رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

محمد عبد القدوس لــ «ديوان الأهرام»: صداقة والدى بعبدالناصر والسادات لم تمنع اعتقاله

محمد عبد القدوس لــ «ديوان الأهرام»: صداقة والدى بعبدالناصر والسادات لم تمنع اعتقاله
 
إعداد   رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

 

الأماكن دائمًا تحتفظ بالذكريات وبالعمر المديد، أديب راحل كبير من زمن الماضى الجميل، عاش هنا فى الجبلاية بالزمالك أمام النيل، عمارة تنتمى لزمن راق أصيل «للمهندس شارل حبيب عيروط»،  عمارة لا تحمل زيفًا ولا تعبر عن قيم مهترئة، زمن كانت الأصول مقدرة والأخلاق رفيعة ثابتة.. تمر بالبهو المؤنق لتصل إلى الأسانسير الخشبى القديم بأبوابه الصغيرة ومراياته العتيقة، يصعد بك إلى نكهة الماضى العذب الذى كان، لتصل إلى الطابق العاشر، تقف أمام لوحة صغيرة أنيقة تحمل اسمه.. إحسان عبد القدوس.  يعيش فى المنزل الآن، الابن محمد عبد القدوس وزوجته الفاضلة ابنة الشيخ الغزالى، ويسكن فى الطابق الأعلى الابن الثانى المهندس أحمد عبد القدوس، استقبال الأخوين العذب البشوش يحمل الطيبة والتواضع والتسامح، يشعرك بأن روح إحسان عبد القدوس حاضرة، حاضرة فى أبنائه، لوحاته، صوره، مكتبه، مكتبته، كرسيه المفضل، رائحة الحب والحرية والجمال والحقيقة تفوح من أركان المكتب، خلف كرسى المكتب لوحة زيتية رائعة للفنان جمال كامل، تصور إحسان مصلوبًا، وكان يقول إن هذه اللوحة تمثلنى أصدق تمثيل. 

 

هو من أشجع فرسان الكلمة، كان يتحدى الزيف والقهر، يكسر حدة التقاليد، كان مجددًا، وجسورًا، كان إنسانًا، حديث الابن، محمد إحسان عبدالقدوس، يكشف بعضًا من هذه الجوانب. 

كل أمجاد إحسان الأدبية كانت بعد 1954 .. عقب الخروج من السجن


 

حكاية اعتقالى فى وجود رئيس الوزراء مصطفى خليل.. وماذا دار فى اجتماع المجلس الأعلى للصحافة؟


مكالمة ناصر غيرت معاملة حمزة البسيونى لأبى فى السجن الحربى

 

زينب عبدالرزَّاق مع المهندس أحمد والكاتب محمد عبدالقدوس فى منزل إحسان

•• أبى منحنى أنا وأخى أحمد الحرية الكاملة، وأى كلام عن إحسان عبد القدوس لابد أن أذكر فيه والدتى، وهنا أتساءل دائمًا، لماذا إصرار الثقافة السائدة على تعبير «وراء كل عظيم امرأة؟»، ولماذا لا يكون التعبير الصحيح «بجوار كل عظيم امرأة» للتأكيد على أنها بجواره وليست خلفه، وهذا ما حدث مع أمى التى كانت مسئولة عن كل كبيرة وصغيرة فى كل ما يتعلق بشئون البيت، بجانب أنها كانت مسئولة عن تربيتى وتوجيهى أنا وأخى أحمد، وكل ذلك بدون أنْ تكون فى مُـقـدّمة الصورة، (فكانت أشبه بالجندى المجهول)، وهذا الجيل (جيل أمى وأبى) أوشك على الانقراض، الكبار من أمثال (محمد حسنين هيكل، ويوسف إدريس، وأحمد بهاء الدين، ولطفى الخولى) لا يعرف أحد شيئًا عن زوجاتهم، الآن تغير وضع المرأة المصرية، أصبح من النادر وجود زوجة مُـتفرّغة تمامًا للبيت والأبناء، كى تمنح زوجها الوقت الكافى ليتألق ويـُـنجز ما يريد فى الحياة العامة، وكان أبى يقول عن زوجته «لوْلا لولا ما نجح سانو» -كان اسم أمى لواحظ- وسانو هو الاسم الأشهر لأبى إحسان وسط العائلة والأصدقاء، كانت أمى ترعانا وتقوم بكل طلباتنا وكل شئون البيت والأسرة، كى  يتفرغ أبى للكتابة، وكان أبى سيد البيت بالحب وليس بالسطوة والجبروت، وكانت أمى تحبه وتفعل كل الأشياء الطيبة والجميلة لتـسعده.

•• لم يـُـحاول أبى أبدًا فرض رأيه علىّ أو على غيرى، وعلى سبيل المثال فإنه لم يتدخل فى توجهاتى الدينية، وذلك رغم الاختلاف الكبير بين آرائى وآرائه، فقد كان متطابقًا فى كتاباته مع سلوكه الشخصى، سواء فى البيت أو مع الآخرين، وكما دعا للحرية فى رواياته ومقالاته السياسية، كانت دعوته للحرية على أرض الواقع، وله 3 مواقف أتذكرها، الموقف الأول: مظاهرات الطلبة عام 1968، خرجنا من الجامعة وتوجهنا إلى مجلس الأمة، وهتفنا ضد الأحكام العسكرية الصادرة بحق بعض الضباط بسبب تقصيرهم فى حرب يونيو 1967 التى انتهتْ بالهزيمة، وكان رأينا أنْ الضباط الذين صدرت ضدهم الأحكام كانوا مجرد كبش فداء، وهذه كانت أولى مظاهرات ضد عبدالناصر، خرج السادات وقتها، وكان نائبًا لرئيس الجمهورية، وقابلنا وهو ينظر ويتأمل وجوهنا، ورأى أخى أحمد، وفى المساء اتصل بوالدى وقال له بدل ما تكتب قصص يا إحسان، اهتم بتربية أولادك، حاول والدى إقناعنا بالكف عن المظاهرات لكننا رفضنا، فى الأيام التالية، أُصبت ببعض الجروح وانزعج والدى بسبب إصابتى. 

•• يوم 4 إبريل 1968 نشر الأهرام خبرًا مفاده، عزل جميع المسئولين الذين اشترك أولادهم فى المظاهرات فى بولندا، وفطن أبى  أنه سيتم الإطاحة به من مؤسسة أخبار اليوم، وهو ما حدث بالفعل، والدى لم يوجـّـه اللوم إلينا، ولم يقل إنكم السبب فى الإطاحة بى، بل بالعكس قال لنا هذه حريتكم، وظل سنة كاملة خارج أخبار اليوم، وعندما تولى السادات الإشراف على الجريدة سنة 69 اشترط عودة إحسان. وبعد أن أصبح رئيسًا للجمهورية كان من أول القرارات بعد ثورة التصحيح، تعيين إحسان رئيسا لمجلس إدارة أخبار اليوم، حتى عام 1974 وبعدها ذهب والدى للأهرام.

•• أنا وأخى أحمد من جيل 1967، فى هذا الوقت بدأتُ أقرأ الكتب الدينية، قرأت كتب الشيخ محمد الغزالى، وكان فى ذلك الوقت يلقى خطبه ومواعظه فى جامع عمرو عام 1971، وتـمّ تعيينى فى أخبار اليوم وأنا مازلت طالبـًا، وكنت أغطى أخبار وزارة الأوقاف، أصبحت علاقتى بالشيخ قوية، زرته فى بيته، وقابلت عائلته ورأيت ابنته وقررت أن أتزوجها، وحدث اعتراض من جانب أسرتى ومن جانب أسرة الشيخ الغزالى أيضًا. 

•• الاعتراض على زواجى من أسرة الشيخ الغزالى، لأنهم فى أسرتى كانوا يريدون أنْ أتزوج من بنات نادى الجزيرة، والسبب الثانى أنّ الشيخ الغزالى كان قد هاجم والدى فى كتاب اسمه «ظلام من الغرب» فى أواخر الخمسينيات، وقال فيه إن إحسان يـساعد ويـروّج لنشر الانحلال، فكيف لابن إحسان يتزوج من بنت الغزالى وهما على النقيض الفكرى؟ وأنا وقتها لم أكن مستعدًا للزواج، وكان المفروض أننى بعد الزواج سأعيش فى بيت والدى وبعد هدوء عاصفة الاعتراض (من جانب الأسرتين) كانت المفاجأة، أن أول الموافقين على زواجى من بنت الشيخ الغزالى كان أبى، وقال لكل أفراد أسرتى، محمد هو الذى سيتزوج وليس أحد غيره، وأكثر من ذلك أن والدى قال: إن تفكير محمد أقرب لبيت الشيخ الغزالى، والشىء الغريب والمُـدهش أنّ الشيخ الغزالى احتضن والدى ودارت حوارات كثيرة بين الاثنين ومن هنا كان زواجى من بنت الشيخ الغزالى نعمة كبيرة، كما أن والدتى تغير موقفها بعد الزواج حيث أحبـت أسرة زوجتى جدًا، وكانت تلجأ للشيخ الغزالى فى بعض الموضوعات. 

•• والدى كان الصديق الحميم لكل من عبدالناصر والسادات من قبل يوليو 1952، وقصة فى بيتنا رجل كانت قصة حقيقية، حدثت عام 1948، حسين توفيق هرب من المستشفى ولجأ للاختباء من عيون البوليس فى منزلنا، وهو المتهم السابع فى القضية، كان أنور السادات بعد يوليو 1952، قد قام بتعيين والدى فى دار الهلال، ووالدى كان من أول الذين أبلغوه بموعد الثورة، وهو الذى اقترح على الضباط تعيين على ماهر، وطالب بمحاكمة الملك فاروق.، وبالرغم من ذلك فقد تم القبض على والدى من إبريل إلى يوليو 1954، ووقتها أصبح عبد الناصر رئيسًا للبلاد، فأصبح يقول له سيادة الرئيس بدلا من جيمى، وكان عبد الناصر يقابله ويعزمه لمشاهدة الأفلام السينمائية للتخفيف عنه بعد السجن. 

•• تم اقتحام بيت والدى، ووجهت إليه تهمة التجسس، وتـمّ إيداعه فى السجن الحربى وقت حمزة البسيونى، هذا السجن الذى جرتْ فيه أبشع أنواع التعذيب، والكارثة أن حمزة البسيونى كان يكره والدى، ويبدو أن أحدًا تدخل واتصل بالرئيس عبدالناصر الذى اتصل تليفونيـًا بحمزة الذى انقلب 180 درجة، وصار يقول لوالدى يا أستاذ إحسان، وكان عبد الناصر لا يزال على التليفون، فخاطب والدى واعتذر له بشدة، ولكن والدى قال له: إذا كان هذا يا سيادة الرئيس حصل معى وأنا شخص معروف، فماذا يحدث لأى شخص آخر غير معروف إعلاميـًـا وأدبيـًا؟!، ومنذ ذلك الوقت ركــّـز أبى فى كتابة الروايات، وأغلق باب السياسة .. وكل أمجاد إحسان الروائية كانت بعد عام 1954.

•• أتذكر أيضًا فى يوم 4 سبتمبر 1981، سمعنا جرس الباب فى منتصف الليل، دخل ضباط أمن دولة، ولأول مرة يـصابون بالوجوم والدهشة، وكانوا أشبه بالكائن الذى تـمّ تكميم فمه، لأنهم رأوا إحسان عبد القدوس جالسًا مع مصطفى خليل، الذى كان رئيس وزراء مصر حتى سنة 1980، فالضباط قالوا: «إحنا آسفين، لكننا نريد أن نأخذ الأستاذ محمد»، والضابط الكبير، رئيس المجموعة ظل يعتذر لوالدى أكثر من مرة على الاقتحام، وقال لى والدى: «اذهب معهم»، والدى غضب من السادات لأنه وجد اسمى فى كشوف المعتقلين فى يوم 3 سبتمبر 1981، وكان عددهم أكثرمن 1536 من كل أطياف التوجهات السياسية، ولم يشطب السادات اسمى. ولذلك كان والدى غير متحمس لحضور اجتماع المجلس الأعلى للصحافة بعد ذلك، ولكنه ذهب، المجلس كان له بابان، باب رئيسى وباب خلفى، والدى دخل من الباب الخلفى حتى لا يراه أحد، والسادات وهو يلقى كلمته كان مثبتا عينيه على والدى، ظل السادات يهاجم الصحفيين والصحافة، وبعد ذلك قال السادات لأبى: ابنك متطرف وابنك كذا وكذا أبى قال له: هل أنا ذكرتُ سيرة ابنى، أو تكلمتُ معك بشأن الإفراج عنه، أنا وأنت تعرّضنا للسجن، دعه يتعرض للسجن مثلنا، وعليه أن يتحمل مسئولية نفسه.

•• والدى كان يمتلك ثلاث عبقريات، فهو صحفى من طراز رفيع، وكان أول من كسر حاجز توزيع المليون نسخة فى السبعينيات مع الأخبار، وهو كاتب قصة من الطراز البديع، وهو مُـتميز فى الكتابة السياسية، وحقق فيها ثورة، ومن بعده أصبح الكل يكتب فى السياسة بعد أن كانت مقصورة على المتخصصين فقط، كل الذين كتبوا عن والدى كانوا يـُـركـزون على جدتى روزاليوسف، بينما دور جدى محمد عبدالقدوس لا يقل أهمية عن دورها، لأن جدى هو الذى شجع أبى كى يتجه للأدب والفن، وجدى كتب قصة بعنوان (إحسان بيه)، وأول قصة نشرها أبى كانت سنة 1936، فلما عرفت والدته ذلك خصمت بعض النقود من مصروفه وقالت له: «أنا أريدك أنْ تكون واقعيًا وليس خياليــًـا مثل والدك».

•• عندما أقدم والدى على الزواج، قال إننى أفضل أنْ تمكث زوجتى فى البيت، ولكن جدتى اعترضتْ على كلامه وخالفته فى رأيه، فما كان من أبى إلا أنْ قال لها : «أنت معجزة يا أمى ومن العسير العثور على إنسانة لها شخصيتك»، ومن بين المواقف الطريفة أن اسم إحسان تسبب لوالدى فى عقده نفسية، لأنه اسم (بناتى)، لكن جدتى شرحت له السبب، وقالت له: إن السيدة التى كانت معى فى أثناء ولادتك كان اسمها إحسان، وحسب رواية جدى فإن روزاليوسف أصلها تركى، وإن اسم (إحسان) تركى للرجل وللمرأة، وسمعتُ من بعض أقارب والدى أنه تعرض لمرض خطير وهو طفل صغير، وأن الطبيب قال لجدتى: لديك خياران، إما تبقى فى البيت أو تذهبى لعملك، وهذا قد يعرضه لمضاعفات خطيرة، فقالت: «إن كل أحلامى فى المسرح تبخرت»، واهتمتْ برعاية والدى، الذى قال بعد أن عرف بتلك الواقعة: « لو خيـرونى كنت سأقول أتمنى أنْ تعيش أمى». 

•• ليس صحيحًا أن والدى كان ممتنًا لأن زوجته لم تنجب بنات، الحب عند والدى كان محور الحياة الإنسانية، فقد أحبّ زوجته..وأحب الكتابة، وكان يـُـحب كل أصدقائه، وكان يكره خصام الأصدقاء، ويحترم حرية الرأى، وحرية المعتقد، وكان مع حق الاختلاف، والدليل على ذلك أن توجهاتى كانت إسلامية بينما توجهاته كانت ليبرالية، إلا إننا كنا نعيش فى حالة حب كبير، ولم يعترض على خطبى فى المساجد، وكان أهم شىء لديه هو نجاحى فى الدراسة والحياة العملية، ودائمًا كان يقول إن أولادى نصفان، محمد هوايته قريبة من هواياتى، وأحمد متميز فى الإدارة مثل والدته، فالحب عند والدى هو الأصل. وهنا أتذكر أنه كان يقدم برنامجًا فى الإذاعة، كان يختتمه بمقولة:(تصبحوا على حب)، وكان يقول إن الحب ليس عيبًا، وللأسف صدرت الأوامر بوقف برنامجه بسبب هذه الجملة. 

 

•• أصدقاء والدى المقربون أبرزهم جماعة روزاليوسف، وصلاح جاهين وأحمد بهاء الدين ومصطفى أمين وسيد مرعى ومصطفى خليل، وكانت له صداقات مع كثيرين من الفنانين، وقد أثر بشكل خاص فى عدد من الفنانين والفنانات، منهم، فاتن حمامة، التى جسدت لأول مرة شخصية فتاة شريرة فى فيلم (لا أنام)، ونادية لطفى التى غيرت اسمها متأثرة باسم البطلة فى الفيلم المأخوذ عن قصة لأبى، وكذلك نبيلة عبيد، وأيضـًـا محمود ياسين، وعبد الحليم حافظ فى بداياته، رغم أنه تنكّر لوالدى فيما بعد. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg