رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

بنك مصر .. آیة فنية في الهندسة والبناء .. بلغت تكالیفه مائة ألف جنیه

جاء وصف الدار الجدیدة لبنك مصر فى إحدى المقالات المنشورة بجریدة (الاتحاد): أقام بنك مصر دارا جدیدة لتكون موضع إدارته ومشروعاته المتفرقة عنه، فما هى هذه الدار الجدیدة؟ إنها بنیة من البنى الفخمة، تتألف من أربع طبقات غیر الطبقة الأرضیة (البدروم)، خصصت الطبقة الأرضیة منها للخزائن الخاصة بالبنك والمعدة للأفراد الذین یریدون استئجارها لوضع أموالهم ونفائسهم فیها، وفیها 1800 خزانة من هذا النوع، جهزت كلها بالأجراس المنبهة والأنوار الدالة فیما إذا أراد غریب أن یمسها، بحیث إذا سولت له نفسه ذلك قرعت الأجراس وأضاءت المصابیح، فتنبه الحراس إلیه، ولم یستطع الإفلات منهم، وفي هذه الطبقة أیضا وضعت «الدفترخانة» الخاصة بالبنك أما الدوران الأول والثاني فقد خصصا لإدارة البنك وموظفیه، وأفردت بعض غرفه لمكتبة أهداها إلي البنك ذلك الرجل العظیم... «محمد طلعت حرب بك» واضع أساسه، وصاحب الید الطولى في إنهاضه، وعدد ما في هذه المكتبة عشرة آلاف مجلد كلها في الشئون الاقتصادیة وما إلیها، وستكون هذه المكتبة نواة لمكتبة عظیمة یرجع إلیها فى الاقتصادیات علي اختلاف أنواعها.
 
وأما الطابقان الثالث والرابع فقد خصصا لیكونا محالا لإدارة المشروعات المتعددة التى یؤسسها البنك، مثل مشروعات الطباعة، والملاحة، والحلاجة، والغزل والنسج وما إلي ذلك ما ابتدأ البنك في إنشائه، ومما هو قید التنفیذ، وضع رسم هذا البنك المهندس المشهور المسیو «لاشاك» فظهرت هذه البنیة من عجائب فن البناء والزخرفة العربیة التي تلیق بمصرف مصري عربى، أما السقوف والأبواب وما بها من زخرفة ونقوش فحسبنا أن نقول إنها صنعت علي الأشكال العربیة الدقیقة في وضعها والبدیعة في تناسقها، وبالجملة فهذه الدار آیة في فني الهندسة والبناء، ولقد بلغت تكالیف هذه الدار مائة ألف جنیه، وهومبلغ قلیل بجانب الفخامة التي تبدو به هذه البنیة الضخمة الضاحكة زخرفة ، والتي ستبقى علي الدهر فخر مهندسا والقائمین بإدارة هذا البنك الذین أشرفوا علیه. ولمكانة بنك مصر وقیمته وتناسقا وجدارته التى أثبتها فقد كان حضور الاحتفال محفلا للساسة والأمراء والعظماء من هذا العصر الذهبى. ونرى ذلك من أسماء بعض الشخصیات التي حضرت هذا الاحتفال مثل توفیق نسیم باشا مندوب ملك مصر (الملك فؤاد)، وعبدالخالق ثروت باشا رئیس مجلس الوزراء وجمیع الوزراء وقتها، وقد تم خلال عام 1993 فى 14 أكتوبر
صدور قرار رئیس مجلس الوزراء رقم 1776 لسنة 1993 باعتبار المبنى القدیم لبنك مصر بشارع محمد فرید أثرًا .
 
 
لكل حضارة في أمة ما، وفي عصر ما، رمز یقدسه أفراد تلك الأمة یشخصون إلیه بأبصارهم وقلوبهم في الملمات، ورمز الحضارة المصریة في هذا العصر هو «بنك مصر»، الذى كان أكبر كثیرا من كونه بنكا، لقد كان خصائص أمة، وكان رسالة وكان عین مصر وعقلها، فقد أخذ بنك مصر علي عاتقه أن یسد هذا الفراغ الكبیر فى بناء الدولة الاقتصادیة، بتمصیر الصناعة المصریة، ومن ثم فقد قام بأجل الخدمات وأخلدها في صفحات التاریخ السیاسى، والاجتماعى والاقتصادي، وإذا كانت الأمم كالأفراد، فإن مصر قد بلغت رشدها الاقتصادى، ساعة ولد «بنك مصر» وقام صرحه الشامخ یصعد درجة فوق درجة یتحسس وآیة هذا البنك أنه أنشأ كل الصناعات الحیویة التي كانت تنقص البلاد، بل وكان یستأثر بها الأجانب، فهو دائما الرغبات القومیة ویحققها، هذا لأن البنك منذ مولده لم یكن مجرد بنك تجارى، بل كان مؤسسة قائمة الأركان تتحدى المستعمر وتقوم بنهضة البلاد الصناعیة، ولاشك أن البنك منذ مولده أخذ علي عاتقه القضاء علي البطالة المتفشیة بین المتعلمین وغیرهم علي السواء، فمؤسساته الضخمة العدیدة تضم بین جدرانها الآلاف المؤلفة من الشباب المتعلم الذى أطلق علیه طلعت حرب «جیش الخلاص الاقتصادى»، لقد كان بنك مصر منذ مولده خط الدفاع الاقتصادى الأول عن البلاد الظروف الاقتصادیة التي سبقت إنشاء بنك مصر كانت كارثیة، والتي انطوت علي الدیون الخارجیة التي أثقلت كاهل
الدولة، وانعدام التوازن بین القطاعات الاقتصادیة المختلفة وسیطرة الأجانب علي المجالات الرئیسیة في الأنشطة الاقتصادیة مثل الجهاز المصرفي والتجارة الخارجیة، مما أدي إلى تضارب السیاسات التمویلیة، غیر أن هذه الظروف علي محفزات مهمة فرضت على أذهان «الاقتصادیین الوطنیین» حتمیة إنشاء «بنك وطنى» برأسمال
ً
انطوت أیضا مصرى وبإدارة مصریة، إذ تمیزت فترة الحرب العالمیة الأولي وما بعدها بالتضخم النقدى الذى أدى إلي وجود أموال معطلة تترقب الفرصة للاستثمار، ولاشك أن توافر رأس المال المصري السائل یعد من العوامل الهامة التى ساعدت على قیام البنك ومشروعاته الأخرى. ومن المهم الإشارة إلى تضارب السیاسات التمویلیة والاستثماریة والذى یرجع فى جانب كبیر منه إلى اتجاه البنوك الأجنبیة إلى تمویل المشروعات المتماثلة معها في الجنسیة وبما یخدم مصالح بلادها، وإن تعارض ذلك مع الاستثمارات الأجنبیة الأخرى، إضافة إلى أن تمویل المحصول الرئیسى للبلاد كان یتم تحت سیطرة البنوك الأجنبیة التى تتحكم فى أسعاره كیفما شاءت، ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلي ظهور بنك وطنى یقوم بعملیات التمویل والاستثمارات وتمویل المحصول الرئیسى للبلاد بما یكفل للمنتج المصرى عائًدا مجزیا.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg