رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الثور المجنح.. تحطم التمثال وبقيت الأسطورة

يعتقد بعض الباحثين أن الآشوريين القدماء عبدوا الكائن الأسطوري  الثور المجنح، ولكن هذه الاعتقادات تعرضت للنقد العنيف من كثير من علماء الآثار الآشورية الثقاة، ومنهم جون راسل، الذي ذكر أن اسم الجني ورد في كتابات الملك الآشوري سنحاريب كما يلي: "لقد جلبت رجالا أسرى من المدن التي غزوتها، وبنوا لي قصرا يقف على بوابته اثنان من الآلادلامو"، وهذا القول يلغي تماما الفرضية المزعومة إذ ليس من الممكن أن يكون الإله" الثور المجنح " حارسا على بوابة قصر إنسان يعبده .

وتذكر بعض الدراسات غير الموثقة أن اللاماسو أو الكائن الأسطوري ذا العناصر الأربعة هو نبوخذ نصّر (562 605 - ق.م)، حيث ذكر في التوراة أن الله حَوّل نبوخذ نّصر إلى ثور بأظافر النسر، وينسبون الثور المجنح إلى نبوخذ نّصر مع أن فكرة اللاماسو أقدم من أجداد نبوخذ نّصر .

واللاماسو هو نوع من الكائنات الأسطورية المختلطة التكوين، فهي في أكثر الأحيان ثور مجنح برأس إنسان وأقدام أسد، أو برأس إنسان وأقدام ثور، وقد أخذ أشكالا عدة خلال حقبات التاريخ، وحتى في آشور نفسها حيث نجده أحيانا تحول إلى أسد غير مجنح ولكن برأس إنسان ذي أيد وهو مخصص للحماية في أثناء الاستحمام، حيث تقول المعتقدات الآشورية القديمة: إن رمي أو تحريك المياه الساخنة يجذب الروح الشريرة والتي تدعى بازوزو، ولا تزال النساء حتى اليوم يستعملن عبارة (كش) عفويا وذلك لطرد الأرواح الشريرة لدى رمي أو تحريك الماء الساخن، ويسمى هذا الأسد المجنح بالآشورية أورمالولو، وقد وجدت إحدى لوحات الأورمالولو في حمام قصر الملك آشور بانيبال، ويعود عمر اللوحة إلى العام 640 قبل الميلاد.

 

كما أن اللاماسو هو قوة تجمع أربعة عناصر تكون الكمال (الأسد للشجاعة والثور للقوة والنسر للمجد والإنسان للحكمة)، وهي فكرة مستمدة من اعتقاد البشر بالعناية الخارقة، وقد امتدت هذه الفكرة لمختلف الحضارات حيث إن حزقيال في التوراة حين كان مسبيا من قبل الآشوريين، تحدث عن مركبة رآها فوق نهر الخابور لها رأس إنسان وأقدام عجل وجسم أسد وأوجه مطلة في جميع الاتجاهات (حزقيال، 1: 1-14).

وتكررت فكرة العناية الخارقة في الكثير من الأديان والمعتقدات على سبيل المثال: اللاماسو الآرامي والحثي والتاميل واليابان بشخصية غيوكي الأسطورية اليابانية في التي تظهر في مهرجانات المتسوري، وكذلك قام الرومان باستعمالها على نقودهم، وأبي الهول لدى الفراعنة في مصر، كما أن فكرة الملاك الحارس التي رسخها في الكنيسة الفيلسوف ديونيسيوس الأريوباغي، مستمدة من فكرة عناية الله وحمايته لأشخاص مختارين لهداية البشر وهم في أغلب الأحيان القديسون، وقد انتشرت هذه الفكرة لتتمثل في الفن الديني مثل الأيقونات لدى العديد من الكنائس، وقد مثلت الحيوانات الأسطورية تلك الحماية فمثلاً (النسر لمرقس والثور للوقا والإنسان لمتى) كما أن الثور المجنح نفسه (رمز لوقا) بنقش واضح من العاج في بعض الكنائس الأوروبية.

 

في 26 فبراير عام 2015 قام مجموعة من الأشخاص المسلحين بالدخول إلى متحف الموصل في نينوى وردّدوا شعارات وألفاظا تبين حرمانية التماثيل الموجودة في المتحف وأنهم سوف يقومون بتحطيمها مهما بلغت قيمتها. وقد أجمعت أغلب حكومات العالم على أن تنظيم داعش وراء هذه العملية حيث قام بعض الأشخاص بتحطيم الثماثيل وتكسيرها واستخدام آلات تشوه الشكل الخارجي لتماثيل الثور المجنح. 

ومتحف الموصل هو أحد أهم المتاحف في العراق ويعد في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد المتحف العراقي في بغداد. تأسس غالبا في العام 1952 وكان مقصورا على قاعة صغيرة، إلا أنه تم إنشاء المبنى الجديد لمتحف الموصل والموجود الآن في العام 1972،  حيث ضمت بنايته الجديدة أربع قاعات إحداها للآثار القديمة وأخرى للآثار الآشورية وثالثة للآثار الحضرية والأخيرة للآثار الإسلامية.

ولم يسلم المتحف من عمليات النهب  المنظمة التي طالت بعض معروضاته النفيسة خلال أحداث أبريل في أثناء الغزو الأمريكي للعراق خلال العام  2003 ولم يتم استردادها  حتى الآن .

ولم يشهد المتحف أية صيانة تذكر، إلا أنه بقي مفتوحا منذ ذلك الوقت لزيارات محدودة اقتصرت على الوفود الرسمية وطلبة الآثار والتاريخ فقط.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg