رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الشباب الفرنسى ثار من أجل «الحب» .. والمصرى من أجل «الحرب»

بدأت الأحداث فى جامعة نانتير الفرنسية، حسب المفكر الألمانى نوربرت فراى فى كتابه "1968" الصادر مؤخرا بترجمة عربية للدكتورة علا عادل، حيث بدأت الاحتجاجات بسبب "قداحة" سجائر، إذ طلب أحد الطلبة فى جامعة نانتير من أحد الوزراء المشاركين فى احتفالية خاصة بالجامعة أن يستعير قداحته ليشعل سيجارته، ولكن الوزير قابل الطلب بعجرفة شديدة، انتهت بمشادة كلامية حادة بين الاثنين:
الطالب: لماذا لم تتعرض للمشاكل الجنسية فى كتابك الأبيض عن الشباب؟
الوزير: إذا كنت ترغب فى تهدئة رغبتك الجنسية فلتقفز فى الماء البارد.
......................
انتشرت الواقعة التى كان بطلها طالبا ألمانيا يدرس فى فرنسا يدعى دانيال كوهين بنديت , والذى صار منذ ذلك الحين أحد نجوم السياسة، أو  مفجر ثورة 68..، تضامنت نقابة الطلاب معه، وأسهمت شروط العمل غير المنصفة فى الجامعة العتيقة والضجر من أحوال سكن الطلاب فى تفجر المزيد من السخط، ليتفق الطلاب على تكوين جبهة معارضة ثورية أهدافها أحوال الدراسة فى الجامعة، معارضة الاستعمار، الرأسمالية وكفاح الطبقة العاملة، وسرعان ما انضمت له كل الجامعات الفرنسية ومن بينها السوربون، وأدى عنف الشرطة فى مواجهة الطلاب إلى خروج ما يقرب من 50 ألف طالب إلى الشارع, لتنتقل الاحتجاجات إلى أوساط العمال فى مختلف المدن الفرنسية، والأوروبية، وانضم إلى الطلاب الثائرين مفكرون فرنسيون من بينهم ميشيل فوكو، جيل دولوز، وجان بول سارتر الذى نزل إلى الشارع وراح يوزع المنشورات لمصلحة الطلاب وضد النظام، فاعتقلته الشرطة لفترة قصيرة، ثم أخلت سبيلَه بعد أن قال لهم ديجول: «من يستطيع أن يعتقل فولتير؟ اتركوه حرا».
 لم تهدأ الاحتجاجات حتى وصلنا إلى 11 من مايو 1968 لتشهد فرنسا أكبر مظاهرات فى تاريخها، وبعد شهر من الاحتجاجات يسقط أول قتيل ليبدأ المتظاهرون الهجوم على أقسام الشرطة، وهو ما أدى إلى هروب الرئيس الفرنسى ديجول إلى إحدى القواعد العسكرية الفرنسية فى ألمانيا قبل أن يعود بعد هدوء الاحتجاجات.
لم تقتصر الاحتجاجات على فرنسا، ففى أوروبا وحول العالم كان هناك مئات الآلاف فى الشوارع، وانتشر شعور جديد بالحياة، وكانت هناك مسببات مختلفة لتلك الاضطرابات التى شملت جيلًا بأكمله،  ففى الولايات المتحدة الأمريكية حرب فيتنام فى المقام الأول والتمييز العنصرى ثانيا، فى ألمانيا «الماضى الذى لم يُنس»، فى فرنسا الجامعات الجديدة، ويعرض نوربرت فراى الحركة الطلابية داخل سياق عالمى، لا غنى عنه من أجل فهم الكثير مما حدث فى تلك الفترة، فكان الجميع يوحدون شعاراتهم: "الخيال يحتاج إلى قوة"، "لا ممنوعات"، "الحلم صار واقعا".
إن 1968 لم يأت من فراغ، بل كان ذروة الاحتجاجات التى بدأت قبل هذا التاريخ بسنوات، فى صورة حالة رفض عالمية، ففى أمريكا اعترض الطلاب على حرب فيتنام، والتمييز العنصرى، مما أدى إلى اغتيال مارتن لوثر كينج فى عام 68، وفى ألمانيا وإيطاليا والبرازيل والأرجنتين والبيرو يطالبون بتغيير البنيات القائمة جذريا، حيث يقول أحد زعماء هذا الجيل فى جامعة السوربون:"إن الثورة التى بدأت لم تطرح التساؤل على المجتمع الرأسمالى فقط، بل المجتمع الصناعى أيضا، إن مجتمع الاستهلاك يجب أن يؤول إلى الهلاك ويموت ميتة عنيفة، إنه مجتمع غربة الإنسان، لذا يجب أن يزول من التاريخ، لأننا نصنع عالما جديدا أصيلا". ويقول زعيم طلابى آخر: "لابد من بناء مجتمع جديد كليا، إننا لا نعرف أى نوع من المجتمعات هو، ولكننا نتلمسه كلما حثثنا السير فى ثورتنا ".
 
مصر .. ثورة من أجل الحرب
لم تكن مصر بمعزل عما يحدث فى العالم، كان شبابها ثائرين أيضا، ولكن بشعارات أقرب إلى السياسة، وإذا كان "الحب" هو ما أشعل ثورة الشباب الفرنسى , فإن "الحرب" كانت هى المحرك الرئيسى للشباب المصرى ,  "الحرب" من أجل تحرير الأرض ، كان شباب الجامعات المصرية ثائرين ضد المحاكمات الهزلية التى حدثت لقادة الطيران، وهى التظاهرات التى سبقت "تظاهرات باريس"..وهتف وقتها الطلاب:" لا صدقى ولا الغول..عبد الناصر هو المسئول"، ولم يتهم عبدالناصرالطلاب بالخيانة، وقال: "إن الثورة لو وقعت فى تناقض مع شبابها تكون قد أفلست، وعليها أن تتنحى". وأمر بإعادة المحاكمات مرةأخرى، وأصدر بيان 30 مارس الذى وضعت فيه رؤى وتعهدات بالإصلاح، وبعد أيام قليلة كانت السلطة ومؤسساتها الصحفية منشغلين (أو يحاولون إشغال الجماهير) بحدث  ظهور السيدة العذراء فى الزيتون، وهو ما اعتبره البعض حدثا يبشر بقرب الانتصار على إسرائيل!!.
 على الجانب الآخر كانت الحركة الثقافية المصرية المستقلة تعلن عن نفسها بقوة، بعيدا عن سلطة الدولة، فصدرت أول مجلة مستقلة "جاليرى 68"  تعبيرا عن فكر مجموعة من الأدباء والتشكيليين الشباب الذين يطرحون أفكارا جديدة، وضمت المجلة إدوار الخراط، إبراهيم منصور، حسن سليمان، جميل عطية إبراهيم، كما تكونت "جماعة السينما الجديدة" من مجموعة كبيرة من خريجى معهد السينما والسينمائيين الشباب الذين كانوا يطالبون بسينما جديدة مختلفة تعبر عن تطلعات وطموح الناس، مع تبنى أشكال تغيير طليعية تتخلص من القوالب التقليدية الجامدة. 
فى تلك الأيام قدمت دور العرض السينمائى 12 فيلما، وهو عدد قليل مقارنة بالسنوات السابقة، معظم هذه الأفلام  ينتمى إلى كوميديا الفارس، وبعض هذه الأفلام يحمل نوعا من النقد السياسى الحاد، أو يجمع بين الأمرين , خاصة أن هزيمة 1967 ألقت بظلالها الثقيلة، كما سمحت بهامش من النقد لم يكن متاحا من قبل، فتعرض دور السينما "شنبو فى المصيدة"، "أرض النفاق" " عفريت مراتى"،" مطاردة غرامية"، "شهر عسل بدون إزعاج"، "حواء والقرد"، "لصوص لكن ظرفاء"، وعلى الجانب الآخر  هناك أفلام أخرى تحمل طابع النقد السياسى الحاد ومن بينها فيلم "المتمردون" لتوفيق صالح الذى ينتقد فيه التفاوت الطبقى الشديد الذى خلفته ثورة يوليو، حيث يذهب د. عزيز للعلاج من مرض الدرن فى مصحة فى الصحراء، وهناك يكتشف أن فى المصحة قسمين، الأول للمرضى الأثرياء، حيث يدفعون ثمن علاجهم، وتتوافر لهم كل سبل الراحة من طعام وماء مثلج ومراوح تقيهم لفح الحر فى الصحراء، والقسم الثانى وبه المرضى الفقراء الذين يعالجون على نفقة وزارة الصحة، فلا يتوافر لهم العلاج، الذى يأتى عبر طرق روتينية صعبة، تحت رحمة موظفين لا يفقهون شيئا فى العلاج، كما أن الماء قليل وكذلك الطعام، ويتكدسون فى عنابر ضيقة، وبعد تصاعد الأحداث يثور المرضى ولكن ينجح البوليس فى قمع ثورتهم.
ويقدم صلاح أبو سيف فيلمه " القضية 68" المأخوذ عن مسرحية "القضية" لـ لطفى الخولى، والتى كتبها عام 1964، وفيها يلقى اللوم على الجمود الاجتماعى الذى خلفه الاستعمار، ولكن فى الفيلم يدين الخولى وأبوسيف المعوقات النابعة من الفساد والأنانية، والتى تعوق تطور المجتمع، ولا ينسى المشاهدون الجملة الشهيرة التى كان يرددها أحد أبطال الفيلم" افتح الشباك ولا أقفل الشباك"..فى إدانة لغياب الديمقراطية  والحريات فى المجتمع، والفيلم الثالث " الرجل الذى فقد ظله" عن رواية فتحى غانم، والذى يدين انتهازية الصحافة والإعلام.
معظم هذه الأفلام تعرض للرقابة والمنع قبل أن تتدخل سلطات فى الدولة للسماح بعرضها، وقد اعتبر كثيرون أن عرض هذه الأفلام تخفيف لقبضة الدولة على الإنتاج السينمائى، فدعا صالح مرسى أن تبدأ السينما بداية جديدة صحيحة: "عدد قليل من الأفلام الجيدة كل عام، عدد يتزايد عاما بعد عام، إرساء تقاليد جديدة، إعطاء الفرصة للفكر الجديد والدم الجديد، لنبشر بفن محترم يكسب الجماهير وأذواق الناس حتى يشتد عوده ويقف على قدميه".
وعلى المسرح عرضت مسرحيات "ميرامار" المأخوذة من رواية نجيب محفوظ ومن إخراج نجيب سرور، "وطنى عكا" لعبد الرحمن الشرقاوى، و"دائرة الطباشير القوقازية" لبريخت. 
 
تجاهل إعلامى
لم تكن الصحافة المصرية مهتمة بالحدث العالمى، الذى ظهر على استحياء وفى صفحات داخلية لعدد من المجلات ذات الطابع النخبوى  تحديدا: "الفكر المعاصر"، "الطليعة"، "الهلال"، وهى التى اهتمت بتقديم قراءات مختلفة لثورة الشباب، كتب أسعد حليم فى "الفكر المعاصر" عن حيرة الأحزاب القديمة، بما فيها اليسارية إزاء حركة الطلبة فى باريس وغيرها من المدن الأوروبية، وقدم لدراسة لسانتياجو كاريللو سكرتير الحزب الشيوعى الإسبانى تحاول فهم ما جرى، واعتبر أن "حركة الطلبة فى كثير من بلاد العالم يمكن أن تشبه اليوم بالصخور المصهورة التى لم تبرد بعد، والتى تدخل فى تركيبها عناصر عديدة متناقضة، والشكل الذى ستتخذه هذه الصخور، والطريق الذى سيسلكه الشباب، يتوقفان إلى أبعد مدى على موقف الأحزاب الاشتراكية منها". 
أما الدكتورة سهير القلماوى فقد كتبت مقالا فى مجلة "الهلال" عن الحدث تحت عنوان: "الشباب بين الرفض والثورة" اعتبرت فيه أن " ثورة الشباب التى تنفجر هنا وهناك فى شكل إضراب طلبة الجامعة ليست مجرد طلبات بإصلاح شىء هنا أو شىء هناك، وإنما فى مطالبة بتغييرات جذرية فى بنيان المجتمع الإنسانى كله". واختمت مقالتها بسؤال: إلى أين يا عصر العقل الإلكترونى؟.
...............................................
مدير تحرير جريدة "أخبار الأدب"
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg