رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

دستوره "ردّ المظالم" .. تعرف كيف كان حكم الخليفة عمر بن عبدالعزيز ؟؟

الغريب أن بعض الحكام الذين حفروا أسماءهم فى سجل التاريخ لم يتمكنوا من الحكم إلا قليلاً، وخير مثل لهؤلاء هو (عمر بن العزيز) الذى اختاره الخليفة الأموى الوليد بن عبدالملك ليكون واليا على المدينة المنورة، ليحكمها وهو ابن الخامسة والعشرين، ولم ينظر عمر بن عبدالعزيز للولاية إلا على أنها أمانة فى عنقه ومسئولية أمام الله،

وعندما تولى الخلافة الكبرى بعد موت (سليمان بن عبدالملك) تنازل عن كل أملاكه هو وزوجته، لينأى بأهله عن ترف الدنيا الزائل لأنه شعر بثقل الأمانة الملقاة على عاتقه. وراحت كلماته تدك حصون الظلم والطغيان "والله لو لم ينهض الحق ويدحض الباطل إلا بتقطيع أوصالى وأعضائى، لأمضيت ذلك وأنا سعيد"، "والله لو لبثت فيكم خمسين عاماً ما أقمت إلا ما أريد من العدل".

"رد المظالم" ميزان عدل حكم "بن عبد العزيز"

 وميزان عدل حكمه كان فى رد المظالم، وتعنى لديه الثورة الاجتماعية التى تمثلت فى نزع الأرض والمال والثروة وكل المقتنيات التى كانت فى صدر الإسلام ملكاً لبيت مال المسلمين أى للأمة، فقام بنزعها من حيازة الذين ملكوها وردها مرة أخرى إلى بيت مال المسلمين، فعالج المظالم الفردية، ورد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها ليعيد الأمور إلى نصابها، ويقضى على الظلم والاستغلال الذى تعرضت له ثروة الأمة منذ عهد عثمان وحتى عهد سليمان. لكنه فى نفس الوقت لم يهمل معالجة المظالم الفردية التى وقعت خلال هذا الظلم العام فكتب إلى عماله فى الأقاليم والأمصار أن يحصروا كل ظلم حدث فى العهود التى سبقت عهده سواء على مسلم أو غير مسلم، فيرفعوه إليه ليردوا الحق إلى أهله، فإن كانوا قد ماتوا ردوه إلى ورثتهم، وإن كان بيت المال لا يكفى لرد حقوق المظلومين أرسل إليهم من فائض بيت المال فى جهة أخرى حتى يستوفى أصحاب الحقوق حقوقهم. وكان عمر بن العزيز يدرك بفطنته أن تقادم الزمن على حدوث الظلم ورحيل الشهود بالوفاة وضعف المظلومين تضيع الحقوق، فطلب من ولاته مراعاة هذه الأمور عند رد المظالم إلى أصحابها، وبدأ بنفسه فرد كل ممتلكاته إلى بيت المال فعاش زاهداً متقشفاً، فهان على الرعية ما ألزمهم به.

وكانت معركته أشرس مع أمراء وأميرات بنى أمية لما لهم من شوكة وجاه وأعوان ونفوذ، ولم يقف الخليفة عمر عند هذا الحد فقط لرد المظالم بل منع عنهم ما كان الخلفاء السابقون قد أغدقوه عليهم من الرواتب والمخصصات والذى وصل إلى ثلث ميزانية الدولة. وهكذا فإن "رد المظالم" كان حجر الأساس الذى قام عليه الإصلاح الاجتماعى الذى حقق بدوره الإصلاح السياسى والاقتصادى. وأرسى أيضا المنهج الإسلامى الخاص بحقوق الإنسان وحريته وطبقه، فعندما كتب إليه والى خراسان (الجراح بن عبدالله الحاكمى) يستأذن فى استخدام السيف والسوط لتأديب الناس والقضاء على الفتن، رد عليه ابن عبدالعزيز "لا تضربن مؤمناً ولا معاهداً سوطاً إلا فى حق واحذر القصاص فإنك سائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور". وفى عهده امتدت الدولة وبيت مالها بعطائها إلى الكثير من مجالات الخدمات التى تيسر على الناس أمور الحياة رفقاً بهم ورحمة.

ولم يكتف عمر بهذا بل كتب إلى ولاته فى الأقاليم أن يقيموا الخانات (النزل والفنادق) لنزول المسافرين، وأصبح حقا للمسافر أن يقيم على نفقة الدولة بهذه الخانات يوما ً وليلة يقدم له فيها الطعام، بل ويتعهدون أيضا ما بصحبته من دواب، فإذا كان المسافر مريضا كان حقه الإقامة فيها يومين وليلتين، وإن كان هذا الغريب منقطعاً - أى لا أهل له - من أبناء السبيل كان له حق إقامة بالخانات وإعاشته منها إلى المعونة التى تعينه على الوصول إلى البلد الذى يريد، وقد امتدت رحمة عمر برعاياه إلى من ثقل كاهلهم "أمانات" لا يستطيعون الوفاء بها، وإلى من رغب الزواج ولا قدرة له على دفع الصداق، فجعل لهؤلاء حقاً مقرراً فى بيت المال وكتب إلى ولاته "ومن كانت عليه أمانة لا يقدر على أدائها فاعطوه من مال الله ومن تزوج امرأة فلم يقدر أن يدفع إليها صداقها فأعطوه من مال الله".

 قوانينه التشريعية في صورة "رسائل"

وهناك الكثير من قوانينه التشريعية التى صدرت فى صورة رسائل إلى معاونيه كتب إلى عبدالحميد بن عبدالرحمن (انظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة ليحج بها والسلام) وكتب أيضا (فإن أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك، وأعلم أن مالك عند الله مثل ما للرعية عندك)، وعندما كتب إلى عبدالرحمن بن نعيم قائلاً بقلب اتسع رحمة لكل مخلوقات الله حتى شمل كل دابة على الأرض (ولا تجروا شاة إلى مذبحها، ولا تحدوا الشفرة على رأس الذبيحة)، وعندما طلب إليه يوما الموافقة على صرف مبلغ كبير من المال لكسوة الكعبة، كان جوابه (إنى أرى أن اجعل هذا المال فى أكباد جائعة، فإنها أولى من الكعبة)، فهو من قال " لا تأخذوا من أموال الناس إلا الحق الذى شرعه الله، وماعدا ذلك فضعوه لله لا أفرق بين مسلم وأهل كتاب"، "ضعوا السخرة عن الناس، وليكن لكل عمل أجره".

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg