رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

التفاصيل الدقيقة ليوم دفن وعملية تحنيط توت عنخ آمون

كانت مصر فى حرب عنيفة ضد الحيثيين، وكان على قائد الجيش، حورمحب، الاتجاه إلى شمال مصر لمحاربتهم. ويبدو أنه بينما كان حور محب يتجه للحرب،  توفى توت عنخ آمون. 

وحتى وقت قريب جدا، لم نكن نعرف كيف مات. يمكننا أن نعرف سبب الوفاة عندما نستكشف المومياء بالأشعة السينية والأشعة المقطعية، والتى تسمح لنا أن ننظر داخل المومياء دون كسرها. كما يمكننا أن نرى ما إذا كانت هناك أى إصابات يمكن أن تكون خطرة أدت إلى الموت، أو إذا كان لديه مرض فيمكننا أن نرى الكائنات التى تسببت فى هذا المرض داخل المومياء. على سبيل المثال، عندما تم اكتشاف جثة الملك سقنن رع، شوهد جرح على جمجمته سببه فأس خلال معركة ضخمة. وبما أننا كنا نعرف أن سقنن رع كان يقاتل الهكسوس الذين احتلوا شمال مصر فى ذلك الوقت، فيمكننا أن نقول من الجرح الخطير الموجود بجمجمته إنه توفى فى إحدى المعارك ضد الهكسوس.عندما كشفنا على مومياء توت عنخ آمون، لم يكن هناك أية علامات واضحة لجروح أو أمراض، لذلك لم نتمكن من معرفة سبب وفاته. هناك عالم آثار أمريكى يدعى بوب برير خرج بنظرية حول وفاة توت عنخ آمون، حيث وجد برير جرحا صغيرا فى الجزء الخلفى من رأس توت عنخ آمون فى صور الأشعة السينية التى أجريت على المومياء. كان يعتقد أنه ربما قُتل، وربما يكون شخص ما قد أمسكه وضربه فى الجزء الخلفى من الرأس. ويعتقد أن توت عنخ آمون ربما لم يمت فى الحال، لكنه لم يعالج بشكل صحيح إما لأن الأطباء كانوا خائفين جدا من إلقاء اللوم عليهم إذا مات الملك بين أيديهم لذلك تركوه حتى الموت. ولكن معظم العلماء لا يتفقون مع نظرية برير، فيعتقدون أنه ربما مات لأسباب طبيعية، أو كان قد أصيب بحادث أدى إلى إصابته فى رأسه، ولكنهم ضد نظرية القتل. ومن أجل وضع حد لهذا الخلاف، أجريت تحقيقًا جديدًا لاختبار ما إذا كانت نظرية برير صحيحة أم لا.

فى أحد الأيام الغائمة، كانت الساعة 4:30 مساء عندما بدأ السياح يغادرون وادى الملوك. حينها اندلعت عاصفة ممطرة بينما كنت أقف هناك مع مساعدى، وكنا نفكر كيف يمكننا جلب مومياء توت عنخ آمون خارج مقبرته بأمان بعيدًا عن هذا المطر ليتم دراستها بالأشعة. ذهبت داخل المقبرة وفتحت أغطية التابوت. وبينما كنت أحدق فى وجه الفرعون الشاب، شعرت بالهدوء والسعادة، كانت لحظة لن تنسى أبدا. كنت أنظر إلى وجه التاريخ.

ومع مرور الوقت توقف المطر، حينها أخذنا المومياء من تابوتها، حيث وضعها كارتر قبل أكثر من 80 عاما. تمكنا من وضع المومياء على الجهاز والذى التقط لها 1700 صورة فى ساعة واحدة. ثم وضعنا المومياء داخل التابوت مرة أخرى وأغلقنا الغطاء قبل أن نعود إلى القاهرة. تمت دراسة الصور التى أخذها جهاز الأشعة لمدة شهرين تقريبا من قبل فريق من العلماء والأطباء. ثم جاء فريقان آخران من إيطاليا وسويسرا للتحقق ومطابقة نتائج الفريق المصرى. وفى يومى 4 و 5 مارس 2005، عقد الفريق بأكمله اجتماعا للحديث عن نتائج عمليات الفحص.

ويعتقد الفريق أن توت عنخ آمون توفى فى سن الـ 19، كما اعتقد الفريق الذى عمل مع كارتر فى دراسة المومياء أيضًا أنه توفى بين سن 18 و22. وكان الملك توت يتغذى جيدا عندما كان على قيد الحياة، ولم يكن لديه أية أمراض خطيرة، فكانت أسنانه بحالة ممتازة، ولكن كان هناك شق صغير فى سقف فمه، مما يعنى أن جانبى سقف الفم لم ينموا معا بشكل 

 

 فى عام 2010، اختبرت مومياؤه باستخدام تقنيات اختبار الحمض النووى الحديثة، ووجدنا أنه كان يعانى من مرض الملاريا الذى جعل مناعته للعدوى ضعيفة جدًا، وحتى يحتمل أنه قد مات من الالتهابات.

أعطتنا الأشعة المقطعية العديد من القرائن وكشفت بعض الأسرار المهمة. ما زلنا لا نعرف على وجه اليقين ما السبب الذى أدى إلى وفاته. لكنى أعتقد أنه أصيب بحادث كسر ساقه قبل ساعات قليلة من وفاته. وبسبب مرض الملاريا ومناعته الضعيفة، زادت إصاباته بسرعة، وأصبحت خطيرة، وقتلته.

لم يكن لدى توت عنخ آمون أى أبناء ليأخذوا العرش بعد وفاته، لذلك توقع الناس أن حورمحب القائد العام للجيش سيصبح الملك القادم. لكن، حورمحب كان يقاتل الحيثيين فى الشمال ولم يكن حاضرا فى مصر ليأخذ العرش. لذلك، كان آى، أقرب رجال الملك ومستشاره الحكيم، تولى العرش وأصبح ملكا بعد توت عنخ آمون. حتى إنه تولى رعاية دفن توت عنخ آمون وإتمام جنازته حتى إنه أعد مقبرته بنفسه.

كان من واجب الملك القادم أن يدفن الملك المتوفى ويعد جنازته. وكان توت عنخ آمون صغيرًا جدًا عندما أصبح ملكًا، لكنه ربما قام بنفس الطقوس لدفن نفرتيتى وسمنخ كارع، كما كان آى مسئولًا عن جنازة توت عنخ آمون حتى إنه ظهر فى أحد المناظر المرسومة فى مقبرة توت عنخ آمون، وهو يقوم بطقوس محددة عادة ما يقوم بها الخليفة أو الابن البكر للشخص المتوفى. ربما اختار آى هذا المنظر كى يؤكد للجميع بأنه قام بواجبه ودفن الملك وهكذا يمكن أن يصبح الملك المقبل. 

بعد وفاة الملك، تم نقله إلى مكان يسمى البيت الجميل أو «بر نفر»، حيث يتم تحنيط جسده فى 70 يوما. لتحنيط الملك بشكل صحيح، قام المحنطون بعمل شق صغير فى الجانب الأيسر من البطن لإزالة أعضاء الجسد، حيث أزالوا الرئتين والكبد والأمعاء والمعدة، ليتم تجفيفها بشكل منفصل ولفها فى الكتان، ثم وضعوا كلا من الأعضاء الأربعة داخل توابيت صغيرة أو أوانٍ، ووضعوا تلك الأوانى داخل صندوق مربع جميل من المرمر. وينقسم هذا الصندوق إلى أربعة أقسام مربعة، وكان لكل قسم غطاء على شكل رأس الملك يرتدى غطاء الرأس «النمس». ولكن، ربما كان هذا الصندوق مخصصًا لملك آخر، لأنه إذا نظرت إليه عن قرب، سترى أن وجه الملك على الأوانى الصغيرة والأغطية ليس وجه توت عنخ آمون.

كما أزال المحنطون المخ لأنه ناعم وعندما يتحلل فإنه يمكن أن يجعل المومياء كلها تتحلل، وبالتالى تفشل عملية التحنيط. لذلك سحب المحنطون المخ من فتحة الأنف. وبعد إزالة الأعضاء، وضعت جثة الملك على سرير ملىء بملح خاص يسمى بملح النطرون لتجفيفه والحفاظ عليه. وترك الجسم فى ملح النطرون لمدة 40 يوما. ثم بمجرد أن جف الجسم يتحول إلى مومياء، ثم تم لف المومياء بعناية فى لفافات من الكتان ثم وضع المحنطون المجوهرات والتمائم على المومياء وبين اللفافات، وفى النهاية، قاموا بوضع قناع ذهبى يظهر وجه الملك وهو يرتدى غطاء الرأس النمس ليغطى رأس المومياء وكتفيها.

وقناع توت عنخ آمون هو حقا تحفة فنية رائعة، وجهه من الذهب الخالص، وحاجباه من اللازورد المستورد من الأراضى التى تقع فيها إيران اليوم، وعيناه مصنوعتان من الكوارتز الأبيض والأوبسيديان الأسود. أما غطاء الرأس فصنعت شرائطه من الذهب والزجاج الأزرق. أما اللحية الإلهية الملتصقة بوجه توت عنخ آمون فى القناع فكانت مصنوعة من الذهب واللازورد. ونرى الكوبرا الذهبية الصغيرة ممثلة مصر السفلى وأنثى العقاب ممثلة مصر العليا على جبهة القناع لحماية الملك للأبد. ويشمل القناع قلادة واسعة حول الرقبة تغطى صدر الملك، وتسمى فى المصرية القديمة قلادة «الأوسيخ». والجزء الخلفى من القناع منقوش  بنص سحرى  يدعو للمعبودات مثل أنوبيس، رب الجبانة، ورع، رب الشمس، وحورس الصقور، بتاح-سكر، رب الموتى، ومعبودات أخرى أيضا الذين لعبوا دورا مهمًا فى حماية الملك فى رحلته إلى الآخرة.

بعد وضع القناع على رأس الملك وتغطية كتفيه، كان الجسم مغطى بمادة الراتنج الحافظة بينما ظل الكهنة يرددون بعض الصلوات. وأخيرا، أصبح الملك الآن مستعدًا للتحرك، حيث  تم وضعه فى تابوته الذهبى وساروا به إلى مقبرته فى موكب ضخم.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg