رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

تعرف على أغرب معتقدات العرب والأحباش عند رؤيتهم للطائرة للمرة الأولى

علامة من علامات الساعة عند القرويين بمصر، ورجس من عمل الشيطان عند أهل نجد، وعند الأحباش درب من السحر.هكذا ساد الاعتقاد لدى الناس عندما رأوا للمرة الأولى الطائرة - أو (الطيارة) كما كانوا ينطقونها - تمر في أجواء بلادهم أو تهبط على أراضيهم، فاستقبلها معظمهم بكل دهشة واستغراب.

حلقت فى بدايات الحرب العالمية الأولى أول طائرة فى جو مصر، لكن لم تهبط أي منها طوال فترة الحرب إلا في منطقتين فقط وهما الإسكندرية والقاهرة، وفي عام 1919 اضطرت إحدى طائرات الجيش البريطانى إلى الهبوط فى قرية مجاورة لمدينة بنها تسمى "كفر بطا"، وقد علم أهل المدينة بهذا النبأ فتكاثروا من حولها وتزاحموا، وانتابهم الذهول مع أنهم رأوا قبل ذلك طائرات كثيرة تسبح فى بحور الهواء، لكنهم لم يتصوروا أن ذلك الاختراع العجيب بهذا الحجم الكبير عند اقترابها من الأرض.

 وهو الأمر الذي أدي بشيخ مسن من أهل القرية أن يضرب كفًا على كف ويقول "ولسه ياما هانشوف من علامات القيامة، يا سلام على سخط الله، أصلح الحال يا رب وتوب علينا".

وأراد أحد القرويين أن يعرف كيف ترتفع الطائرة وتشق طبقات الجو فسأل شابًا متعلماً: أين الجناحان؟ فأشار الشاب إليهما، فاشتد عجب الرجل وسأل: ولكنهما ثقيلان، ولكن أين الريش؟ وظلت الجموع واقفة حتى تم إصلاح خلل الطائرة، وعندما أراد الجنديان البريطانيان أن يطيرا بها، كان لابد من إفساح الطريق لها، ولكن رجال الشرطة لم يستطيعوا إبعاد الجموع الكثيرة عن الطائرة، فما كان من قائدها إلا أن أدار محركها فصدر منها أزيز مرتفع فإذا بالجموع تعدوا خائفة من أن يمسهم مكروه.

أما الكثير من المصريين فكانوا قد سمعوا ورأوا الطائرة من قبل، وقد سبق أن شاهدوا عن قرب "المنطاد الطائر"، فعند قدوم الحملة الفرنسية عام 1798 أحضر نابليون بونابرت معه رجلاً يدعى "شارليه" Sharlee، والذي صنع بالونًا ممتلئًا بغاز الهيليوم وأطلقه فى سماء الأزبكية ليبهر الشعب بإحدى عجائب المخترعين الفرنسيين، فأثار ذلك الاختراع دهشة المصريين، ومن بعده المنطاد الشهير للألماني (جراف زبلن) الذي طار فوق حي مصر الجديدة وأهرامات الجيزة، فقد كان تحليق بيت كامل المعدات فى طبقات الجو أمرًا يفوق تصور أي إنسان. إنس أم جان؟

 

 هبطت أول طائرة على أرض السودان عام 1917، ونادى المنادون في مدينة الخرطوم ليعلموا الشعب أن هناك طائرة ستهبط فى المدينة الساعة الرابعة مساء، وسيكون نزولها في الميدان الواقع خلف قصر الحاكم العام، وقد كان قائدها فرنسيًا. ولم تكن الساعة قد بلغت الثالثة حتى احتشد الناس فى فضاء الميدان وأخذ الجنود والضباط الإنجليز يحفظون النظام، وعندما دقت الساعة الثالثة والنصف ولم تأت الطائرة بدأ كبار العشائر يرتابون فى الأمر، وقال قائدهم "والله ما تأتى جال طيارة وبينضحك على عجولنا، ماكينة تحمل الناس وتجرى فى الهواء مستحيل يا زول".

 وعندما قرروا الإنصراف سمعوا صوتًا قويًا يأتي عن بعد، وبدأ يضعف شيئا فشيئًا حتى استقر جسم عجيب على الأرض، فإذا بالسودانيين راكعين على ركبهم ويتلون الفاتحة ويتمتمون بمعانى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

 وما أن هم قائد الطائرة الفرنسى بمغادرة الطائرة ورآه السودانيون بملابسه الغريبة حتى أصابهم الذعر، والتمس بعضهم طريق النجاة، إلي أن طلب حكمدار الخرطوم الانجليزى ثلاثة من سادة العشائر مصاحبًا إياهم لمصافحة الطيار، فقبل اثنان منهم أما الثالث فقد ألح فى الرفض قائلاً "أنا لا أعرف إذا كان الطيار إنسانًا أو شيطانًا، ولا يمكنني أن أصافح الشيطان".

 

حلقت الطائرة فى جو الرياض لأول مرة عام 1925، وكان يقودها جنديان بريطانيان، وعلى الرغم من تحذيرالطيارين من النزول فى أى مكان آهل بالسكان فى نجد، إلا أنهما اضطرا إلى الهبوط فى العاصمة الرياض على مقربة من مقر جلالة الملك عبدالعزيز بن سعود خشية الاعتداء عليهما من الأهالي، ولكن اشتدت دهشة السكان بعد أن أبصروا الطائرة تئز فى الجو حتى رأوها مستقرة على الأرض، ولولا حكمة حاكم المدينة الذى أخبرهم من قبل بأن طائرة إنجليزية ستمر بجو الرياض لما ظهر للطائرة ولا لقائديها أى أثر، حيث أن أعراب نجد ظنوها سحرًا وظنوا راكبيها من عبدة الشيطان!

 ولا يفوتنا هنا أن علماء الدين فى الرياض بمجرد علمهم بهذا الموضوع اجتمعوا وأصدروا فتوى دينية وأرسلوا بها إلى جلالة "الملك عبدالعزيز" فحواها أن الطائرة عمل من أعمال السحر الذى يستعان عليه بالشيطان، ولذلك كان مرورها بجو نجد مدنسًا له، وأوجبوا على كل وهابى أن يغضب لهذه البدعة الخارجة عن أصول الدين، كما أنهم ضربوا مثلاً للطائرة بقصة رجل من أهل نجد كان يحج كل عام إلى مكة وكان لا يبرح مدينته إلا قبل عرفة بيومين مع أن الطريق كان يستغرق نحو ثلاثين يومًا، ومن الغريب ان الرجل كان يلتقى وحجاج نجد على جبل عرفات حتى كُشف أمره فإذا به يعبدالشيطان فكان يأتى إليه فى موعد الحج على جمل فيمتطيه ويطير به إلى مكة!.

هبطت طائرة في عدن بقرية تسمى بالشيخ عثمان وكان ذلك فى أوائل الحرب العالمية الأولي، حيث كان هناك معسكرلإحدى فرق الجيش الإنجليزي، ولم يكد الأهالي يرون الطائرة محلقة في الفضاء حتى وقفوا فى عرض الطريق ينظرون إليها، وعندما رأوها تهبط شيئاً فشيئًا ويكبر حجمها أسرع كلُ منهم إلى داره وأوصد بابه من خلفه. بينما انطلق الكثيرون إلى مسجدى القرية وأخذوا يصلون ويتضرعون إلى الله لكي ينجيهم من نكبة الطائرة وويلات الحرب، وكانوا يكبرون بأصوات مسموعة حتى أثارت تكبيراتهم دهشة الجيش الإنجليزي، فخرج الجند يستقصون الأخبار، وكلف قادة الجيش موظفيهم العرب بمهمة إفهام الأهالى حقيقة أمر هذه الطائرة، فذهبوا إلى المسجدين واندسوا وسط الجموع، ثم أخذوا يخطبون مهدئين من روعهم، وقد ظل الناس فى المسجدين نحو اربع ساعات، ونتيجة لذلك فقد رأى الإنجليز أنه لا مناص من دعوة بعض كبار أهل القرية لرؤية الطائرة عن كثب حتى يقصوا نبأها لمواطنيهم، خشية أن يتكرر هذا الهرج كلما رآها الناس بعد ذلك.

لم تعرف العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الطائرة إلا عام 1927، وكان قائدها فرنسيًا، وكان هبوطها في ساحة منبسطة مغطاة بالحشائش وسط المدينة، فاجتمع الآلاف لمشاهدتها وقد تركها صاحبها فى حراسة رجال الشرطة وبينهم ضباط من الأجانب وغادر المكان متجهًا إلى الفندق. فازدحم الأحباش من حولها وأخذوا يلمسون جوانبها واعتلوا سطحها وجناحها، وفجأة صرخ حبشي مسن بصوت جهورى يدعو الناس أن يبتعدوا عن ذلك الشئ الغريب فهو مؤامرة مدبرة، فابتعد الجميع وذهبوا إلى الفندق الذى ينزل به الطيار يريدون رؤيته ليعرفوا سر هذه المؤامرة، وهناك قال لهم صاحب الفندق اليونانى إنه ليس فى الأمر مكيدة أو سر، بل هو اختراع صناعى حديث كالقطار. لكن المئات ظلوا في أماكنهم حول الفندق نحو سبع ساعات حتى خرج الطيار وقد ارتدى ملابسه العادية وصار شكله لا يختلف عن شكل أى أجنبى آخر فى أديس أبابا. والغريب فى القصة التى رواها أحد التجار المصريين الذى ظل يشتغل فى التجارة بأديس أبابا نحو 15 عامًا أن الطيار لم يكد يصل إلى طائرته حتى رآها مقلوبة على سطحها، والأغرب من ذلك أن رجال الشرطة اشتركوا مع الأهالى فى قلب الطائرة ليكتشفوا سر طيرانها!

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg