رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

وزارة شئون العزلة

بقلم رئيس التحرير

زينب عبدالرزٓاق

    حادثتان مأساويتان داميتان كلتاهما تدين الجميع، كلتاهما تــُـنبهنا إلى خطورة الغفلة والقسوة والعزلة التى باتت تسطو على حياتنا ومشاعرنا وقلوبنا. الحادث الأول: عثرتْ السلطات المصرية على جثة رجل مسن بالساحل، نُهشتْ أجزاءٌ من جسده بطريقة وحشية، تبين لاحقا أنّ (الفاعل) مجموعة من القطط .. وهذا الشخص كان يعيش بمفرده، وحيدًا، مات هذا الرجل.. ومرّتْ الأيام والقطط بلا طعام ، ولما اشتدّ بها الجوع نهشتْ جثة الرجل،  لا أستطيع سرد تفاصيل المشهد لبشاعته.

    الحادث الآخر، أكثر بشاعة وهو نهاية مأساوية لسيدة مُـسنة عاجزة عن المشى، بالإسكندرية ماتت داخل شقتها.. والسبب معلوم وهو جحد الأبناء بآبائهم ولم يتم اكتشاف الأمر إلا بعد أنْ تحلــّـل جسد السيدة دون أنْ يشعر بها أحد، وأقرّ الطب الشرعى أنّ الوفاة حدثتْ منذ شهر ونصف الشهر.

    الحادثتان وقعتا فى حيين شعبيين مكتظين بالسكان، وبالرغم من ذلك لم يشعر بهما أحد على الإطلاق. وقد يقول البعض لا قياس على هاتيْن الحادثتيْن، ولكن الحقيقة التى يجب الاعتراف بها هى أنه بالرغم من الزحام والتكدس الذى نحياه إلا أننا أصبحنا أقرب للجزر المنعزلة: فالعلاقات الأسرية تتباعد، والأبناء مشغولون، والأصدقاء أيضًا، قد يكون السبب الأول هو قسوة الحياة وسرعتها، والتحديات التى تواجه كل إنسان سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، فقيرا، عاطلا، أو من أصحاب الملايين.

    يتأكد ذلك عندما نتأمل ظاهرة طبيعة العلاقات الأسرية- بصفة خاصة- والعلاقات الاجتماعية عمومـًـا، حيث أصبحتْ تلك العلاقات تتم عبـْـر الرسائل النصية (عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى) وصارتْ هى الوسيلة المُـتبعة فى السؤال عن الآخر، سواء كان هذا الآخر، الأم أو الأب أوالأشقاء، وحتى المشاركة فى الأحزان والأفراح، بل الخطورة وصلتْ لدرجة أنّ الأبناء يكتفون بالرسائل الإلكترونية للاطمئنان على الأم والأب.. ووصل الأمر لدرجة أنّ بعض الأزواج يقومون بتطليق زوجاتهنّ عبـْـر (الواتساب) ودار الإفتاء مُـتردّدة وحائرة بين إجازة هذا الطلاق ورفضه!!. وفى أيام الأعياد انتشرتْ ظاهرة (التهنئة التقليدية) بواسطة الرسائل المُعدة سابقــًـا.. ومكتوبة بصغية واحدة للتهنئة بالعيد (كأنها مجرد أداء واجب)، وبديل عن الاتصال التليفونى، المُـفعم بحميمية الصوت الإنسانى ودفء المشاعر، الصوت الذى يـُـعبــّـرعن صدق العلاقة، أما الزيارات المباشرة فقد باتتْ (موضة قديمة) وترتب على ذلك أنّ تلك الظاهرة أصبحتْ سمة عامة فى الحياة الحديثة ونتج عنها: الوحدة والاغتراب وبرودة المشاعر والقسوة ونضوب المودة الصادقة . والسؤال هل علينا أنْ نــُـفكــّـر فى استحداث وزارة جديدة اسمها «وزارة العزلة» كما فعلتْ بريطانيا العام الماضى، فقد أعلنتْ رئيسة الحكومة البريطانية، تريزا ماى، أنها عيــّـنتْ وزيرة للعزلة، وقد فــُـزعتْ الحكومة البريطانية من نتائج دراسات استقصائية تشير إلى أنّ أكثر من تسعة ملايين شخص «دائمًا أو غالبًا ما يشعرون بالوحدة»، فى حين أفاد نحو 200 ألف من المُـسنين بعدم إجراء محادثة مع صديق أو قريب لأكثر من شهر.  وقالت تريزا ماى: «بالنسبة للكثير من الناس، فإنّ الوحدة هى الشىء المُـحزن للحياة الحديثة، وأنا أريد أنْ أواجه هذا التحدى فى مجتمعنا.. وأنْ نفعل كل ما فى وسعنا للتصدى لهذا المرض». هذه الوزارة لم يسبق لها مثيل فى جميع أنحاء العالم، وهى لمعالجة مشكلات الصحة العامة الحديثة المُـرتبطة بالعزلة الاجتماعية التى تؤثر على الملايين من الشعب فى بريطانيا. فهل نحن بحاجة لوزارة تحمل هذا المسمى «شئون العزلة» لتساعد فى حل هذه الكارثة أم يعتبر الأمر بسيطــًـا، لا يستحق الحل أو التوقف أمامه؟ وأخشى أنْ يقول البعض: هذا «ترف» لا تتحمّـله ظروف مصر الاقتصادية، بينما الاهتمام بالصحة العامة، سوف يـُـحقق «ثروات ضخمة» تـُـضاف إلى موارد الدولة لو راعينا الحقيقة التى أكــّـدها علماء الاقتصاد وعلماء علم الاجتماع فى دراساتهم عن (الشخصية المصرية)، وهى أن المجتمع المصرى يتمتع بميزة اقتصادية نادرة اسمها «الثروة البشرية».

    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg