رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

كيف ساعدت تجربة طلعت حرب في الدائرة السنية في تأسيس بنك مصر ؟

جرى تعيين طلعت حرب مباشرة عام 1889 كمترجم بالقسم القضائى بالدائرة السنية، ثم تدرج هذا النابغة في العمل ليصل إلي مدير لأقلام القضايا بهذه الدائرة خلفا للزعيم السياسى «محمد فريد بك»، وخلال تلك الفترة تعلم طلعت حرب الكثير من الاقتصاديات الزراعية وأسباب الديون التي يعانى منها ملاك الأراضي الزراعية، وقد كانت تجربته في الدائرة السنية هى التي ساعدته في إقامة كثير من العلاقات الشخصية، التي ساعدته فيما بعد علي النجاح في تأسيس بنك مصر.
 
  كانت علاقة طلعت حرب بعمر سلطان باشا بداية فترة تحول حقيقي في حياته، فمن خلال عمله بالدائرة السنية خلال تلك الفترة تعرف عليه، ويعد عمر سلطان باشا أحد كبار الملاك والذى كان من أغنى أغنياء مصر، وكان يعانى من اضطراب وتدهور أموره المالية لكثرة ديونه وإسرافه، وكان الرجل صديقا حميما لطلعت حرب، فدعاه للإشراف علي أعماله ووكيلا لإدارتها، وكانت الدائرة وقتها تتطلب إدارة قوية غير عادية واستطاع أن يُحسن من إدارتها وينقلها من الخسارة إلي المكسب، مما جعله يكسب ثقة قوية عمر سلطان بالكامل، وكانت تلك الثقة بداية رسوخ مكانة طلعت حرب المادية والاجتماعية، حيث عُرف لدى أصحاب الدوائر الزراعية بقدرته وكفاءته في إدارة الأراضي الزراعية وإمساك الدفاتر وتنظيم الحسابات، وكان في أسرة سلطان باشا وقتها شاب اجتذبته يد طلعت حرب الذهبية إلي ساحة الحياة الاقتصادية الفسيحة، فسار فيها رائدًا واليد اليمنى للزعيم، ذلك هو الدكتور فؤاد سلطان بك، وعندما تم تصفية الدائرة السنية عام 1905 كان طلعت حرب وقتها قد حصل على لقب بك.
 
 كان عمر سلطان باشا ابن محمد سلطان باشا، الذي قام في أثناء الثورة العرابية بالانحياز للخديو والإنجليز، انحيازًا لا احتشام فيه ولا تحرج، وكان طلعت حرب في تلك الفترة مفعماً بالمعاني الوطنية، وهو من عاصر «مصطفي كامل باشا» و«محمد فريد بك» زعيمى الحزب الوطنى، بل إنه يكاد يكون صورة أخرى من مصطفي كامل باشا، في حماسه لمصر، والتغنى بالحب لها، أحس طلعت حرب في هذه المرحلة بالمعاني الوطنية، في صفائها ونقائها، كما أحس بها مصطفي كامل، وكان هذا فضل «مصطفي كامل باشا» علي مواطنيه ومعاصريه.. أليس هو القائل «لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً».
 
 في هذه الأجواء الوطنية الخالصة، كان طلعت حرب في بداية حياته العملية يدير دائرة «عمر سلطان باشا» الذى كان عضوا في مجلس إدارة الحزب الوطني وأميناً لصندوقه خلال زعامة مصطفي كامل للحزب، وكان «عمر سلطان باشا» قد ضمن مصطفي كامل في دين لبنك «سالونيك» بمبلغ 12 ألف جنيه، وكان في الوقت نفسه مساهماً في جريدة اللواء الفرنسية «الاتندار»، والتي تعثرت ماليا بعد وفاة مصطفي كامل، ونظرا للعقلية الحسابية التي كان يدير بها طلعت حرب العمل فى دائرة عمر سلطان باشا، فقد نصح طلعت حرب صاحب الدائرة عمر سلطان باشا بأن يقبض يده فلا ينفق شيئاً لمساعدة «جريدة الاتندار»، فأطاعه عمر سلطان باشا، مما أدى إلي غضب محمد فريد بك من طلعت حرب، وهاجم طلعت حرب في مذكراته وتم إلغاء الجريدة نهائيا من أول يوليو 1909.
 
ويروى فتحي رضوان أن ما جاء بمذكرات «محمد فريد» زعيم الحزب الوطنى كان صحيحاً دون أدني شبهة، ولم يكن فيه تجن علي طلعت حرب بالنسبة لموقفه من الإنفاق علي الجريدة، ولكنه من وجهة أخرى يعطى صورة عن رجل الاقتصاد الحريص علي مصلحة موكله المالية، وكانت مصلحة عمر سلطان باشا ألا يواصل الصرف علي جرائد «تخسر»، وبالتالي فإن تعاملات طلعت حرب كانت نابعة عن عقلية اقتصادية صميمة بعيدًا عن العواطف الوطنية المتطرفة.. أليس طلعت حرب صاحب مبدأ «من حسب كسب». وبالرغم من الخلافات الفكرية بين طلعت حرب بك ومصطفي كامل باشا، فإنهما كانا من الشخصيات التي تتحلي بالخلق الجميل، فلم تمنع تلك الخلافات مصطفي كامل من تهنئة طلعت حرب عندما كان يستدعي الأمر، بالرغم من خلافاتهما التى ذكرتها الكثير من الكتب والمقالات التي أرخت لتلك الفترة سواء لطلعت حرب باشا أو مصطفي كامل باشا، دون أن يعرف أحد، أو حتى يدعي المعرفة بطبيعة وأسباب هذا الخلاف بينهما.
 
وبالإضافة إلي عمل طلعت حرب كوكيل لأعمال «عمر سلطان باشا»، فقد عمل كوكيل لعدد من ملاك الأراضى المصريين البارزين الآخرين، وكان من بين هؤلاء فؤاد سليم الحجازى ابن لطيف سليم الحجازى، الذي كان من الشخصيات الوطنية العامة، وأحمد بليغ باشا الناظر السابق للدايرة السنية، وتمخضت تجربة طلعت حرب كوكيل لهؤلاء الملاك الكبار عن نتيجتين مهمتين، أولاً.. إقامة علاقات مع عدد من أقوى العائلات، وهي العلاقات التي أفادته فيما بعد للغاية عند تأسيس بنك مصر، وثانياً.. فقد تعلم طلعت حرب مهارة التعامل مع أعضاء الطبقة العليا المصرية ممن كانوا يفوقونه من حيث المكانة الاجتماعية، وكانت هذه مهارة مهمة وضرورية يتعين علي طلعت حرب تطويرها، حيث كان مضطرًا لاستخدامها كثيرًا لتحقيق توازن بين القوي السياسية والاقتصادية المتنافسة في مصر، خلال محاولته إقامة مجموعة شركات بنك مصر.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg