رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

لماذ شعرت لطيفة الزيات بالندم طوال حياتها؟؟

 
أنا لا أبكي الآن على الأطلال قالت لطيفة الزيات ذلك في شهر فبراير قبل شهور من إلقاء القبض علينا في سبتمبر 1981 في خطاب مجيد ألقته في مقر حزب التجمع احتفالا بالذكرى الخامسة والثلاثين للانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1946 والتي كانت هي واحدة ممن أشعلوها وعضوا في قيادة اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال، وهي اللجنة التي قادت مصر كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، فانطلقت المظاهرات ضد الثلاثي الذي جثم على أنفاس البلاد: الاحتلال الإنجليزي والملك والرجعية المصرية، وبجوار لطيفة وقف محمود القاضي وهو واحد من فرسان ذلك الزمان الجميل وأحد قادة الانتفاضة الشعبية في الإسكندرية، تلك الانتفاضة التي عجز الثلاثي المشار إليه عن الانتصار عليها فقام جيش الاحتلال بفتح كوبري عباس في الجيزة بينما كانت مظاهرة الطلاب الحاشدة تعبره فسقطت أعداد كبيرة منهم في الماء ومات غرقا من مات وجرح من جرح ونجا من نجا ليصبح يوم 21 فبراير يوما للطالب العالمي في تحية إجلال للطلاب المصريين من قبل الأمم المتحدة والعالم.
 
تزوجت المناضلة الشيوعية في بداية حياتها من أحد رفاقها أستاذ العلوم أحمد شكري سالم بعد قصة حب خلقها النضال المشترك وألقى القبض عليهما، وحين جرى حبسها في سجن الحضرة بالإسكندرية الذي تذكرته جيدا في كتابها حملة تفتيش أوراق شخصية حدث أول انكسار جدي في مسيرتها ظلت طيلة ما تبقى من عمرها تسعى لترميمه، وهي تحاول التخلص من شعور عميق بالندم والذنب لأنها في سياق السعي لإصلاح ما انكسر أضافت جرحا لم يندمل حين طلبت الطلاق من زوجها المسجون وبعدها بسنوات تزوجت من أستاذها الجامعي المسرحي والناقد رشاد رشدي الذي كان يقف متفاخرا على الجبهة المناوئة تماما لكل خياراتها النضالية واليسارية والإنسانية.
 
تفاوتت الروايات في الوسط الثقافي حول الأسباب الحقيقية لمثل هذه الزيجة التي يمكن أن نلتمس أحد أسبابها في إهدائها لروايتها الأساسية الباب المفتوح إلى أستاذي الدكتور رشاد رشدي وعادت هي وأكدت معنى آخر في كتابها حملة تفتيش أوراق شخصية حين كتبت أن الجنس كان أحد الدوافع الرئيسية لهذا الزواج. وبررت لطيفة هذا القول حين أضافت ربما لتبرئ نفسها أن الجنس كان سببا قويا من أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية، وهو التبرير الذي استهجنه الكثيرون، وأثار جدلا واسعا في الحياة الثقافية حين فجر أسئلة من قبيل هل يمكن للإنسان، وللمرأة على نحو خاص، وإذا كانت مثقفة وواعية بشكل أخص أن تلبي احتياجات جسدها مع رجل ما بصرف النظر عن الأفكار والنظرة المختلفة إلى العالم التي يتبناها هذا الرجل حتى لو كانت هذه النظرة تتضمن إقلالا من شأنها واستعلاء عليها خاصة أنها صورت هذا الرجل كما أستنتج الكثيرون في روايتها الباب المفتوح ككائن جنسي ديكتاتور مغرور ومنشغل بنفسه تتناقض أقواله مع أفعاله هو الذي سعى لإخضاع ليلى تلميذته إلى هيمنته الذكورية وتحويلها إلى مسخ لا رأي له ولا شخصية.
 
تقول ليلى في مونولوج داخلي بعد أن قبلت الزواج بأستاذها إذن سوف يتزوجني رمزي، طبعا عشان مطيعة وهادية وبسمع الكلام وظلت هي تشعر وكأنه يشرب من دمها بالتدريج قطرة فقطرة، وينتظر الوقت الذي يجف فيه دمها، كل دمها، وكان رمزي يعاين ليلى كما يعاين الإنسان قطعة نقود في يده وفيما بعد قال لها ضروري يكون رأيي ورأيك حاجة واحدة وكانت هي قد ضبطته وهو يحدق في السيقان العارية والصدر العاري لابنة خالتها.
وفي قصة من قصص مجموعة «الشيخوخة» كان رجل قد صاح في الشخصية الرئيسية قائلا: أنا الذي صنعتك وكأننا أمام بيجماليون عصري قادم من الدراما الإغريقية.
 
لم تتخلص لطيفة الزيات أبدا من الشعور بالذنب، ولم يلتئم جرحها تماما، تقول في قصتها الشيخوخة المبنية على تقنية الرسائل التي كتبتها الراوية في مناسبات مختلفة تقول في خطابات غير موجهة لأحد بعد أن كانت قد وجهت خطابات لابنتها حنان ووجدت أنها أقسى من أن ترسل، وخطابات أخرى كتبت لكي لا ترسل وتقول في الخطابات غير الموجهة لأحد: إنها لحظات التعرية الكاملة للذات التي لا يجوز لإنسان آخر أن يطلع عليها.. وذلك بعد أن تحولت البدايات الواعدة إلى نهايات. وبوسعنا أن نفسر معنى البدايات والنهايات في ضوء تجربتها الحياتية المعقدة.
نجد أنفسنا في كل أعمال لطيفة الزيات الإبداعية أمام أزمة وجودية كبرى تكاد تعصف بحياة المرأة البطلة التي لا تكف عن المقاومة، ليكتسب الصراع في عالمها الفني طابعا تحرريا، ويبرز لنا هذا الطابع التحرري في روايتها الرئيسية الباب المفتوح التي تحولت إلى فيلم ينتمي الآن إلى كلاسيكيات السينما المصرية إذ توافرت له كل عناصر هذا الانتماء سواء النص الروائي المحكم، أو المخرج المتميز صاحب المدرسة الواقعية الرومانسية هنري بركات، أو الفنانة المتفردة في تاريخ السينما المصرية فاتن حمامة جنبا إلى جنب فنان عبقري لم يتكرر هو محمود مرسي.
شكلت الباب المفتوح ملمحا خاصا في تاريخ الرواية المصرية وهي تتابع رحلة البطلة من حصار النظرة التقليدية للأنثى، خروجا إلى عالم التحرر الواسع الذي زاوج بين تحرير الوطن وتحرر المرأة وذلك بعد أن اكتشفت ليلى أن بوسعها اغتصاب حقها في الحياة لأن عدوها الرئيسي يرقد هنا، في أعماق ضعفها، وأغمضت عينيها، وأحكمت إقفال فمها حتى لا تتسلل إليه الرعدة
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg