رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

جامع ميرزا "التحفة المعمارية" .. من أرض الفاسقين إلى مسجد التوبة

القاهرة، مدينة الألف مئذنة، منارة الإسلام فى العالم العامرة بالمساجد، فيها أول مسجد ألا وهو عمرو بن العاص، وفيها أول جامعة ألا وهى الأزهر الشريف، لكل مسجد فيها حكاية باقية أمد الدهر، ومن ضمن هذه الحكايات التى لا يعلمها الكثيرون حكاية جامع ميرزا.

مكان للتنزه

يعد تحفة معمارية بحق يقدرها كل من تقع عيناه عليه، لما يضمه من روائع ونفائس الفن العثمانى بين جنباته وفى كل ركن من أركانه. وبداية، كان هذا المكان مجرى لنهر النيل وكان مغموراً دائماً بالمياه، وفى سنة 700ه - بدأ مجرى النيل فى التحول فانحسرت المياه ليصبح المكان عبارة عن أرض ليس بها سوى زراعات، وبدأ المصريون فى زيارة المكان على أنه متنزه يروحون فيه عن أنفسهم. ثم جاء رجل ونظر لهذا المكان نظرة جمالية اسمه (شرف الدين بن زنبور) وشيد هناك ساقية وعمر المكان أكثر من ذى قبل، واهتم بزراعة أرضه حتى تصير متنزهاً كبيرا، ولم يمهله قدره إذ توفاه الله.

دار للمحرمات والفاسقين يتحول لجامع التوبة

ويحل محله رجل يعرف باسم الحاج محمد بن عز الفراش، قام ببناء منزل على هذه الأرض عاش فيه على مشارف النيل، ولما توفى حل رجل آخر محله يدعى تاج الدين بن الأزرق سكن الدار، لكنه حولها إلى دار للمحرمات وللفاسقين، وعندما ذاع صيته ووصل أمره إلى الناظر الخاص (قائد الشرطة) أمر بالقبض عليه ومصادرة الدار وبيعها، وقام بشرائها الأمير (عز الدين أيدمر الخطيري) الذى هدمها وبنى مكانها جامعًا وأطلق عليه اسم (جامع التوبة)، وقد أحسن عمارة هذا الجامع حتى صار من أجمل جوامع مصر، حيث تألق فى بنائه وعمارته.

 عمارة المسجد

وقام الأمير الخطيرى بشراء أغلى أنواع الرخام ليزين حوائطه، وأقام منبرًا من الرخام يعتبر من آيات الجمال المعماري. وقام بتركيب شبابيك حديدية تشرف على النيل، فكان المنظر منها يسر الناظرين، وقام بجمع عدة كتب دينية ليضعها فى المكتبة التى تولى الإشراف عليها عدد من علماء الدين والفقهاء الشافعية، وقام ببناء عدة بيوت من حوله منها دار له تسمى (دار الأصفر) وقد بالغ فى الإنفاق عليها لدرجة أن كلفها أربعمائة ألف درهم، وتمت عمارتها فى سنة 737هـ. وأقيمت بالجامع أول صلاة جمعة فى العاشر من جمادى الآخر.

هاج البحر وفاض حتى أغرق الجامع والأرض تحت كثبان الرمل والطمى حتى اختفت معالم المكان، فاضطر الأمير الخطيرى لوضع حاجز فى النيل قوامه ألف قارب مملوءة بالحجارة تشكل حاجزا أمام الأمواج، إلا أن الأمير قد بذل من الجهد الكثير حتى يزيح عن الجامع الركام الذى فاض عليه، ليعيده كما كان قبل فيضان النيل. وبعد وفاة الأمير الخطيرى تهدم الحاجز مرة أخرى ليأتى فيضان جديد يقضى على كل ما شيد الخطيرى.

ظل الجامع مجمعاً يقصده الناس بعدما ذاع صيت المنطقة التى أصبحت تجارية من شدة إقبال الناس ومتنزهاً. وفى عام 809ه - أصاب الفيضان نفس المكان فهجره الناس، وبعد انقضائه ترك بصماته على المكان بالكامل كما المرة الأولي. إلى أن أتى رجل اسمه محمد السيد الشهير برمضان البولاقى أو رمضان المجذوب أو الشيخ المبروك الذى أعاد الشعائر للمسجد من جديد وإلقاء الدروس الدينية وتعليم الأطفال قراءة القرآن الكريم على المذهب الشافعى. وبعد فترة رحل عن المكان إلى مساجد أخرى ليعمرها.

جامع ميرزا وتشييده برخام الأناضول

ونعود إلى جامع ميرزا الذى لفت انتباه الأمير مصطفى جورجبى بن سلطان ميرزا من حيث خصوصية المكان، وليس إلى جامع التوبة القديم وأمر ببناء جامع آخر يكون عاليا حتى لا تطوله مياه الفيضان كما حدث من قبل، وأعيد بناؤه بشكل مستطيل رائع الجمال من الخارج والداخل، فوضع الجامع يحير العين من جمال الهندسة المعمارية، وقد بنيت المئذنة على أن تكون مقاومة للزلازل، وبنى السقف بشكل يعتبر من أجمل الأشكال، وحتى يحافظ عليه جعله مغلقاً من أعلى وليس مفتوحا، وجعل فوق السطح أربع فتحات لها مظلات تحتفظ بالهواء وتدخله إلى المسجد. وتحيط الأروقة بأركان المسجد المستطيل من جميع الجهات، ويتكون كل رواق من صف واحد من البوائل ذات ثلاثة عقود مدببة ترتكز على دعامتين من الحجر. أما رواق القبلة فهو أكبر أروقة الجامع وأعمقها ويحتوى على (باكيتين) تحمل كل منهما ثلاثة عقود مدببة، وتمت تكسية صحن الجامع برخام ملون عليه رسوم هندسية دقيقة، وعليه كسوة بديعة من بلاطات الخزف صنعت خصيصاً فى أكبر مصانع العالم للرخام فى ذلك الوقت وهو مصنع لحجر ازنك بالأناضول، وقد صنعت خصيصاً لهذا المسجد ليتميز عن غيره فى هذا الوقت. مقرنصات ضد السرقة ويتوسط جدار القبلة محراب مجوف مزخرف بالفسيفساء الرخامية والصدف.

أما المنبر فهو يعد تحفة جمالية خشبية نادرة صنعته أيدى عمال هم الأمهر فى هذا المجال. وتزين المنبر بنقوش يدوية وعليه زخارف من الخرط، ومن ضمن النقوش آيات قرآنية إضافة لاسم مؤسسه مصطفى جوربجى، وأسفل الجامع توجد عدة مقرنصات لحماية الجامع من الدخلاء أو من يفكرون فى سرقته، وبنى أيضا كتاب ومدرسة لتعليم القرآن والكتابة والقراءة، وكان يوجد أمام الجامع أيضا (مدش ميرزا) وأرض الملح التى كان يجمع فيها الملح الخام وتعاد تعبئته وبيعه، ويستخدم ريع تلك التجارة فى الإنفاق على مدرسة سبيل ميرزا. ولحسن الحظ أن المدرسة هى كل ما بقى بجوار الجامع حتى الآن ليشهد الزمن على أنه كان يوجد من يعمل على صالح البلاد وتنمية شعبها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg