رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الدهشة.. و«الأمير الصغير»

بقلم رئيس التحرير

زينب عبدالرزٓاق

    «الأمير الصغير» «Le Petit Prince» 

    رواية صغيرة للكاتب الفرنسى أنطوان دو سانت أكزوبيرى «1900-1944»  صدرتْ عام1943 أى منذ خمسة وسبعين عامــًا ، كتبها فى لحظة غريبة من حياته، كان منفيًّا فى نيويورك عام 1942، ولم يشهد نجاحها الكبير، وهى من أكثر الروايات التى حيـّـرتْ الملايين من البشر منذ صدورها وحتى الآن ، وقد اختارتها صحيفة لوموند من بين أفضل كتب القرن العشرين فى فرنسا، وقد تــُـرجمتْ إلى أكثر من 230 لغة. ووصل رقم مبيعاتها إلى أكثرمن 80 مليون نسخة.. كما أنّ الرواية حافظتْ على نسبة مبيعاتها فى جميع أنحاء العالم ، حيث تــُـحقق أكثر من مليون نسخة سنويًا.

    وبالرغم من أنها رواية قصيرة للأطفال ، فقد أصبحتْ كتابـًـا للكبار ، وقال عنها كبار النقاد فى العالم إنها إحدى أعظم روائع الأدب الفرنسى، وواحدة من أهم وأشهر روايات أدب الأطفال فى العالم، على حد سواء، لأنها تحمل أسئلة كونية عميقة، بل إنّ بعض الدول وضعتها فى مناهج التعليم بالمدارس، كما حدث فى إيران فى أثناء حكم الشاه.   

    تدور القصة التى تقع فى 28 فصلا، حول القيم الإنسانية النبيلةـ و رمزية الأخلاق.. فبطل الرواية طفل بقدرات خاصة يترك الكوكب ويسافر عبر الكون بمغامرات ظريفة بريئة ينقل من خلالها أهمية أنْ تكون متفائلًا، تحمل حلمًا ومفاتيح للكون كالأمل وإدراك قيمة الحياة، فى عالم برىء رومانسى هربـًـا من  سلوكيات الكبار غير المبررة، وجهلهم بعالم الصغار الذى تغمره الدعابات والرغبة فى التحليق والخيال الحر.

    تبدأ القصة بفتى يرسم ثعبانــًـا يبتلع فيلا، فيستغرب المحيطون به، فالناس لا تفهم ما يرسم، فتتحول الرسمة إلى حقيقة، و يقوم الثعبان بابتلاع الفيل بالكامل. فيخاف الناس فيترك البطل مهنة الرسم، ويبدأ العمل بالطيران، لكن طائرته تتعطل بالصحراء ليجد نفسه فى أحداث القصة مع الأمير الصغير، القادم من كوكب بعيد.. هو مرآة للطفل الرسام- الطيّار- أو أنطوان دو سانت أكزوبيرى نفسه، الذى يعرف أنّ الكبار لا يصدقون الأشياء بسهولة، ويميلون دائمـًـا للتفكير والشك فى الحقائق والأرقام التى يسيّرون بها حياتهم، وبها يفهمون ما حولهم، فيـُـرقــّـم ذلك الكوكب ويطلق عليه (الكوكب بـ 612) عسى أنْ يـُـصـدّق أولئك الذين لا يسألونك عن صوت صديقك، ورياضته المفضلة، وحبه للفراشات، بل يسألون دائمــًـا عن عمره، وعدد إخوته، وكم تبلغ ثروة أبيه، ويجسّد أكزوبيرى قوة العلاقة، وصفاءها  لعمق البراءة بين الطفل الرسام - الطيّار والأمير الصغير- عبـْـر طلب الأخير من الأول أنْ يرسم له خروفاً وبيتــًـا صغيراً لذلك الخروف. وبذلك يـُـعيده إلى صلته الأولى بذاته، وإلى ثقته بقدراته التى حاول الكبار زعزعتها، كما يتحدث له عن عالم مختلف فى كوكبه الصغير، حيث زهرته الوحيدة المتفتحة بزينتها وعذوبة ألوانها، وما يوفره لها من غذاء وستر يحميها من تيارات الهواء .

    يبدأ الطفل دعاباته الساخرة من عالم البشر، عبـْـر أفكار ورحلات الأمير الصغير بين الكواكب، فهنالك الملك الذى يرى كل الناس رعايا وعبيدًا، معتقدًا بأنّ فى يده مقاليد كل شىء ، وعلى النجوم أنْ تـُـطيعه ! ويوجد الشخص المغرور فى كوكب آخر ويبحث عن المُـعجبين، وعمن يـُـصفق له، وإنْ كان أميرًا صغيرًا فى زيارة طارئة، أما مدمن الخمر ففى كوكب ثالث، يسكر كى ينسى أنه خجلان من الشُرب، حيث يعيش وحيدًا. بينما رجل الأعمال، فى كوكب رابع مشغولاً بعدِِّ النجوم فى السماء، موهمـًـا نفسه بأنه يمتلكها بمفرده، وبأنها ستجعله يومـًـا ما غنيـًًّا. أما الكوكب الخامس الذى لا تكفى مساحته لأكثر من قنديل، فقد أصبحتْ سرعة دورانه (طوال اليوم) دقيقة واحدة تكفى لإضاءة القنديل وإطفائه فقط ، ولم يفكر مُوقد القنديل، فى أنه بمجرد أنْ يخطو بضع خطوات سيكون فى نور الشمس، فلم يرغب الأمير الصغير فى إحراجه، وأنْ يجعل منه أضحوكة مثلما فعل آخرون، بل تمنى أنْ يكون صديقــًـا له، ولكن كوكبه لا يتسع لاثنين .   وفى الكوكب السادس، حيث يعيش مؤلف كتب الجغرافيا، الذى لا يعرف شيئــًـا عن تضاريس كوكبه، لأنه يعتمد دائمـًـا على ما يرويه المستكشفون الآخرون .وحينما يصل الأمير الصغير إلى الكوكب السابع - الأرض - تتضح فكرة المؤلف عن كواكب الأمير الأخرى، وهى لم تكن فى نظره إلا (صورة زائفة) أراد بها الدعابة والسخرية من مُـروجى خطاب مخاطر الكثافة السكانية على كوكب الأرض وبأنّ البشر يحتاجون إلى السكن فى كواكب أخرى، فالأمير الصغير لا يـُـصادف بشرًا فى تلك المساحة الواسعة من الأرض. ولكن الكبار، كعادتهم فى عدم الفهم، فإنهم لا يصدقون إنْ قلتَ لهم إنه بالإمكان تكديس سكان الأرض فى جزيرة صغيرة من جزر المحيط الهادى، وذلك لأنّ إحساسهم بالتسلط ، والغرور، والطمع، وعبادة الأرقام، يجعلهم يعتقدون دومـًـا أنّ مساحة كوكب واحد لا تكفي. 

    بعد ذلك يحكى الأمير الصغير القادم من الكوكب بـ 612 رحلته عبر الكواكب التى رأى فيها كل أشكال السلوك البشرى، وفى الأرض يقابل الأمير الصغير الزهور والجبال والورود والثعالب والثعابين، وتتوالى أحداث القصة فى صورة رمزية رائعة إلى نهايتها, وهى موت الأمير جسديًّا وبقاء روحه حية.. وذلك وفق ما رواه بطل القصة، لأنّ جسمه يعيقه من العودة إلى كوكبه الذى كان قد تركه بسبب خلاف بينه وبين محبوبته الوردة المحبوسة فى زجاجة !! .  مؤلف الرواية أنطوان دو سانت إكزوبيري، كان منتميــًـا إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية، مات والده وهو لم يزل بعد فى الرابعة من عمره، وقام بأول رحلة جوية وهو فى الثانية عشرة، يقول عنه أصدقاؤه إنه لم يكن يحب فى الحياة سوى اللعب والغناء والرسم. مات وهو يقوم بإحدى المهام الاستطلاعية فى الحادى والثلاثين من يوليو عام 1944، غير أنّ جثمانه لم يتم العثور عليه إلاّ بعد رحيله بأربعة وأربعين عامـًـا، عندما تـمّ اكتشاف رفاته على الساحل الفرنسى قرب مدينة مارسيليا. ويقول النقاد عن أنطوان دو سانت إنه كان يـُـحاول فى كل كتاباته أنْ يجد معانى لكل سلوكيات وتصرفات البشر فى مجتمعه، كما حاول أنْ يـُـحلل القيم الأخلاقية فى المجتمع الحديث، أما روايته الأمير الصغير ، فتستمد خصوصيتها من حياة كاتبها، الذى انشغل بالهمّ الإنسانى وسعى إلى الغوص فى أعماقه ، عبــْـر التأمل والحكمة باحثاً عن المعنى الروحى للوجود. 

    ولكن من أين استوحى أنطوان دو سانت حكاية الأمير الصغير؟ يقول جان بيار جينو، المتخصص فى أدب أنطوان دو سانت إكزوبيرى إنه استوحاها من طفولته، فى المقام الأول، فالطفولة بالنسبة له هى مرادفة للدهشة الدائمة والقدرة على أنْ نعيش الأشياء باستمرار كأننا نعيشها للمرة الأولى، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ شخصية الأمير الصغير، رافقتْ إكزوبيرى سنوات طويلة قبل صدور كتابه. ولا شك أنّ رسالة «الأمير الصغير» الأساسية تتمثل فى أنّ حياتنا 

    لا معنى لها إلا عندما تلتقى مع حياة الآخرين، هذا هو سر الأمير الصغير، وهذا ما يفسر نجاحها الكبير لدى شعوب كثيرة. لقد أراد المؤلف أنْ يقول لنا : علينا ألا ننسى أبدًا طفولتنا، بمعنى ألا ننسى القدرة على الحفاظ على براءتنا وأسئلتنا ودهشتنا بالأشياء الجميلة حولنا، ونتخيــّـل أنّ كل صباح يأتى، هو الصباح الأول على الأرض، فالدهشة هى البراءة.. هى بداية المعرفة الإنسانية.

    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg