رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

سينما لطفى الخولى «افتحوا الشبابيك .. افتحوا الشبابيك»!

كتب - محمد شعير
 
 
سينما لطفى الخولى
 
- «افتحوا الشبابيك .. افتحوا الشبابيك»!
 
- قدم 4 أفلام مثلت علامات فى تاريخ الشاشة .. وله مشاريع لم تر النور بعد
 
- حوار «القاهرة 30» يعد أروع وثيقة عن فترة من أشد فترات تاريخنا سوءًا
 
- «القضية 68» لم تتم الموافقة على عرضه إلا بعد تدخل مباشر من عبدالناصر

 

        

 

 

فى السياسة محترف، وفى الأدب هاو، حلمه أن يكون كاتب مسرح، تلخص هذه الكلمات حياة الكاتب لطفى الخولى الذى اختار بإرادته الكاملة أن يكون سياسيا، وأن يدفع دائما ثمن مواقفه تلك، سواء  بالتردد بين الحين والآخر على المعتقلات فى عصور مصر المختلفة، أو أن يفقد رئاسة تحرير مجلة "الطليعة"، كان لطفى بالأساس عاشقا للفن، سواء المسرح أو القصة، كتب فى شهادة له: «كان والدى أستاذى في تاريخ الوطن الذى سلمنى إلى رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك ومحمد مظهر، كان من الحزب الوطنى، وعمي البهى الخولى من الإخوان، وأخوالى من الوفد، وكان غالبية أصدقائى من الاشتراكيين، عرفت التعددية دائمًا، واحترمتها صحفيًّا وسياسيًّا وأدبيًّا.. الصحافة والسياسة مع معركة الحياة، والأدب في السجن…».

 

لم تكن السينما بالنسبة له شيئا أساسيا، كان يرى نفسه زائرا، يقف على حدودها، ولكن المسرح هو عشقه الأثير، ومن هنا يمكن اعتبار لطفى الخولى دخل السينما من بابى المسرح والسياسة،  كانت مساهمته الأساسية هى كتابة "الحوار" فى الأفلام الأربعة التى شارك فيها باعتبار أن الحوار هو أساس البناء المسرحى، كما أن القاسم المشترك فى كل الأفلام أنها أفلام سياسية، فحسب تعريف المخرج سمير سيف: " الفيلم السياسى هو العمل الذي يتعرض للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبالتالي يتعرض لمؤسسات سياسية وأشخاص سياسيين"، سواء بالإشارة المباشرة أو بالرمز فى أحيان كثيرة، ويسهم هذا الفيلم فى "صناعة وعى المجتمع". 

ولايخلو أى عمل نقدى للفيلم السياسى من الإشارة  إلى أربعة أفلام أساسية، يبدو القاسم المشترك فيها وجود لطفى الخولى كأحد صناع هذه الأفلام، وتتعرض الأفلام الأربعة لغياب الحريات والديمقراطية فى دولة يوليو 1952 أو وصول الثورة إلى أزمة لا بد من إيجاد حلول لها، سواء فى الأيام التى سبقت هزيمة 67 أو أثناءها أو بعدها، ويجمع هذه الأفلام أيضا أنها تعرضت لأزمات مع الرقابة، أو منعت لفترات قبل أن يتم الإفراج عنها.

 

                      

كتب الخولى حوار فيلم "القاهرة 30" عن رواية نجيب محفوظ "القاهرة الجديدة"، وأخرج الفيلم وكتب السيناريو له صلاح أبو سيف، بطل "القاهرة الجديدة" انتهازى لا يتورع عن التنازل عن كل ما له علاقة بالمبادئ بما فيها العمل قوادا على زوجته ليصعد سلالم المجد الحكومى، أضاف وجود الخولى ذكاء للحوار، وتضخيما لدور الشخصيات النضالية، وقد حقق الفيلم وقت عرضه (1966) نجاحًا جماهيريًّا ونقديًّا، رغم أن جهاز الرقابة رفض الموافقة على تصويره سبع مرات، قبل أن يوافق عليه بعد تغيير اسمه من "القاهرة الجديدة" إلى " القاهرة 30" ، حتى يفهم المشاهد أن الفيلم يتناول القاهرة قبل الثورة، ولا يتم إسقاط الأحداث على الفترة التى عرض فيها، وأكد بعض النقاد لدى عرض الفيلم  أنه «أروع وثيقة عن فترة من أشد فترات تاريخنا سوءًا»، وقالت صافيناز كاظم إن حوار الفيلم «يزيد نماذج محفوظ وواقعه الأدبى عمقًا كتجربة اشتراكية رائدة». 

 بعد ذلك، وفى أعقاب هزيمة 1967 كتب الخولى حوار فيلم "ثمن الحرية" المأخوذ عن مسرحية الكاتب الفرنسى عمانوئيل روبلس والتى قام بتمصيرها وإعدادها سينمائيا نجيب محفوظ، ومن إخراج نور الدمرداش، وقد اختار محفوظ فى الكتابة الأولى للفيلم ثورة 1919 كفترة زمنية تصلح أحداثها للتمصير، وكان توفيق صالح هو المرشح لإخراج الفيلم،  ولكن الفيلم خرج إلى النور عام 1967 من إخراج نور الدمرداش، وسيناريو طلبة رضوان، ومن بطولة محمود مرسى وعبد الله غيث وصلاح منصور وكريمة مختار ومحمود الحدينى ومحمد توفيق، وتدور أحداثه حول بطل مصرى اسمه عبد الحفيظ الذى يرفض زميله محمد أفندى " عبد الله غيث " أن يعترف بمكانه ونتيجة لذلك يقوم قائد القوات الإنجليزية " محمود مرسى " بالقبض على مجموعة من الناس البسطاء ليقتلهم واحدا تلو الآخر من أجل الضغط على محمد أفندى حتى يعترف بمكان زميله عبد الحفيظ، وتميز حوار الخولى بالسخرية الحادة، المحملة بالإيحاءات، وكان الفيلم فى تلك المرحلة رسالة بالمقاومة، مقاومة الاحتلال، والنضال أيضا من أجل الحرية باعتبارها الفريضة الغائبة عن نظام يوليو. 

بعد عام واحد كتب الخولى قصة وحوار فيلمه "القضية 68" الذى أخرجه صلاح أبوسيف، وقام ببطولته صلاح منصور وميرفت أمين وحسن يوسف، الفيلم مأخوذ عن مسرحية "القضية" التى كتبها الخولى فى (1961) وتحولت لفيلم سينمائى بعد سبع سنوات حيث كانت الديمقراطية والحريات لا تزال هى الحل للمشكلة، ويبدو ذلك من حكاية " عربجى"  تمت محاكمته وإدانته وتغريمه بتهمة فتح نافذة فى بيته من دون تصريح من البلدية، ثم إدانته وتغريمه مرة ثانية، لأنه قام بسد النافذة من دون تصريح أيضا، ويواجه المواطن البسيط مشكلة مع قانون لا يفهمه ويدينه ويعاقبه لأنه ارتكب خطأ ما، ثم يدينه عندما أراد إصلاحه، يبدأ الفيلم بصيحه الفنان محمد رضا الحائرة: "يا عالم يا هووو..فهمونى..أفتح الشباك ولا أسد الشباك"، وينتهى الفيلم بغناء وهتاف مجموعة من الأطفال بعد اتساع الشرخ فى البيت وسقوطه :" ابنيها يا عم منجد..ابنيها من جديد"، ويظل محمد رضا حائرا: "نفتح الشباك ولا نقفله"، فيجيبه صلاح منصور:" افتحوا الشبابيك... افتحوا الشبابيك.. افتحوا الشبابيك"، يلعب حوار الخولى دورا رئيسيا فى الفيلم، بل يكاد يكون البطل الرئيسى، حيث يمرر من خلاله أفكاره " الثورية"، فمثلا فى اجتماع لجنة الحى يتبرع أحد الأعضاء للسكان، فيعترض حسن يوسف: "التبرعات دى علاج مؤقت، حل مورفينى، الناس شبعت من المسكن، العلاج الحقيقى ان الناس تاخد حقوقها"..وغيرها من العبارات.

وقد واجه الفيلم غضبًا من جانب السلطة، وقامت الشرطة بمحاصرة دار السينما التى كانت ستبدأ في عرضه، واعتدى رجال الأمن على أبو سيف بالضرب، ولم يتم السماح بعرض الفيلم إلا بعد تدخل مباشر من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد أن تم اتهام الفيلم بالإساءة إلى النظام.

وكان آخر افلام الخولى هو " العصفور" (1974) الذى أخرجه يوسف شاهين، الفيلم رؤية مشتركة بين الاثنين، والحوار للطفى الخولى، دارت أحداث الفيلم قبيل معركة يونيو 1967، حيث يطارد الضابط «رؤوف» المجرم الخطير «أبوخضر» ورجاله فى صعيد مصر، بينما يقوم الصحفى «يوسف» بعمل تحقيق صحفى حول سرقة القطاع العام وآلاته وأدواته من خلال مصنع لم يكتمل بناؤه بسبب سرقات ماكيناته وأجهزته، ويكتشف أن ذلك نتيجة توجيهات «أبوخضر» من خلال فساد أجهزة الحكم التي تستخدم فى الإثراء على حساب الشعب، تحدث الهزيمة ليخرج الشعب غاضبا، ومتمسكا بالصمود والحرب حتى تحرير الأرض، ويتجسد الصمود فى صرخة " بهية" ( محسنة توفيق): "لأ، ح نحارب لأ، ح نحارب"، على وقع أغنية الشيخ إمام وكلمات أحمد فؤاد نجم " مصر يا امه يا بهية". وكانت المرة الأولى والأخيرة التى يظهر فيها الشيخ إمام على الشاشة الكبيرة، بترشيح من الخولى نفسه، وكان الخولى قد كتب إطار فيلم «وداعًا بونابرت» ومجموعة الأحداث والشخصيات، ولكن لم يكتمل التعاون بين الاثنين، وفي أوراق الخولى معالجات سينمائية كثيرة لم تنفذ، وكان من المفترض أن يخرجها شاهين، من بينها المعالجة السينمائية لقصة «الرجل الذي رأى بطن قدمه اليسرى في مرآة مشروخة»، وهناك أيضًا معالجة سينمائية لفيلم «الشجرة» أو «قصة حياة وداد التي زرعت شجرة».  

"الرجل الذى رأى..." هى قصة نشرها الخولى فى مجموعته القصصية" المجانين لا يركبون القطار"، وقد بدأت جلسات عمل بين الاثنين للوصول إلى صيغة نهائية للفيلم الذى يدور حول مختار ووليد مهندسين يعملان بالسد العالى فى شق الأنفاق وتفجير الصخور، ورغم أنهما على طرفي نقيض إلا صداقة عميقة تجمعهما، يقع مختار فى حب نادية مرشدة سياحة تزور منطقة السد بصحبة عدد من السياح، ولكن فجأة يتم استدعاء وليد ومختار إلى الجبهة للمشاركة فى الحرب، يعود مختار محطما، بعد أن يفقد صديق عمره، وتتوالى الأحداث على أغنيات كتبها أحمد فؤاد نجم، لينتهى الفيلم بالدعوة باستمرار المقاومة لتحرير الأرض، عوالم الفيلم ليست بعيدة عن اهتمامات الخولى الذى يستخدم أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم فى أحداث الفيلم وتحديدا أغنية "جيفارا مات".

الفيلم الثانى الذى لم يكتمل"الشجرة"، أو "قصة حياة وداد التى زرعت شجرة" عن كفاح العمال ونضالهم من أجل حقوقهم. 

 

أفلام لطفى الخولى إذا جاز لنا وصفها، يمكن تلخيصها فى عبارة يرددها الصحفى "صلاح قابيل" فى فيلم " العصفور": هناك من وقف على خشبة المسرح وانسحب من لسانه وقال" فى الدولة الدنمراكية شىء من العفن، فى ناس صفقوا له وناس قالوا عليه مجنون، أنا هذا المجنون"، تبدو جملة "هاملت" فى مسرحية شكسبير الشهيرة معادلا موضوعيا لأفكار الخولى سواء فى معالجات الأفلام التى أنجزها، أو حوارتها، ثمة عفن ما، علينا الإشارة وتحديد هذا العفن وأسبابه، وتقديم رؤى لتجازوه، وبناء مجتمع جديد عادل، وهى الفكرة التى انشغل بها الخولى فى كل المجالات التى أبدع فيها. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg