رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

هيلين كيلر ..قاهرة الصمت والظلام

إذا كان المتنبى قد ادعى يوما – على سبيل المبالغة والمجاز - أن أدبه يفتح عينى الأعمى وكلماته تسمع من به صمم، وذلك حين قال: أنا الذى نظر الأعمى إلى أدبى / وأسمعت كلماتى من به صمم

 فإن تلك المعجزة التى عاشت بين المحبسين الصمم والعمى لمدة 88 عاما حققت تلك الأعجوبة على أرض الواقع، فقرأت وسمعت وكتبت لا بعينيها اللتين أطفئتا ولا بأذنيها اللتين سدتا ولا بلسانها الذى انعقد، ولكن بروحها وقلبها وعقلها وبصيرتها، إنها هيلين كيلر تلك السيدة التى ظلت حياتها الخاصة رمزا للأسطورة واستطاعت بعزيمتها أن تقهر الصمت الذى يعقد لسانها والظلام الذى يلف عينيها.

 

ولدت هيلين فى ولاية ألاباما بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 27 يونيو عام 1880 وقبل أن تبلغ الثانية من عمرها أصيبت بمرض أفقدها السمع والبصر وبالتالى النطق، إلا أنها بإرادتها الحديدية تغلبت على إعاقتها وأصبحت شخصية دولية معروفة، ولم تكن كيلر فى أثناء طفولتها هادئة الطباع، بل كانت تحرك شفتيها بعصبية، وتومئ كالمتكلمين من دون أية نتيجة، ودون أن يفهم تعبيراتها أحد، فتغضب كثيرا وتصرخ وترفس إلى أن تصاب بالإعياء، لكن والدها قرر وضع حد لذلك فأخذها إلى د. ألكسندر جراهام بل الذى نصحه بمخاطبة معهد بركنز للمكفوفين فى بوسطن .

 

العظيمة آن سوليفان

وفعلا وقبل أن تتم هيلين السابعة كان المعهد قد أرسل إليها معلمة لتتولى تدريبها، وهى آن سوليفان، تلك المعلمة والإنسانة العظيمة التى دخلت حياة كيلر 1887 ولم تخرج منها إلا إلى القبر عام 1936، وكان هدف سوليفان الأساسى هو تحويل كيلر من مسخ إلى طفل عاجز ومن ثم إلى إنسان «غير منقوص».

استطاعت سوليفان أن تتواصل مع هيلين باللمس واستخدمت معها أبجدية يدوية خاصة بحيث تعنى كل لمسة حرفا ما، وبالتدريج استطاعت أن تربط الأشياء بمسمياتها وحين استوعبت ذلك بدأ التطور السريع فى ملكاتها، ففى خلال فترة وجيزة كانت قد تعلمت الأبجدية وبعد مرور عام تعلمت 900 كلمة، كذلك استطاعت دراسة الجغرافيا من خلال خرائط صيغت على أرض الحديقة، وعندما أكملت عشر سنوات كانت تستطيع أن تكتب وتقرأ بطريقة برايل فأصبح بإمكانها الاتصال بالآخرين عن طريقها. 

 

وفى عام 1890 علمت هيلين أن فتاة نرويجية مثلها صماء عمياء بكماء، قد دربت على الكلام فطالبت هيلين معلمتها بضرورة تعليمها الكلام، فأخذتها سوليفان إلى المعلمة (سارة فولر) رئيسة معهد هوراس مان للصم فى بوسطن، وبدأت المعلمة تعليمها الكلام بوضع يديها على فم هيلين فى أثناء حديثها لتمس بدقة طريقة تأليف الكلمات باللسان والشفتين، وكانت المهمة شاقة وعسيرة، وأصدرت هيلين أصواتا لم يفهمها أحد، ثم أخذت تجتهد لكى تحسن النطق واللفظ، إلى أن تحسنت عاما بعد عام، فيما يعد من أعظم الإنجازات الفردية فى تاريخ تأهيل المعوقين، إلا أنها ظلت دائما فى حاجة ماسة إلى مترجم لأن صوتها كان غير مفهوم .

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg