رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

كاترين. قديسة اختفى جسدها 5 قرون وظهر على قمة جبل بسيناء

يقع دير سانت كاترين الذى يعتبر واحداً من أهم وأشهر الأديرة المسيحية فى العالم، فى سيناء المقدسة وبالتحديد فى جنوبها، حيث كلم الله تعالى سيدنا موسى والذى تم تسجيله ضمن قائمة التراث العالمى من قبل منظمة اليونسكو فى عام 2002. يقع دير سانت كاترين أسفل جبل كاترين - أعلى الجبال فى مصر - بالقرب من جبل موسى، ويعد مزاراً سياحياً كبيراً حيث تقصده أفواج سياحية من جميع بقاع العالم، وهو معتزل يديره رهبان من الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية لا يتكلمون العربية لأنهم ليسوا مصريين أو عرباً، إنما هم من أصول يونانية حيث لا يتبع الدير بطريركية الإسكندرية، على الرغم من أن الوصاية على الدير كانت لفترات طويلة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

 تبدأ قصة دير سانت كاترين منذ العهد البيزنطى حيث كانت منطقة جبل موسى أو ما يطلق عليه وادى العليقة الملتهبة هدفاً للإمبراطورية البيزنطية، فقد أصدرت الإمبراطورة هيلانة أم الأمبراطور قسطنطين أمراً ببناء كنيسة صغيرة وبرج فى جبل موسى، فى القرن الرابع الميلادى وتحمل اسم كنيسة العليقة الملتهبة، ثم أتى الإمبراطور "جستنيان" فى القرن السادس الميلادى، وتحديدا فى نفس المنطقة ليقوم ببناء دير تخليدا لذكرى زوجته "ثيودورا" ويطلق على هذا الدير اسم "دير طور سيناء" ثم أمر الإمبراطور بضم كنيسة العليقة إلى الدير لتكون واحدة من كنائس الدير، ومع حلول القرن التاسع الميلادى تغير الاسم القديم للدير، وأصبح اسمه "دير سانت كاترين" أى دير القديسة كاترين.

تحكى القصة أن القديسة كاترين (ابنة حاكم الإسكندرية) آمنت بالله في بدايات العصر المسيحي دون بقية أسرتها، واشتهرت بقدرتها على إحالة الكفار إلى المسيحية، فأراد والدها أن يلهيها عن إيمانها بجميع المغريات ومنها محاولته تزويجها، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل. فأمر بتعذيبها إلى أن ماتت. وبعد مضى خمسة قرون على استشهادها رأى أحد الرهبان فى سيناء رؤيا بأن الملائكة تحمل بقايا جسدها ووضعتها فوق قمة جبل قرب الدير، فصعد الرهبان للجبل فوجدوا بقايا للجثة ثم قاموا بنقلها إلى احدى كنائس الدير وهى كنيسة "التجلى" ليطلق على الدير منذ ذلك الوقت دير القديسة كاترين.

وكان السبب المباشر لبناء الدير هو استجابة جستنيان لمناشدة الرهبان المقيمين بكنيسة العليقة دخول الجبل المقدس ببناء دير كبير يجتمعون فيه، ولكن جستنيان كان يريد من وراء البناء أهدافا عدة منها تأمين الحدود الشرقية للإمبراطورية ضد أخطار الفرس وتأمين طرق المواصلات بين مصر وفلسطين، أى أن يكون الدير أشبه بالحصن الحربى، وأيضاً العمل على نشر المسيحية وهو جانب دينـى، ومنذ ذلك الحين صار المسيحيون من العالم كله يقومون بالحج إلى دير القديسة، ثم أعلن القياصرة الروس أنفسهم - بعد انهيار الإمبراطورية البيزنطية فى القرن الخامس عشر الميلادى - رعاة رئيسيين للأرثوذكسية المسيحية، وكانت دير سانت كاترين فى سيناء غايتهم الخاصة، حتى أعلنت روسيا عام 1689 رسمياً رعايتها للدير لأن كاترين تعتبر إحدى القديسات الروسيات قبل عام 1917.

وتخليدا لهذا الحدث تم تصنيع تابوت خاص لبقايا القديسة كاترين يحتفظ به حتى الآن فى مذبح الكنيسة الأرثوذكسية بدير سيناء. - "مكتبة الدير الخزانة الثانية للمحفوظات المسيحية فى العالم" يضم الدير مجموعة من المنشآت منها الكنيسة الرئيسية "كنيسة التجلى" و"كنيسة العليقة" وتسع كنائس جانبية صغيرة وعشر كنائس فرعية وقلايات للرهبان وحجرة طعام ومعصرة للزيتون وجامعاً فاطمياً ومكتبة كبيرة بالإضافة إلى منطقة خدمات تشمل الحبوب والمطابخ والأفران.

ويعود تاريخ إنشاء بعض هذه المنشآت إلى القرن الرابع الميلادى، وتعد مكتبة دير سانت كاترين من أهم المزارات التى يهتم بزيارتها زوار الدير سواء من السائحين أو المهتمين والدارسين للمخطوطات النادرة من الكتب القديمة. ويكفى دليلا على مدى أهمية تلك المكتبة أنه بعد أن نظمت ورتبت وطبعت بعض فهارسها اعتبرت الخزانة الثانية للمخطوطات المسيحية المقدسة فى العالم من حيث القيمة والعدد بعد مكتبة الفاتيكان. وتحتوى المكتبة على ستة آلاف مخطوط، منها 600 مخطوط باللغة العربية، إضافة إلى المخطوطات اليونانية والأرمينية والإثيوبية والقبطية والسريانية، وأغلب المخطوطات ذات فحوى مسيحى، كما أن لبعضها قيمة تاريخية واقتصادية واجتماعية وفلسفية أقدمها يعود للقرن الرابع الميلادى.

وهى عبارة عن مستندات أباطرة وبطاركة ورؤساء وكهنة وزعماء وسلاطين وإيصالات وفواتير ومراسيم وفرمانات. حيث تضم المكتبة عددا من الفرمانات الصادرة من الخلفاء المسلمين لتأمين أهل الكتاب مثل مخطوط العهد النبوى الذى أعطاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - طبقا لتعاليم الإسلام السمحة كعهد أمان للنصارى يؤمنهم فيه على أرواحهم وأموالهم وكنائسهم وقد أخذ السلطان سليم الأول النسخة الأصلية حينما دخل مصر عام 1517م وحملها إلى الأستانة بتركيا وترك لرهبان الدير صورة معتمدة من هذا العهد. كما تضم المكتبة نحو خمسة آلاف كتاب مطبوع يعود بعضها لبداية ظهور الطباعة، ويلاحظ أن تعدد لغات المجموعة الخطية المحفوظة بالمكتبة يدل على تعدد القوميات التى عاشت بالدير على امتداد أربعة عشر قرنا. وأيضاً تضم مجموعة من الصحائف الفريدة التى تتناول كل مراحل الثقافة المسيحية على امتداد الحقبتين الوسيطة والحديثة من تاريخ المنطقة.

وهناك كنز آخر لا يقل أهمية عن مخطوطات ووثائق الدير فى الحجرة المجاورة للمكتبة حيث توجد صالة لحفظ الايقونات المعلقة على الجدران وبعضها يصور السيد المسيح، ويوجد فى تلك الحجرة نحو مائة من أفضل الايقونات فى العالم. كما أنتج رهبان الدير مخطوطات دينية تتناول مسألة الرهبنة والديرية، وهناك مخطوطات تتحدث عن المنطقة والطب وطرق الحساب بالإضافة إلى المخطوطات الأخرى التى تتناول موضوعات تاريخية عامة كالمخطوط الذى تحدث عن تاريخ سابور مع الروم ووضع الرهبان فى سبع ورقات مخطوط عن تاريخ بناء الدير كما كتب الرهبان عن موضوعات مختلفة ومتنوعة مثل ما تناول العهد النبوى فى رأى المحيطين بهم. أما مجموعة الصور المقدسة فالدير يحتوى على مجموعة هائلة يندر أن توجد فى مكان آخر حيث تبلغ نحو 2000 صورة تميزها عدة أنواع كصورة قديمة ذات طابع بيزنطى أصيل أو شرقى أو فلسطينى أو مصرى أو سورى، خاصة أن الدير كان يتبع فى فترة من تاريخه كرسى أورشليم "القدس"، مع صور يرجع تاريخها لبدايات تأسيس الدير، وصور لاتينية حملت للدير زمن الحملة الصليبية ولا يوجد ما يضاهى تلك الصور فى متاحف أوروبا حيث أنها تمتاز بالواقعية بعكس الفن البيزنطى الذى يميل أكثر لتمثيل العظمة.

وقد سيطرت الموضوعات الدينية على الكثير من تلك الصور وخاصة الأحداث المهمة فى تاريخ المسيح. يمثل الدير قطعة من الفن التاريخى لحقب متعددة فهناك الفسيفساء العربية والايقونات الروسية واليونانية واللوحات الجدارية الزيتية والنقش على الشمع، إضافة لرفات القديسة كاترين وتوجد بالدير معظمة تحوى رفات جميع الرهبان الذين عاشوا فى الدير.

والجدير بالذكر أنه يسمح بزيارة الدير من الصباح الباكر حتى الظهر وبعد ذلك يغلق أبوابه أمام الزوار ليتفرغ الرهبان لواجباتهم الدينية ويلتزم جميع السياح وغيرهم بالاحتشام فى الملبس عند دخول الدير، وتتوفر هناك أثواب فضفاضة يرتديها من أراد دخول الدير الذى يحوى نزلاً للزوار وبرجاً أثرياً مميزاً للأجراس. وكان المدخل الوحيد للدير باب صغير على ارتفاع 30 قدما، وقد صمم لحماية الدير من الغرباء والدخلاء أما الآن فهناك باب صغير أسفل سور الدير. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg