيث إنه أصبح ظاهرة ناقدة بناءة فى مصر،وبالنسبه لقضية مصطفى أمين فقد صاحبتها حملة ضده لا يستطيع الإنسان أن يقبلها بسهولة ،وخصوصا من جرب السجن وجرب الاتهامات مثلى، وبالتالى أنا أشك كثيرا فيما نسب إلى مصطفى أمين، لدرجة أننى اقترحت عندما اجتمعنا فى بيت الراحل جلال الدين الحمامصي مع على امين بعد عودته من إنجلترا فى عهد السادات أن نصدر بيانا من كل الكتاب والمفكرين والصحفيين نطالب فيه السادات بالافراج عن مصطفى أمين.

وكأن اقتراحى مفاجأة فكيف لكاتب يساري مثلي أن يطلب ذلك ومصطفى أمين هو القطب المعادى لليسار، لقد كنت مؤمنا بأن هذه القضية هى قضية تمس حرية الصحافة والمهنة ، لكن الحمامصى رأى أن وجود اليساريين فى بيان مثل هذا قد يوغر صدر السادات ، لقد أدان الإعلام مصطفى أمين قبل أن يحاكم وهذه قضية خطيرة ، وأحيانا كانت الأجهزة فى عهد عبد الناصر تستدعى عددا من الصحفيين والكتاب لتجعلهم يسمعون أو تقدم لهم أوراق التحقيق وتعرض عليهم الخطابات التى كتبها مصطفى أمين في هذا الإطار أوتسمعهم تسجيل بعض التحقيقات التى كانت مختارة وملفقة بعناية ودقة ،والذى لا يعرفه مصطفى أمين أننى رفضت الذهاب لقراءة وسماع مثل هذه التلفيقات ،وقلت لهم لابد أن اسمع كلام مصطفى أمين شخصيا ، وأنا لا أدرى من الذى أدخل فى روع مصطفى أمين أن هيكل له دور فى هذه القضيه ،انا شخصيا اشك في هذا ،لأنه فى النهاية كان هناك مدرسة التابعى الصحفية التى كانت تضم بالدرجه الأولى مصطفى وعلى امين والدرجه الثانية هيكل ،ثم انقسمت المدرسة بعد ذلك ،وأصبح هناك تميزا خاصا لمحمد حسنين هيكل وهذا يحدث في كل بلد ، قد يكون هذا التميز لهيكل قد اثار نوعا من الغيرة المهنية وهذه محمودة ..هذا احتمال ،كان هناك صحفيون بدأوا مع هيكل ولم يستطيعوا أن يصلوا الى النقطة التى وصل إليها هيكل ،وكان بعضهم أقرب إلى عبد الناصر فى البداية عن هيكل ،لكن العلاقه بين هيكل وعبد الناصر قضيه تلعب فيها الكيمياء الإنسانية والظروف دورها وهذا يحدث فى كل العالم. 

 ماذا تقصد بالكيمياء الانسانيه؟

أقصد القبول والارتياح والإحساس وعدم وجود حساسية ،أيضا عبد الناصر كان يعلم أن الصحافه فى العالم والمؤسسات الصحفية و كبار الصحفيين فى العالم قد أصبحوا مصدر معلومات لصاحب القرار من انجلترا وأمريكا وروسيا ،لقد مارس عبد الناصر هذا وكان يطلب من كبار الصحفيين، مثل مصطفى أمين و محمد حسنين هيكل، أن يتحدثوا مع المراسلين الأجانب والسفراء وكبار السياسيين الأمريكان والغرب، وكان عبد الناصر يستفيد من ذلك، ولأن مصطفى أمين بفكره وممارسته الفكرية والسياسية والتكوينية ضد الاشتراكية فى الأساس، فقد كان هناك فاصل ما بين عبد الناصر وتوجهاته وبين مصطفى أمين وتوجهاته وهنا الناس لا تفرق وتعتبر المعارضة فى مثل هذا الاتصال جاسوسية ،وهذا شيء مختلف!

وأنا أعتقد أيضا، وهنا قد تكون نقطة خفية ،أنه بعد وفاة عبد الناصر ظهرت بعض الشواهد تؤكد أن المعلومات أو التحليلات التى كانت تأتى سواء من هيكل أو مصطفى أمين عن اتصالاتهما بالقوى السياسية المختلفة وبالذات فى أمريكا كانت تبدو أكثر جدية وأكثر قيمة بمعيار عبد الناصر ،عما يأتيه من الجهاز الرسمى – المخابرات - الذى كان يقوده فى ذلك الوقت صلاح نصر. وفى تقديرى أن الخوف من أن مثل هذه المعلومات قد تجعل عبد الناصر لا يعتمد الاعتماد الأساسى على تقارير المخابرات ويعتمد على تقارير الصحفيين قد يكون أحد الاحتمالات التى أوغرت صدر المخابرات لتفسر عددا من تصرفات مصطفى أمين على أساس أنها تدخل فى إطار التجسس.

 لماذا لم تتخذ نفس هذه الإجراءات ضد محمد حسنين هيكل في هذا الوقت؟

لأن محمد حسنين هيكل أولا كان دائم الاتصال بعبد الناصر بشكل أعمق، وكان ضرب هيكل أصعب كثيرا من ضرب مصطفى أمين ،خصوصا أن الحركة الاجتماعية لمصطفى أمين فى ذلك الوقت كانت أوسع من الحركة الاجتماعيه لهيكل ،لأن هيكل عندما اقترب كثيرا من عبد الناصر بدأ يقلل من علاقاته الاجتماعية،النقطة الثانية أن هيكل لم ينج أيضا، فمخابرات صلاح نصر حاولت ترهيب هيكل عندما أطلقت رصاصة فوق سطح سيارته عند وقوفها أمام الأهرام ،ولم يكن فيها ،لكنها كانت رسالة له تقول (احذر وتأدب) هذا الحدث معاصر لقضية مصطفى أمين، ثالثا - بالطريق غير المباشر- كانت هناك الحملات من الاعتقالات لنا فى الأهرام ،وفى هذا الاطار صنع هيكل صياغة مهمة أظن أنها حمته مما لم يستطع مصطفى أمين أن يحمى به نفسه ،وهو أنه ميز بين علاقته مع عبد الناصر كشخص وكرئيس دولة ،و بين جهاز الحكم فى زمن ناصر، وبقدر ما كان هيكل يدعم عبد الناصر ،بقدر ما كان ينقده ،وكانت له حرية النقد لنظام عبد الناصر وكوادره مثل مقالاته ضد المخابرات وضد الاتحاد الاشتراكى وضد على صبرى وبالتالى هذه المقالات حفظت هيكل ،وكان عبد الناصر يرتاح لمثل هذه الصياغة لأنه أيضا كان يريد عينا أخرى تنظر إلى نظامه، وتلقى الضوء على ما فيه من سلبيات ، مصطفى أمين لم يفعل ذلك.

 

رفتٌ من رئاسة الطليعة بأمر السادات

                                          

 

 نترك مرحلة ناصر بكل ما فيها .. ونسأل: متى بدأ الصدام مع السادات ؟

عندما بدأت مجله الطليعة تكتب سلسلة هموم المواطن المصرى و كنا نختار مواطنا يمثل  الطبقات المطحونة فى المجتمع، وكان قد بدأ الانفتاح وعمليات الفساد و الثراء غير المشروع ،فكنا نأتى بالمواطنين من الطبقة الوسطى ومن قاع المجتمع سواء بمستوى ثقافى أو مستوى عادى ونبدأ حواراً معهم قد يصل إلى ثلاثين صفحة، ونقدم صورة للمجتمع المصرى فى هذه الشرائح كيف تفكر وماهي همومها وكيف يرون الواقع ؟

قال السادات عن هذه الحوارات : "هناك آراء أنا موافق عليها، وآراء أخرى لا أوافق عليها، أنت يا لطفى كتبت أن السادات برجوازى من القرية وأننى مختلف عن عبد الناصر الذى هو برجوازى من المدينة" ، فسألت السادات: وماذا في هذا؟ قال: "أنت تشتمنا إحنا الاثنين ،الأفندية بتوعى بتوع الصحافة لا يعرفون تعبيراتك هذه ومع ذلك نحن الذين قمنا بالثورة، وليس أنتم يا ثوريين يا أصحاب الكلام الكبير"!! ،وطلب منى أن أتوقف عن هذه السلسلة فقلت له هذا صعب جدا الآن ،لأنني التزمت بها أمام القارئ ،وأعلنت عنها وسيادتكم صحفي سابق ،ورجل تؤكد دوما أن الرجل هو كلمته ،فقال السادات إذن اكتب عن الذين تسمونهم الانفتاحيين وكيف يبنون البلد فوعدته أن أبدأ عندما انتهى من هذه السلسلة 

 وهل حققت هذا الوعد ؟

لقد جاءت أحداث 18 و19 يناير وتم وقف الطليعة لأننا أخذنا موقفا اعتبره السادات ضده.

 تكررت الخلافات والمقاطعات مع الرئيس السادات ما أسباب هذه المقاطعات وكيف انتهت ؟

حدثت بيننا قطيعتان ،الاولى : عند قيام مظاهرات الطلبة لأننى وقعت البيان الذى كتبه المثقفون بزعامة توفيق الحكيم وقدمونى لما يسمى بمحكمة النظام فى الاتحاد الاشتراكى ورفتونى و كنت مسئولا عن العلاقات الخارجيه للاتحاد الاشتراكي، ورفتوني من الأهرام أيضا، وحولونى للعمل في التأمينات الاجتماعية، ولكنني لم أ ذهب ابدا، وبعد حرب 1973 ،عاد كل الصحفيين المرفوتين وعدنا إلى الأهرام ،وبدأت أتقابل مرة أخرى فى لقاءات متعددة مع السادات حتى أحداث 18 و19 يناير، وهنا رغم كل شيء يجب أن أسجل أن السادات كان يسمع كل الآراء وبصدر رحب، فعقب أحداث يناير كتبت فى افتتاحية الأهرام - وأظن أن رئيس تحرير الأهرام في ذلك الوقت كان الراحل يوسف السباعى - أن النظام هو سبب هذه المظاهرات و أن المظاهرات حركة شعبية وأنه يجب أن تفهم الرسالة التى تقولها المظاهرات فهما حقيقيا.

لكن السادات استاء من هذه المقالة جدا واعتبر أن هذا قطع للعلاقة بيننا .

 وإلي أى مدى تفاقم الموقف بينكما ؟

طلب السادات من السباعي إقالتى من رئاسة تحرير الطليعة وطلب السباعى مني ان استقيل ،فرفضت وقلت له إذا كنتم تريدون رفتى ارفتونى ،وفعلا رفتوني من رئاسة التحرير وكان الزملاء فى زسرة الطليعة يريدون التضامن معي لكننى رفضت تماما ..

وكانت القطيعة النهائية – خصوصا بعد ذلك كانت اتفاقية كامب ديفيد وأنا كنت من المعارضين لكامب ديفيد وكونت ما يسمى بائتلاف المصريين وكنت تقريبا الأمين العام وكانت تمثل سبيكة من كل القوى الوطنية المصرية من الاشتراكيين والوفديين وأعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين.

 

سلام التسوية 

 في 1977 كنتم رافضين مبادرة كامب ديفيد والآن أنتم موافقون على اتفاق غزه أريحا ،بل وكنت عضوا في الوفد المصرى فى مدريد ،لماذا كان الاعتراض على مبادرة السادات للسلام و الموافقة على السلام والاتفاق الآن مع إسرائيل ؟

بالنظرة الميكانيكية السطحية للأمور نجد أنه لا خلاف بين كامب ديفيد، ومؤتمر مدريد، أو اتفاق أوسلو، المعروف باسم غزة أريحا، النظرة بميكروسكوب سياسى أو بعين سياسية إلى الأعمق ،سنجد أن هذا التماثل تماثل شكلى بحت بالضبط مثلما يأتى من يقول إن السكر مثل الجير، ومبرره أن لون الإثنين أبيض ،مع أن طبيعة السكر واستخدامه ودوره وتكوينه ،مختلفة عن طبيعة الجير وبالتالى التماثل الشكلى لا يمثل الحقيقة ،سيقال أيضا أن هذه مفاوضات مع اسرائيل مباشرة ،والوصول إلى حلول وسط ،لكن عندما نرى اتفاقية كامب ديفيد نجدها تختلف في صياغتها عن الصياغة في مؤتمر مدريد وايضا اتفاقية أوسلو، سنجد الآن أن مصر وأمريكا وروسيا والصين و العالم الثالث وأوروبا فى مواجهة إسرائيل، الوضع مختلف تماما، وبالنسبة لكامب ديفيد ظل الحوار كله حول مصر، بينما في مدريد وأوسلو، القضية كانت تتعلق بالتسوية لكل الاراضي العربية المحتلة.

الآن ما يحدث سلام أم تسوية ؟

اعتقد أن السلام هو سلام التسوية ولا أقول سلام الحل ،لأن الحل سواء من ناحية العرب أو من ناحية إسرائيل يعنى اختفاء أحد الطرفين نتيجة هزيمة ساحقة، ينزلها أحد الطرفين بالآخر، لكن خلال تجربة النصف قرن نجد أنه لا العرب قادرون ولا إسرائيل قادرة على ذلك، والاستمرار فى هذا الوضع يعنى استمرار شلالات الدم واستمرار ضياع الوقت. 

لقد بدأ الاعتراف المتبادل والتنازل من الطرفين بعد حرب 1967 ولكن الفكر العربي يريد محو الحقيقة  ...  فبعد 67 نحن العرب قبلنا قرار مجلس الأمن 242 وبدأنا نتعامل مع مبعوث الأمم المتحدة لتنفيذ هذا القرار الذى قبلناه ومعنى هذا أننا بدأنا مسيرة السلام والاعتراف الواقعي بإسرائيل وفى نفس الوقت كانت الحركة مع حرب 1967 تكملة من أجل الدفاع عن عملية السلام.

وبعد حرب 1973 حدث تعديل لميزان القوي علي مائدة المفاوضات ،وكان رأي الكثيرين في ذلك الوقت – وانا منهم – أن ما يحدث هو موقف السادات الذاتي  ...  ولكن في الحقيقة أن موقف السادات الذاتي لا يمثل اكثر من 10 % أو 20 % وعندما نعود لقراءة الأحداث في ضوء الثلاثين عاما الماضية من 67 : 97  ...  وقبول قرار 242.

نجد أن حركة التسوية ومحاولة إنهاء الصراع العسكرى بدأت فى اعقاب 67 والتى بدأها الرئيس جمال عبد الناصر.

 ثم ماذا بعد أن هدأت عاصفة " إعلان كوبنهاجن " التي أثارها الكاتب الكبير لطفي الخولي ؟

إنه الهدوء الذي ينذر بعواصف جامحة ، ويغطي تحت رماده كثيرا من مشاعر الصدمة العربية تجاه أحد المثقفين الذين أفنوا زهرة شبابهم في تعليم الأجيال العربية صباحا ً ومساء : العن إسرائيل قبل أن تغسل يديك ووجهك !!

سألت " لطفي الخولي ما قبل إعلان كوبنهاجن حيث الدعوة إلى مواجهة إسرائيل ، ولطفى الخولى ما بعد كوبنهاجن والتحالف الدولى مع الإسرائيلين بإسم السلام ":

 هل أنت سياسي كي أسالك بمعايير ضرورات السياسة التي قد تبيح محظورات الثوابت، أم مثقف لديه التزامات تجاه قضايا وطنه ؟ ولماذا خرجت علي إجماع اليسار المصري الذي تنتمي إليه فيما يخص التسوية مع إسرائيل ؟ 

حركة كوبنهاجن هدفها دفع عملية التسوية السياسية الشاملة العادلة المتوازنة التي تعاني من التعسر – لأسباب عديدة في مقدمتها مجىء نتنياهو إلي السلطة بتحالف الليكود المعادي للسلام والذي يقف عند وهم بناء إسرائيل الكبرى ... وعدم الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني فلأول مرة يتكون تحالف قوى فلسطينية وعربية وإسرائيلية من أجل دفع عملية التسوية تمهيدا للسلام ... والرأي العام الآن في مصر يسير في طريق التسوية السياسية والسليمة ... حتي المعارضين لكوبنهاجن رأيهم أن الحرب الآن غير ممكنة ... وأننا مع السلام !!

وإعلان كوبنهاجن يطالب بقيام السلام العادل والمتوازن وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة فى الضفة الغربية وعاصمتها القدس الشرقية والجلاء عن كل الجولان والجلاء عن الجنوب المحتل في لبنان ( قرار 425 الصادر عن مجلس الأمن )

وعندما نلقي نظرة على آراء المعارضين لإعلان كوبنهاجن بعد أن ننقيها من الشتائم والسباب سنجدها في الحقيقة لاتجاه لا يستطيع بصراحة أن يرفض السلام مع إسرائيل باعتبار هذه الدولة عنصرية ومغتصبة .. محتلة قادمة من الخارج .. ولكنه لايريد إسرائيل .. وهذا كان منطق الأمور عند الصدام المبدئى فى مرحلة الحرب بيننا وبين إسرئيل ... وكان هذا موقف مصر وكل العرب ... لا نريد إسرائيل ولا الاعتراف بها ... وإسرائيل أيضا ً لا تريد الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني ... وتريد إسرائيل أن تقفز علي هذا الوضع بالاتفاق في ذلك مع البلاد العربية وبالذات مصر ... لكن تطور الأحداث وحركتها أثبتا أنه لا إسرائيل قادرة على تجاوز الشعب الفلسطيني وإنكار حقوقه، ولا نحن أيضا ً قادرون علي تصفية إسرائيل بالقوة ... فحدث كما يحدث في العالم مايمكن أن يسمي الانتقال إلي تسوية الصراع أى إلى التسوية  السلمية.

 عفوا : هل أنت سياسي أم مثقف ؟ إن المثقفين هم ذاكرة الأمة والمحافظون علي هويتها  ... كما أنه لابد من التمييز بين ضرورات السياسي " وثوابت الثقافة حتي لاتحدث تنازلات ؟

لا أحد يتكلم عن تنازلات  ... والمناقشة بهذا الشكل تعني الإفلاس  ... لأنه لكى تقوم بالتفاوض  لابد من أن يكون هناك قوة شرعية  ... وهى الدولة في جميع الأطراف تخول لك هذا التفاوض ، ثانيا هذا لا يمكن ان يتم إلا في إطار حكومات ، وأعضاء كوبنهاجن ليسوا حكومة ، ونحن نضم أفرادا من مختلف الاتجاهات بما فى ذلك القوى المعارضة للحكومة ... نحن نريد التسوية السليمة التى تقود للسلام وغير مستعدين لأن نعيش نصف قرن آخر ٍفي حركة الدوران المفرغة دون حل ،  ونضيع الجهد والوقت اللازمين للتنمية في هذه الظروف والخروج من التخلف، وفى إعلان  كوبنهاجن حضر الجميع ولأول مرة فى تاريخ الصراع : حضرت السلطة الوطنية الفلسطينية والمعارضة  والمستقلون أيضا حركة فتح وحماس والجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية ولو أنها اختلفت مع ممثليها، وأيضا عرب 48 والمرأة  ،والعمال والمثقفون من كافة الاتجاهات، وبالتالي فكرة التفاوض كانت هي مجرد إلقاء حجر في البحيرة لتحريك المياه.  

وأنا أتساءل : هل نعود إلي الإدارة في الصراع بالوسائل العسكرية،  أى الحرب الشاملة بين الجيوش العربية ؟ الواضح أن العرب غير قادرين أو راغبين  ...  ولا إسرائيل أيضا.

 

.....وفي نهاية الحوار بعد جدل طويل ، قال أنا لا أدافع عن إسرائيل، إنما أقرر واقعا، والتفاوض الآن هو الوسيلة الوحيدة لحل الأمر،  والمثقف يجب  ألا يترجم أعماله  إلي فكر فقط،لابد من عمل ،والحوار ليس تطبيعا، الحوار محاولة استكشاف لطرفى الصراع ، والكفاح الوطني ليس له حد أقصى.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg