رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

كيف أرَّخ المصريون لثورة 1919

 
 
كيف أرَّخ المصريون لثورة   1919 
 
          بقلم:
 د. عاصم الدسوقى 
 

 

 

العقاد: لا يوجد تناقض بين العاطفة والعلم عند الكتابة عن زعيم الأمة

محمد حسين هيكل ينتصر لعدلى يكن ضد سعد .. وسنية قراعة ترى "صدقى" الزعيم الأوحد

الرافعى: فى حديث «الباشا» للمندوب السامى مواطن ضعف ملموسة لا يمكن السكوت عليها

كامل سليم: الانشقاق وقع بسبب الخلاف بين الزعيم والسياسى.. فالأول يخدم الحق والآخر يخدم المصلحة

شهدى عطية: حركة التوكيلات أثارت وعيا جماهيريا، إلا أن القيادة لم تفكر فى تنظيم هذا الوعى

مصطفى أمين: لم يكن خلافا بين زعيمين وإنما كان بين حق الشعب وحق السلطان


 

 فى 9 مارس من 2019 تمر مائة عام على «الثورة الأم».. ثورة 1919، نبتة الليبرالية المصرية وثمرتها فى الوقت نفسه، وهى التى وصفها الرافعى بأنها كانت ثورة سياسية بكل معانى الكلمة، فلم يشبها تعصب دينى أو صراع طبقى أو اجتماعى، بل كان رائدها الوحدة القومية.. وحدة التكوين.. ووحدة الهدف، حتى أن سعد باشا زغلول تحدث عن الغرض من تشكيل حزب الوفد مستهجنا: «إن الذين يقولون إننا حزب يسعى للاستقلال.. إنما يلمحون إلى أن هناك حزبا آخر لا يسعى للاستقلال».. فالرغبة فى الاستقلال والخروج من التبعية كانت هدفا لكل المصريين على اختلاف رؤاهم وتوجهاتهم.

 

وفى هذا الملف تستعرض «ديوان الأهرام» الحركة السياسية المصرية قبل وفى أثناء الثورة، كما تستعرض الحراك الفنى والأدبى، ودور المرأة المصرية فى النضال ضد المحتل، إضافة  إلى شركاء سعد زغلول فى الكفاح .. وغير ذلك من أسرار وحكايات ثورة 1919 المجهولة أوالمنسية، والتى نضعها بين يدى القارئ .. وثيقة للتاريخ.

 

العقاد: لا يوجد تناقض بين العاطفة والعلم عند الكتابة عن زعيم الأمة

 

 

هناك نوعان من الكتابات عن ثورة 1919: نوع تم نشره قبل عام 1952، وآخر كتب بعد ثورة يوليو 1952. وهذه الكتابات بشكل عام اهتمت أكثر بإبداء الرأى فى الخلاف الذى شجر بين قيادات الثورة، وخاصة بين سعد زغلول وعدلى يكن أكثر من تسجيل أحداث الثورة ومسيرتها (التأريخ)، فيما عدا عبد الرحمن الرافعى الذى خصص جزءين فى مجلد فى سلسلة تاريخ مصر القومى التى نشرها تباعا، بعنوان "ثورة 1919: تاريخ مصر القومى من 1914-1921"، ونشره فى أبريل عام 1946، وإن لم يخل من إبداء الرأى فى المواقف وإصدار أحكام أخلاقية على تصرفات القيادات هنا وهناك، مما يخرج بدراسة التاريخ عن الموضوعية إلى الذاتية.

 

 

ومن الملاحظ بداية أن كاتبًا معاصرًا للأحداث وهو الصحفى محمود أبو الفتح كتب فى عام 1921 كتابه "المسألة المصرية والوفد" يقول: لم يحن بعد الوقت الذى يصح فيه للكتاب أن يتناولوا أعمال الوفد بالانتقاد أو الفحص، أو أن يصدروا حكما فى شأنهما، إذ لا تزال هناك ظروف تحول دون ذلك، وقال: "إن الخدمات التى أداها الوفد للقضية المصرية كبيرة" (ص 89، 125).

وفى عام 1936 أصدر عباس العقاد كتابه "سعد زغلول: سيرة وتحية" وكان أول كتاب شامل ينشر آنذاك عن حياة زعيم ثورة 1919 منذ مولده وحتى وفاته، فى إطار عاطفى تحية للزعيم دون إشارة لأحداث الثورة (628 صفحة). وقد حاول العقاد تفسير ظهور شخصية سعد زغلول وتزعمه للثورة حيث فرق بين قيادة مصطفى كامل للروح الوطنية بالاتكاء على الرابطة العثمانية وبين قيادة سعد زغلول التى كانت تضرب فى السلطة الإنجليزية والرابطة العثمانية معليًا شعار "مصر للمصريين". ويلاحظ أنه كتب عن سعد زغلول من منطلق الولاء والحب الشديد له والإيمان الذى لا يتزعزع بزعامته حيث أخذ جانبه فى كل ما عرض من قضايا. وحتى لا يتهمه أحد بالكتابة العاطفية عن سعد زغلول قال: إنه لا يوجد تناقض بين العاطفة والعلم عند الكتابة عن سعد زغلول، وإنه فى كتابته عن سعد خضع للصداقة وللعلم فى آن واحد، بل رأيناه يقول: إن الكتابة عن عظيم من العظماء لا تستقيم إلا بقدر من المودة لذلك العظيم.

ولكن كلما بعد العهد عن وقائع الثورة كلما كان هناك ميل لإصدار أحكام تقديرية فى ضوء الانتماءات الحزبية. وفى هذا الخصوص تأتى كتابات عبد الرحمن الرافعى المحامى عضو الحزب الوطني. ففى تأريخه لمقابلة 13 نوفمبر بين سعد زغلول وعبد العزيز فهمى وعلى شعراوى والمندوب السامى البريطانى (السير ريجنالد ونجت) يقول: إن فى حديث سعد زغلول مواطن ضعف ملموسة لا يمكن السكوت عليها حين تعهد بإعطاء إنجلترا الضمانات المعقولة التى تكفل مصالحها فى مصر (كتابه: ص 3-6). ثم يقول: إن الثورة نجحت فى إلغاء الحماية والاعتراف باستقلال مصر وإلغاء الامتيازات الأجنبية فى عام 1937 (ص 242-261)، أى بعد أحداث الثورة بخمسة عشر عامًا؟؟.. ومع ذلك أدان سعد زغلول مباشرة، فتحت عنوان "المآخذ على سعد" يقول إن أهم المآخذ أنه رسم خط المفاوضة مع إنجلترا مع بقاء قواتها العسكرية فى البلاد، وكان واجبًا عليه أن يرسم للأمة طريق المقاومة المستمرة ولا يتفاهم مع إنجلترا إلا بعد الجلاء (ص 294-296). وبعد ذلك يقول فى كتابه "فى أعقاب الثورة المصرية"، الجزء الثاني، المنشور فى عام 1949، أى بعد ثلاث سنوات من كتابه الأول، إن المؤرخ يجب أن يكون قاضيا فى الحوادث التى يؤرخها وعليه أن يقتبس من القاضى روح العدل الذى يستلهمه فى قضائه فلا يجامل فى الحق أحدًا ولا يتحامل على أحد وعليه أن يعطى كل ذى حق حقه (ص 391).

 

وهناك الدكتور محمد حسين هيكل عضو حزب الأحرار الدستوريين، ذلك الحزب الذى خرج أعضاؤه المؤسسون من الوفد أساسًا فى عام 1922 حين كانوا فى باريس مع سعد زغلول واختلفوا معه، قام بالتأريخ لثورة 1919 ضمن مذكراته السياسية التى نشرها فى عام 1951، حيث نراه وقد أخذ صف عدلى يكن فى خصومته مع سعد زغلول يقول عن سعد: إنه كان ميالا بطبعه لفرض رأيه على غيره وإلزامه به من واقع عمله بالمحاماة (مذكرات فى السياسة المصرية، جـ1، ص 98-99، 112-113).

 

وفى فبراير 1952 سارع عباس العقاد باستخلاص 217 صفحة من كتابه "سعد زغلول سيرة وتحية" ووضعها تحت عنوان "زعيم الثورة سعد زغلول" لتنشر فى كتاب الهلال (العدد التاسع) وهى صفحات تختص بوقائع الثورة وملابساتها وقال فى تقديم الكتاب: إنه توخى انتظام صلة الحاضر بالماضى وأن تستقيم بها الطريق على هدى التاريخ الصحيح ولعلها بهذا الحيز فى سلسلة الهلال أوجز سجلًا وأجمع إيجازًا". ولا يبعد أنه قام بهذا العمل فى أعقاب حريق القاهرة فى 26 يناير 1952 أملا فى حدوث شىء ما.

وهناك سنية قراعة التى آمنت بعبقرية إسماعيل صدقى على ما عداه من قيادات الوفد حيث ناصرته فى مواقفه على طول الخط وانتقصت من قدر الآخرين وخاصة سعد زغلول. وتقرر أن التفاف الشعب المصرى حول زعامة سعد دليل سذاجة (كتابها: نمر السياسة المصرية (عن شخصية إسماعيل صدقى)، مارس 1952، ص 153-158،196-197).

................................

محمد حسين هيكل ينتصر لعدلى يكن ضد سعد .. وسنية قراعة ترى "صدقى" الزعيم الأوحد

الرافعى: فى حديث «الباشا» للمندوب السامى مواطن ضعف ملموسة لا يمكن السكوت عليها

ننتقل الآن إلى الأكاديميين الذين كتبوا عن ثورة 1919 قبل يوليو 1952، ويأتى فى مقدمتهم كل من الدكتور أحمد نظمى عبد الحميد، والدكتور راشد البراوى وهما أستاذان للاقتصاد بجامعة فؤاد الأول حيث نشرا فى عام 1946 كتابهما "النظام الاشتراكى-عرض وتحليل ونقد" حاولا فيه تطبيق التفسير المادى للتاريخ على وقائع ثورة 1919 بعيدًا عن الالتزام الحزبى فى رؤية الوقائع وتقويمها وانتهيا إلى القول: إن الثورة دبرتها جماعة البورجوازية واستخدمت العامة والعمال فى الريف والمدن. فلما حققت أغراضها نبذت هذه الطوائف وهى الأغلبية الساحقة وتركتهم طعامًا للفقر والجهل والعطل"(ص 117-118). 

 وهناك شفيق غربال أول مصرى يرأس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة فيما بعد) حيث لم تخل كتاباته من الأحكام التقديرية للمواقف والأحداث. ففى كتابه الذى صدر فى مايو 1952 وفى تعليقه على مفاوضات عدلى يكن فى إنجلترا عام 1921 واستقطاب الإنجليز له واعتراض سعد على ذلك يقول: إن سعد زغلول كان محقًا فى فهمه مغبة استقطاب الإنجليز لعدلى يكن وما قد ينتج عنه من نتائج على الحركة الوطنية. ولكنه لم يكن محقًا فى أن يرتب على هذا الفهم حملة العداء التى شنها على زميله وصديقه القديم ثم يقول: كان سعد على حق حينما قال إن قضية الوطن لا يمكن أن يعهد بها إلا إلى أيد أمينة، ولكنه كان ظالمًا حينما أكد أن يد عدلى ليست اليد الأمينة" (بحث فى العلاقات المصرية البريطانية من الاحتلال إلى عقد معاهدة التحالف 1882-1936، مايو 1952، ص 54، 84)

 

 

................................

وإذا كان التأريخ لثورة 1919 قبل ثورة يوليو 1952 قد انغمس أصحابه على نحو ما عرضنا من نماذج فى محاور ذاتية عن الأشخاص والأحزاب وتفسير الحركة السياسية تفسيرًا نفسيًا حول أن الفرق بين شخص وآخر يكمن فى السلوك والتكوين والأصل الاجتماعى، فإن معظم كتابات ما بعد ثورة 1952 انصرفت لتقويم ثورة 1919 بالقياس إلى ما حققته ثورة 1952 فى المجال السياسى والاقتصادى والاجتماعى فيما لم تستطع تحقيقه ثورة 1919، خاصة وأن ميثاق العمل الوطنى الذى صدر فى 21 مايو 1962انتهى إلى "أن الأسباب التى أدت إلى فشل ثورة 1919 هى نفس الأسباب التى حركت حوافز الثورة سنة 1952" (الباب الثالث: جذور النضال المصرى). ومن هنا غلب على تلك الكتابات التفسير الاجتماعى والاقتصادى، والبحث عن المضمون الاجتماعى أو الطبقى لتفسير إخفاق ثورة 1919 عن تحقيق الاستقلال التام، ونجاح ثورة يوليو.

وفى الوقت نفسه صدرت كتابات من نوع المذكرات الشخصية لسياسيين قدامى انطلقوا فى كتاباتهم من مواقعهم السياسية قبل 1952، فبدا الأمر وكأنه تفاضل بين الماضى الذى ينتمون إليه والحاضر (ثورة يوليو) الذى رفضوه أو رفضهم، ولم تخل كتاباتهم من الأحكام التقديرية مثل نظرائهم من كتاب قبل عام 1952.

ففى مطلع عام 1955 نشر محمد زكى عبد القادر (صحفي) كتابه "محنة الدستور 1923-1952" مؤكدًا فى مقدمته أنه يحدد المسئوليات تحديدًا موضوعيًا لا دخل له بالأشخاص، وأن ورود بعض الأسماء محددة ومضافًا إليها أخطاؤها كان ضرورة اقتضاها البحث، وأن نظرته لمن عرفهم من رجال السياسة ولمن لم يعرفهم كانت بمقياس واحد ليس للعواطف الشخصية أثر فى تقديرها. ويلاحظ أنه يرفض مؤاخذة ثورة 1919 على التباحث مع بعثة ملنر التى جاءت لمصر 1920 للتفاهم (ص 39-40). كما يؤكد أن الثورة لا ترجع لأسباب اقتصادية، إذ كانت البلاد فى رخاء، ولا ترجع إلى الوضع الاجتماعى من حيث وجود طبقة غنية قليلة العدد وطبقة معدمة كثيرة العدد ذلك أن الوعى الاجتماعى لم يكن قد نضج فى البلاد، بل كانت ثورة سياسية (ص36-37). ولكنه عندما نشر مذكراته فى عام 1967  بعنوان ""أقدام على الطريق"، وكان تيار الواقعية فى التفسير التاريخى قد فعل فعله فى أعقاب التحولات الاجتماعية منذ أواخر الخمسينيات، نجده يتناول ثورة 1919 فى إطار المضمون الاجتماعى الذى استبعد تأثيره عندما كتب "محنة الدستور" فى 1955، فيقول إن ثورة 1919 كسبت تأييد البلاد كلها، ولكن أسباب التأييد كانت تختلف من طبقة إلى طبقة ومن فريق إلى فريق: طبقة آزرتها مؤمنة ومتحمسة وهى طبقة الفلاحين من صغار الملاك ومتوسطيهم ومن لا أملاك لهم من الأجراء، وطبقة أيدتها إلى حين وهم كبار الملاك ثم انفصلت عنها بصورة أو بأخرى حينما أوغلت الثورة فى مراحلها وبدأ التنافس بين مصلحة كبار الملاك وجماهير الفلاحين، وطبقة ملأتها خوفًا أو رغبة فى استدامة المصالح فى ظل المد الجديد وهؤلاء كانوا من المصريين غير الخُلص من الأتراك والشراكسة والأرمن ومن إليهم ممن أثروا فى مصر والذين أصبحوا سادة (ص 40).

وهذا البعد الاجتماعى فى تناول الثورة استخدمه مصطفى أمين فى كتابه "الكتاب الممنوع" (1974) الذى يعد من قبيل كتب الذكريات حين يقول: إن الخلاف فى الثورة لم يكن بين سعد وعدلى وإنما كان بين حق الشعب وحق السلطان. وقد عتب على سعد زغلول أنه لم يعلن هذه الحقيقة بصراحة فيقول: لو كان فعل ذلك لوقف الشعب معه. كما يعيب على سعد أيضا أنه لم يقرن الحركة بمطالب التغيير الاجتماعى والقضاء على الإقطاع، ولو فعل لكانت ثورة 1919 أقوى مما كانت، إذ كان واضحًا من اليوم الأول أن الشعب فى معسكر والسلطان والإقطاعيين فى معسكر آخر، وهذا يعد خطأ ثورة 1919 فى رأيه.(جـ 1، ص 56).

وفى مايو 1975 نشر محمد كامل سليم (السكرتير الخاص لسعد زغلول) الجزء الأول من مذكراته بعنوان "ثورة 1919 كما عشتها وعرفتها، وتلاه الجزء الثانى بعنوان "صراع سعد فى أوروبا" (يونية 1975)، ثم الجزء الثالث بعنوان "أزمة الوفد الكبرى: سعد وعدلى" (مارس 1976). وقد حاول الكاتب تفسير الخلاف بين سعد وعدلى على أساس الاختلاف بين صفات الزعيم التى يمثلها سعد وصفات السياسى التى يمثلها عدلى يكن، وهما صفتان متناقضتان فى رأيه .. فالزعيم رجل الشعب، والسياسى رجل الصالونات وحل المشكلات بالمفاوضات، والزعيم يخدم الحق، والسياسى يخدم المصلحة (ص 16-17). وبهذه التفرقة يعطينا مفتاحا أخلاقيا لفهم وقائع الخلاف بين سعد وعدلى ومسار الثورة. وأكثر من هذا أنه فى الجزء الثالث من مذكراته يعقد مقارنة بين سعد وعدلى من حيث الأصل الاجتماعى والثقافة والأخلاق .. فسعد رجل الشعب ديمقراطى فلاح ابن فلاح نبت فى بيئة المحكومين، وعدلى رجل الديوان أرستقراطى فيه دم تركى أجنبى نبت فى بيئة الحكام. وسعد ثقافته عربية أدبية دينية إسلامية، وعدلى ثقافته فرنسية وكذا تربيته (ص 4-5). وهكذا أخذ الكاتب صف سعد زغلول على طول الخط.

وهذا التصور الذى رسمه محمد كامل سليم (سكرتير سعد زغلول) للتحكيم فى الخلاف بين سعد زغلول وعدلى يكن، يقابله تصور آخر كتبه محمد على علوبة فى ذكرياته التى أملاها فى عام 1955 تقريبا ونشرها المركز العربى للبحث والنشر فى مارس 1982. وكان علوبة عضوًا بالحزب الوطنى ثم تركه إلى حزب الوفد وخرج مع الخارجين منه فى عام 1922 مسهمًا فى تأسيس حزب الأحرار الدستوريين ومتوليا سكرتيريته حتى خرج من الحياة الحزبية نهائيًا فى عام 1934. وفى ذكرياته أبدى نفورًا شديدًا من أسلوب سعد زغلول فى مقابلة 13 نوفمبر 1918 مع المندوب السامى البريطانى، لأن سعد أبدى استعداده لأن يكون لإنجلترا حق احتلال قناة السويس عند الاقتضاء والدخول فى محالفة مع إنجلترا وتقديم ما تستلزمه المحالفة من الجنود  (ص 104). كما أنه يرجع الخلاف داخل الوفد إلى نزوع سعد للزعامة الشخصية على حساب القضية الوطنية مدللا على ذلك بقول سعد: إنه سيحارب كل شخص مهما كان مركزه يفاوض الإنجليز ليوقع معهم (ص 185-186).

ثم يأتى فتحى رضوان من موقع الحزب الوطنى ليستكمل ما بدأه محمد على علوبة من موقع حزب الأحرار الدستوريين ويعيد تقويم سعد زغلول بمقياس علوبة. ففى يونيه 1982 نشر فتحى رضوان مقالا بعنوان "سعد زغلول فى قفص الاتهام" منددًا به وبزعامته (مجلة الدوحة، قطر، يونيه 1982).

................................

    

ننتقل الآن إلى نوع آخر من كتابات ما بعد ثورة 1952 عن ثورة 1919 وهى الكتابات الرائدة لليسار المصرى. وهذه الكتابات وإن كانت قد اعتمدت المنهج المادى فى تفسير الثورة، إلا أنها تأثرت بشكل أو بآخر بالمناخ العام الذى أحدثته ثورة يوليو 1952. ففى عام 1957 نشر شهدى عطية الشافعى كتابه "تطور الحركة الوطنية المصرية 1882-1956". وفى تناوله لحركة التوكيلات التى قررها سعد زغلول انتهى إلى أن هذه التوكيلات أثارت وعيًا جماهيريًا، إلا أن القيادة لم تفكر فى تنظيم هذا الوعى فى لجان فى كل مدينة وقرية، وإنما اتجهت إلى طلب السماح للوفد بالسفر لباريس وبلورة مطالبها فى مذكرة إلى معتمدى الدول الأجنبية (فى 6 ديسمبر 1918)، وليس إلى العمال والفلاحين المصريين وإلى الرئيس الأمريكى ولسون صاحب المبادئ الأربعة عشر. ويقول: إن قيادة الثورة فعلت ذلك لأنها لم تكن تملك النضج الكافي، ولم تكن تملك الوعى، كما لم تكن ثورية بالمعنى الثورى إلى النهاية ومن ثم لم تكتشف فى هذه الأشكال من التنظيمات الشعبية أشكالًا ثورية. كما كانت تخشى على أملاكها نظرًا لوجود كثير من كبار الملاك فى صفوفها منذ البداية" (ص 36-37، 40).

وعلى منوال اليسار .. ينشر فوزى جرجس فى العام التالى (1958) كتابه "دراسات فى تاريخ مصر السياسى منذ العصر المملوكى"، حيث ينتهى إلى القول بأن ثورة 1919 لم تكن بقادرة أن تصل بالثورة إلى أكثر مما وصلت إليه، وأن أى تفكير خلاف ذلك يعد تفكيرًا مثاليًا لا يقف على أساس علمى، وإعطاء قيادة الثورة قدرات ثورية ليس فى طاقتها أن تحققها (ص 137-142). وفى وسط هذا النوع من الكتابات ينشر الدكتور محمد أنيس أستاذ التاريخ الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة كتابه "دراسات فى وثائق ثورة 1919" (عام 1963)، وهو عبارة عن استعراض للمراسلات السرية بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمى رئيس الجهاز السرى للثورة.

أما النوع الأخير للكتابات التى أرخت لثورة 1919 من المصريين فهى تلك البحوث العلمية لدرجة الماجستير والدكتوراة التى أعدها باحثون بأقسام التاريخ ابتداء من ستينيات القرن العشرين، ويلاحظ أن أصحابها تأثروا فى تناولهم للثورة بأحد الاتجاهات السابقة التى عرضنا لها عاليه بطريقة أو بأخرى، بين الأخذ بالتفسير المثالى للتاريخ أو التفسير المادى، أو التأثر بنظرية البطل ودور الفرد فى التاريخ. 

على أن ظاهرة الاختلاف فى تقدير وقائع التاريخ من باحث لآخر فى مصر (وجهة النظر) تبدو أكثر وضوحًا عندما يكون موضوع البحث أحد الشخصيات التى قامت بدور سياسى فى تاريخ مصر حيث يشتد الجدل بشأنها ما بين القول: إنه شخصية ضعيفة أو قوية ..أو شخصية سلبية وليس له إيجابيات.. أو شخصية ديكتاتورية وسلطوية إلى آخر هذه المتناقضات. وما يعيب هذه النظرة أن صاحبها لا ينظر إلى كامل أعمال الشخصية فى إطار الظروف الموضوعية التى كانت تحيطه، ولكنه يلتقط من الوقائع ما يتفق مع فكرته التى دخل بها مسبقًا مجال البحث عن هذه الشخصية، وهنا يصبح هذا الباحث أشبه بكاتب الدراما السينمائية الذى يكتب سيناريو عن شخصية ما، ويدخل للموضوع بفكرة مسبقة عن الشخصية، وعندما يقرأ فى المصادر التاريخية باحثًا عن الشخصية، يلتقط ما يتفق مع فكرته المسبقة ويستبعد ما لا يتفق، وبهذا تفتقد كتابته درجة الموضوعية المطلوبة فى كتابة البحث. وإذا كان هذا "المنهج" فى الكتابة له ما يبرره عند كاتب الدراما، فليس له ما يبرره عند الباحث فى التاريخ الذى عليه الالتزام بأصول المنهج العلمى فى كتابة أحداث التاريخ وشخصياته من حيث تفسير الأحداث وليس الحكم عليها، ذلك أن التاريخ علم .. والعلم مستقل عن السياسة وعن الدين.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg