رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

رصاص غادر فى الدير المقدس..قصة الأنبا صموئيل الذى فقأ المقوقس عينه!

فى مايو 2017 استيقظت مصر على كابوس الهجوم الإرهابي على حافلتين تقلان عائلات من أقباط مصر في طريقهم لزيارة دير يقع في الصحراء الغربية بمحافظة المنيا، الجريمة النكراء التي سقط على إثرها عشرات الضحايا  من بينهم نساء وأطفال وعمال كانوا فى طريقهم لبداية يوم عمل جديد، فتحت نافذة على واحد من الأماكن الأثرية المسيحية المقدسة، لم يكن كثير من المصريين يعرفون عنه شيئا.. فعرف الجميع اسم دير الأنبا صموئيل.

صحيح أن المناسبة مأساوية لكنها مع ذلك تعد فرصة لمد مظلة الأمل في وحدة المصريين من خلال المعرفة والتي هي السبيل الأساس لمواجهة محاولات إثارة الفتنة، بين أفراد شعب  لم يكن على مر تاريخه يعرف القتل والوحشية، بل يؤمن بالسماء الواحدة التى بحث القدماء عن أسرارها منذ آلاف السنين.

لنبدأ من الرجل الذى حمل اسم الدير وهو «الأنبا صموئيل» الذى حصل على لقب  «معترف»، الذي يطلق على من تعذب عذابا لا يقل عن عذاب الشهداء لكنه لم يستشهد، وقد استحق الأنبا صموئيل هذا اللقب بعد أن تعرض للتعذيب بفقء إحدى عينيه على يد أحد جنود الرومان بسبب تمسكه بدينه فى فترة الخلاف بين الكنائس الشرقية والغربية.

ولد الأنبا صموئيل فى سنة 597 ميلادية لوالد كان يعمل قسا أيضا ويدعى سيلاس وذلك في بلدمليج النصارى مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية شمال مصر.

 

اهتم والده بتربيته تربية مسيحية، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره كان يمارس أصوام الكنيسة وقيل إنه وهو في هذه السن المبكرة، كان مواظباً على الصلاة وملازماً للكنيسة، ولما كبر أراد والداه أن يزوّجاه لكنه أبى وصارحهما بأنه يريد أن يكون راهبا.

في زمن حكم المقوقس على مصر وفي عهد البابا بنيامين الثامن والثلاثين حاولت الدولة الرومانية بكل وسائلها إخضاع الأقباط لقبول طومس لاون أسقف روما وقرارات مجمع خلقيدونية ووصل رسول من عند المقوقس إلى دير أبي مقار الذي كان يوجد به الأنبا صموئيل ومعه طومس لاون وقرأ رسالته على مسامع شيوخ الدير ثم سألهم: «أتؤمنون بهذا الإيمان المكتوب الذي قرأته عليكم؟» أما الرهبان فلزموا الصمت، اغتاظ رسول المقوقس وصاح في الرهبان: «أما تتكلمون بشيء أيها الرهبان العُصاة؟» عندئذ تصدى له الأنبا صموئيل وأمسك به ومزق رسالته.

غضب رسول المقوقس الذي كان من رجال الحكومة وأمر أتباعه أن يعذبوه ويضربوه، فضربوه ضرباً مبرحاً بالسياط حتى أصابت إحدى عينيه فقُلِعت، وكانت الدماء تسيل منه بغزارة، وحينئذ قال له القائد: «اعلم أن فقْء عينيك هو الذي نجّاك من الموت، ثم طرده من الدير ولذلك ذهب إلى الفيوم ليُقيم في الجبل المسمّى القلمون جنوبي إقليم الفيوم، وبالفعل مضى وسكن هناك وبعد مرور عدة سنوات وخلال التقسيم الإداري للمحافظات تم ضم الدير لمحافظة المنيا.

يعد الدير أحد الأديرة التى يتبع اسمها لقب «العامر» أى توجد به حياة رهبانية معترف بها كنسيا ويقيم فيه رهبان لأن الأقباط يلقبون العديد من الكنائس بلقب دير إذا كانت قديمة أو أثرية أو مبنية على أطلال أديرة قديمة, أما لقب دير عامر فتعنى أن به حياة رهبانية.

يقع الدير بمنطقة صحراوية تلقب بجبل «القلمون» بقرب النهاية الشمالية لوادى «المويلح» ويحيط به من الجهة الشرقية والشمالية تلال متصلة تلقب بجبل «القلمون» الذى يبلغ ارتفاعه نحو 180 مترا, ومن الجهة الغربية تلال متصلة تسمى جبل «الغاليون» ويصل ارتفاعه فى المنطقة المواجهة للدير لنحو 102 متر, ورغم أن الدير يقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة المنيا إلا أنه يقع على خط أفقى واحد مع مدينة ببا فى محافظة بنى سويف ولكنه يستقر فى عمق الصحراء الغربية، ويعد دير الأنبا صموئيل أقرب نقطة فى النطاق إلي محافظة المنيا للحدود الليبية.

هنا عاش متى المسكين

بنى هذا الدير فى القرون الأولى للمسيحية فى إحدى المناطق التى عاش فيها العباد المسيحيون مع بداية النصف الثانى من القرن الثالث الميلادى (بعد سنة 250 ميلادية) وكان يسمى بدير السيدة العذراء حتى القرن السابع ثم تغير إلى دير العذراء والأنبا صموئيل المعترف بدءا من نهاية القرن السابع الميلادى, وهى الفترة التى عاش فيها القديس الأنبا صموئيل المعترف 98 عاما منها 74 فى حياة الرهبنة.

وفقا لموقع الدير توجد مغارة الأنبا صموئيل على بعد 5 كيلومترات، قرب قمة جبل القلمون، وكان القديس صموئيل يقضي بها معظم الوقت في أواخر حياته، ويضم العديد من الكنائس من بينها، كنيسة القديس الأنبا صموئيل المعترف، وكنيسة السيدة العذراء.

 وهذا الدير هو الوحيد الباقى من مجموعة الأديرة التى كانت موجودة بالمنطقة والتى بلغ كان عددها 35 ديرا وكان الأنبا صموئيل مجددا للدير واستطاع أن يجمع الرهبان حتى وصل عددهم 41 راهبا قرب نياحة الأنبا صموئيل ثم زاد عددهم إلى 120 راهبا فى القرن التاسع.

كان بالدير قصران كبيران مبنيان بالحجارة وبه ينبوعا ماءٍ أحدهما بالداخل والآخر بالخارج, ومع مطلع القرن الثانى عشر ازدان الدير بحدائق مزدهرة وأربعة أبراج لها أسوار عالية وظلت الأمور هكذا حتى مطلع القرن الخامس عشر بعدها بدأت الأمور تتدهور حتى أن مسيحيى هذه المنطقة أصبحوا يذهبون إلى قرى قريبة منهم للصلاة وظل الدير خربا حتى نهايات القرن التاسع عشر (نحو 300 عاما) ثم بعد ذلك بدأت تدب الحياة الرهبنية برئاسة القمص إسحاق البرموسى الذى اجتهد فى تعمير الدير لمدة 40 عاما، وساعده فى عمله أساقفة الفيوم وبنى سويف والمنيا, تخرج في هذا الدير عدد من البطاركة الذين لهم شعبية عند الأقباط مثل البابا كيرلس السادس أشهر بطاركة الكنيسة القبطية فى العصر الحديث الذى تولى رئاسة الدير نحو 7 سنوات وكان يلقب قبل اختياره بطريركا باسم الراهب القمص مينا البرموسى المتوحد وهو لا يزال أكثر البطاركة شعبية لدى الأقباط رغم مضى أكثر من 45 عاما على رحيله.. كما ترهب القمص متى المسكين فى نفس هذا الدير، ويعد متى المسكين من أحد أشهر الكتاب الأقباط، ومن أكثر الشخصيات المثيرة للجدل، وتتلمذ على يديه كثير من الرهبان، منهم الراهب أنطونيوس السريانى (البابا شنودة). 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg