رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

العقاد يرصد المؤامرة التى شارك فيها عبدالوهاب وأم كلثوم

لم تعد تلك الجنيهات الخمسة تعنى شيئا فى زمننا ، لكن ورقة بخمسة جنيهات فى زمن ما استطاعت أن ترسم  صورة كاريكاتورية جميلة للكاتب والمسرحي الكبير توفيق الحكيم ،تلك القصة التى لخصها الكاتب الكبير عباس العقاد عن صديقه عندما كتب مقالا ساخرا بعنوان مأتم خمسة جنيهات، حيث رسم العقاد فى مقاله أحد ملامح الحكيم الإنسان وإن كانت خطوطه فى المقال أقرب إلى روح الكاريكاتير، يقول العقاد :

"الأصابع الخمس والحواس الخمس والصلوات الخمس والقارات الخمس والمحيطات الخمسة، هي الخمسات الخالدة التي تمضي الأعوام بعد الأعوام، والأجيال بعد الأجيال، وهي لا تزيد ولا يظن أحد أنها قابلة للمزيد.

حتى أذن الله فزادت منذ أسبوع خمسة أخرى من الخمسات الخالدات التى سوف تتردد على كل لسان ،وهى الجنيهات الخمسة التى دفعها الأستاذ توفيق الحكيم!”

هكذا يرسم العقاد واحدا من ملامح الحكيم فى مقال ساخر، تمتد فيه السخرية مما عرف عنه من "حرص" – ولا يقول "بخل" أبدا - إلى النهاية، من خلال قصة تآمر فيها العقاد وسيدة الغناء العربى أم كلثوم، والموسيقار محمد عبد الوهاب للحصول على تبرع من الحكيم مقداره.. خمسة جنيهات.  

"قبل أن ندخل في تفصيل هذا الحدث الجلل، نسجل اليوم والساعة والدقيقة التى ولدت فيها هذه "الخمسة" الجديدة لأنها جديرة بأن تسجل للتاريخ كما تسجل الساعات التى لم تولد فيها العوالم النادرة والمذنبات المرصودة والطوارق التى لا تخطر على بال فنقول باسم الله ومعونة الله أنها ولدت عند سفح الهرم بمنزل الأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب، فى الساعة الحادية عشرة من مساء الإثنين التاسع عشر من يونيه، لألف سنة وتسعمائة وأربع وأربعين مرت بعد ميلاد المسيح. 

والآن وقد شغلنا بهذا الواجب لحظة، تركنا القارئ فيها فاغرا فاه من دهشة العجب نعود إليه فنسمعه يسأل ويكرر السؤال: دفعها الأستاذ توفيق الحكيم؟ تقول دفعها؟ كيف بالله دفعها الأستاذ توفيق؟ كيف بالله؟!

أي والله كيف؟!

هو نفسه لا يدرى الآن كيف.. وأنا أيضا لا أدرى كيف، ولا يدريها أحد من الحاضرين، وقد كان هؤلاء الحاضرون غير قليلين من أصحاب العيون القوية، والعيون الجميلة، التى تحسن النظر ولا تشك فيما تراه، لولا أنه خارقة من الخوارق التى تضلل العقول قبل أن تضلل العيون.

أفقنا من الدهشة على الأستاذ توفيق الحكيم ملقى على كرسيه فى زاوية بالردهة الطويلة، يقلب كفيه ويقلب قبل ذلك عينيه عسى أن ترجع إليه الجنيهات الخمسة بمعجزة سماوية كالمعجزة التي أخرجتها من حوزته، لولا أن المعجزات لا تتوالى بهذه السرعة في مكان واحد وفى ليلة واحدة.. ولو كانت نقود تعود إلى مكانها من طول الألفة، لوثبت هذه الورقة، من وراء الأكياس المغلقة، وعادت إلى وطنها العزيز فى لمحة عين. ولكن النقود لا تكون بنت الدنيا الغادرة وشبيهة أمها فى كل شىء إن حبسها طول الألفة فى مكان أو منعها أن تتقلب بين فلان وفلان”.

وقد كان ما كان .. وكيف لا يعلم العقاد ولا الحكيم نفسه ما يؤكد لنا.. ولذا فقد أخذوا يستجمعون الذاكرة هو وحضور الواقعة ويسأل "شهود الحادث" ثم يعيد سؤالهم ..

يقول العقاد:

“فيخلص لنا من جميع ذلك أن الحادث قضاء وقدر! وأن عوامل التدبير التى دخلت فيه هى مصادفات . وإن كانت من أقوى المصادفات براعة الفنانة الكبيرة أم كلثوم، ومناورات الحرب التى اقتبست من أحدث طرائف الميادين، وجو الفن، وجو التاريخ، وقليل من الجو "الاسكتش" الذى يسيل في الزجاجات، ويندر حمله فى هذه الأوقات.

ها هو ذا صديقنا الأستاذ بين يدى الفنانة البارعة، وها هى ذى الفنانة البارعة يلهمها الله الذى ألهمها ذلك الغناء الساحر أن تسأله: بكم تتبرع يا أستاذ لنقابة الموسيقيين؟ ويظن الأستاذ أنه المزاح بعينه لأنه لم يألف الجد على هذا الأسلوب، فيقول وهو لا يراجع مقاله: بما تشاءين!

بما تشاءين؟! 

وقع السيد توفيق والله.

وهنا أسرع إليه عشرة أصدقاء ليتهم كانوا عشرة أعداء... فإنهم ما كانوا ليبلغوا منه ما بلغه أولئك الأصدقاء الأعزاء في لحظات معدودات. 

وابتدأت المناورات على خطة غير مرسومة ولكنها أمضى إلى الغرض من كل خطة مرسومة. 

الأستاذ الصاوي يقول: أنا أتبرع بمائة جنيه إذا تبرع الأستاذ بعشرة ، وهذا دفتر الشيكات.

والأستاذ المازني يقول: لست من أصحاب الأطيان وليس معى دفتر شيكات، ولكنى أتبرع بجنيهين لكل جنيه يجود به السيد توفيق.

والأستاذ عبد الوهاب يخلى الميدان ويتشاغل بالمائدة والكراسى، لكيلا يقال إنه استدرج صديقه إلى كمين مخيف فى ذلك المسكن الجميل، وأنه يصوب رصاصة إلى القلب .. والقلب هو الجيب الذى على اليمين"..

ويعترف العقاد بأنه شارك في تلك المزايدة تارة بالجنيهات وأخرى بالكلمات، على مرأى من الصحفيين الذين كانوا يتحلقون حولهم بالقرب من التليفون "لتحضير الملحقات فى منتصف الليل إذا وقع المحظور أو وقع المأمول".

وينخدع صاحبهم الحكيم، ويحسب الأمر مزاحا آمنا.. فيقول وقد أمن عاقبة قوله: "طيب.. قبلت" ، ليواجه برد: طيب هات! هات دفتر شيكاتك ،ويجيب الحكيم: ليس معى دفتر شيكات.

فيرد الحضور: هات كيس نقودك، ويجيب الحكيم صادقا: وليس معى كيس نقود!.

يكمل العقاد الحكاية فيقول:

“ليست وعود الليل مما يذكر فى الصباح، ولا سيما فى هذا الوعد الوبيل، فقد نجا الأستاذ إذن من هول الساعة وزاده الأمل فى النجاة طمأنينة... لكن الساعة قد أعدت من قديم الأزل لأمر خطير، وإذا أعدت الساعة نفذ المقدور وجاءت لأهون سبب، كما يقولون. 

فقبل الليلة بأيام معدودات علمت من صديقنا المازني أن صاحبنا لا يحمل النقود فى كيس ولا فى جيب، ولكنه يحملها في علبة النظارة حيث لا يحلم سارق ولا طامع بأنها هناك، وحيث لا يخطر لأحد أن يسرق نظارة لن تنفعه، وهذا فضلا عن الحكمة الاقتصادية الذهبية التى تحصل بثمن واحد على سلعتين: كيس نقود وعلبة نظارة!.

النقود إذن فى علبة النظارة.. وياله من دليل جديد على قيمة النقود عند صاحبنا الحريص الأديب.. فهى عنده والنظر سيان، وهى والبللور طريق النور.

فذكرت في تلك اللحظة ما أنبأنى به الأستاذ المازنى وناديت فيهم: لا تدعوه يفلت من أيديكم، واطلبوا منه علبة النظارة! وظن الحريص الأديب أننى أقولها اعتباطا أو أقولها وأنا أقصد النظارة التى لا تفيد أحدا من الحاضرين، سارقين كانوا أم ناهبين أم متبرعين لنقابة الموسيقيين. فما أسرع ما قال: وهذه علبة النظارة.

قلت: وهذه هى الخمسة جنيهات!

لم نعثر بها فورا والشهادة لذكاء الأستاذ الأديب. فقد فتحت العلبة فلم يظهر منها فى أول الأمر غير النظارة ومن ورائها الممسحة المعهودة.

وتحت الممسحة ذلك المبلغ المرصود، سحبه الشيطان حامل العلبة فخيل إلينا أننا نشاهد حاويا من أمهر الحواة، يخلق النقود من الهواء !

وهكذا ظهرت أحدث الخمسات الخالدات في التاريخ..وهكذا نفذ قضاء الله ولا راد لقضائه”.

وينصح العقاد ألا يسأل القارئ عما حدث فى بقية السهرة... فهو فى غنى عن السؤال..

“غنت أم كلثوم كأنها قبضت بيديها على كنوز سليمان الحكيم، لا على خمسة جنيهات، وظننا أنها كانت تتغنى بجمال تلك الجنيهات.. وكل يغنى على ليلاه. وكانت ليلانا جميعا – ولا تخص الحكيم وحده – تلك الخمسة الخالدة التى ختمت في آخر الزمان قائمة الخمسات الخالدات .  وخلاصة الليلة أننا خرجنا شاكرين دهشين، نقول للأستاذ عبد الوهاب أقسم بعد الآن وأنت غير حانث أن بيتك هذا قد حصلت فيه معجزة من كبار المعجزات..”.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg