رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

تزامن النضال السياسى والثورى مع التمرد الاجتماعى والفكرى للمرأة ضد سجن التقاليد حميدة وشفيقة ودولت شهيدات من رحم الثورة...ملف

تزامن النضال السياسى والثورى مع التمرد الاجتماعى والفكرى للمرأة ضد سجن التقاليد حميدة وشفيقة ودولت شهيدات من رحم الثورة

«خرج الغوانى يحتججن ورحت أرقب جمعهن
فإذا بهن اتخذن من سود الثياب شعارهن
وأخذن يجتزن الطريق ودار سعد قصدهن
يمشين فى كنف الوقار وقد أبن شعورهن
وإذا بجيش مقبل والخيل مطلقة الأعنة
وإذا الجنود سيوفها قد صوبت لنحورهن»
هكذا وصف حافظ إبراهيم نضال المرأة المصرية فى ثورة 1919، والتى جاءت كأول تمرد سياسى واجتماعى وفكرى بالنسبة للمرأة المصرية، حيث تمثل هذا التمرد فى خلع الحجاب الفكرى عن عقول النساء الثائرات، والنقاب الاجتماعى عن سجينات التقاليد البالية، والخمار السياسى عن الوعى المتفجر للمطالبات بحرية الوطن ومواطنيه رجالًا ونساءً، كما أن هذه الثورة أكدت أن المرأة المصرية على قدر من الكفاءة التى تمكنها من القيادة الشعبية حيث استطاعت فى تلك الثورة أن تخطط وتنظم بدرجة أفزعت قوات الاحتلال، كما أنها أكدت على وطنية المرأة المصرية فقدمت الكثير من التضحيات وأنها شريكة أساسية فى المجتمع تعيش آلامه وأحزانه ببذل الروح من أجل الوصول به إلى أرقى سلم التقدم.  

 
كوثر زكى  -   محمد حافظ 
 

ولم تكن ثورة النساء فى 1919 هى الأولى من نوعها، حيث سبقها وقوف المرأة المصرية التاريخى فى مواجهة الحملة الفرنسية ( 1798 -1801 ) فتذكر كتب التاريخ أن مشاركة النساء فى المقاومة كانت واضحة ومؤثرة فى العديد من القرى والمدن، وهناك العديد من الأمثلة على تضحيات المرأة فى مقاومة الحملة الفرنسية منها أن بونابرت كاد يفقد حياته فى يومه الأول بالإسكندرية عندما أطلق عليه رجل وامرأته الرصاص من نافذة منزل بإحدى حارات المدينة، ولكنه نجا بأعجوبة واستمر الرجل وامرأته يطلقان الرصاص إلى أن هاجمهما  الفرنسيون وقتلوهما. ومن أبرز المواقف أيضًا عندما وقفت المرأة المصرية فى عام 1801 فى حركة احتجاج شعبى ضد مظالم السياسة المالية العثمانية مما أدى إلى إرغام الوزير التركى للاستجابة لمطالبهن،وعندما تزايدت مظالم "عثمان بك البرديسى " عام 1804 واندلعت براكين غضب المصريين خرجت النساء ببولاق فى مظاهرة حاشدة احتجاجًا على المبالغة فى الضرائب.أما الدور الأكبر للمرأة فكان عندما شاركت عام 1805 فى الاحتجاجات على اعتداءات جنود الولاة المستمرة على الأهالى إلى أن تحولت إلى مظاهرة كبيرة بقيادة عمر مكرم مما أدى إلى عزل خورشيد باشا وتولية محمد على. ووقفت المرأة المصرية أيضًا أمام مدافع الإنجليز التى قادها فريزر، وإن دور المرأة فى مقاومة الحملة دليل على حضور المرأة دائمًا وأنها مستعدة للتضحيات من أجل وطنها.      

 وعندما هاجمت القوات البريطانية البلاد فى يوليو 1882 لاحتلال مصر والقضاء على الثورة العرابية، وبدأت سفن الأسطول الإنجليزى فى ضرب مدينة الإسكندرية، شاركت النساء فى الدفاع عن المدينة ويقول الشيخ محمد عبده فى مذكراته: كان الرجال والنساء تحت نيران المدافع ينقلون الذخائر فى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأمير سيمور ومن أرسله، وقال عرابى فى ذلك: فى أثناء القتال تطوع كثير من الرجال والنساء فى خدمة المجاهدين ومساعدتهم فى تقديم الذخائر الحربية وإعطائهم الماء وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات.

ومع سقوط الإسكندرية واستمرار المعارك البرية مع قوات الاحتلال تدافع المصريون لدعم جيشهم، وكان للمرأة المصرية دورها أيضاً، ويذكر أحمد عرابى فى مذكراته أن والدة الخديو إسماعيل تبرعت بجميع خيول عرباتهم لصالح المجهود الحربى، واقتدى بها بقية أفراد العائلة الخديوية وحرم خيرى باشا رئيس الديوان الخديوى وحرم رياض باشا وكثير من الذوات والسيدات، وشملت التبرعات الأقمصة والأربطة اللازمة للجرحى بالإضافة إلى الخيول والأموال.

 

درة الثورات 

فى ثورة 1919 شاركت المرأة المصرية مشاركة واسعة النطاق، وكان أول مظاهر هذه المشاركة هى المظاهرة النسائية الكبيرة، التى قامت بها السيدات المصريات يوم الأحد 16 مارس 1919، بهدف الإعراب عن تأييدهن للثورة واحتجاجهن على نفى زعماء الأمة، وعلى تنكيل قوات الاحتلال بالمظاهرات السلمية التى اندلعت منذ يوم 9 مارس، وقد شارك فى هذه المظاهرة 300 سيدة، وأعددن خطاب احتجاج لتسليمه لمعتمدى الدول الأجنبية فى مصر جاء فيه : "جناب المعتمد يرفع هذا لجنابكم السيدات المصريات أمهات وأخوات وزوجات من ذهبوا ضحية المطامع البريطانية، يحتججن على الأعمال الوحشية التى قوبلت بها الأمة المصرية الهادئة، لا إثم ارتكبته سوى المطالبة بحرية البلاد واستقلالها تطبيقا للمبادئ التى فاه بها الدكتور ويلسون وقبلتها جميع الدول محاربة كانت أو محايدة، نقدم لجنابكم هذا ونرجو أن ترفعوه لدولتكم المبجلة لأنها أخذت على عاتقها تنفيذ المبادئ المذكورة والعمل عليها، ونرجوكم إبلاغها ما رأيتموه وما شهده رعاياكم المحترمون من أعمال وحشية وإطلاق الرصاص على الأبناء والأطفال والأولاد والرجال العزل من السلاح لمجرد احتجاجهم بطرق المظاهرات السلمية على منع المصريين من السفر للخارج لعرض قضيتهم على مؤتمر السلام أسوة بباقى الأمم وتنفيذا للمبادئ التى اتخذت أساسا للصالح العام ولأنهم يحتجون أيضا على اعتقال بعض رجالهم وتسفيرهم إلى جزيرة مالطة. لنا الأمل يا جناب المعتمد أن يحل طلبنا هذا نحن السيدات المصريات محل القبول ولازلتم عونا لنصرة الحق مؤيدين لمبادئ الحرية والسلام".

 

مذكرات هدى شعراوى 

وتحكى هدى شعراوى فى مذكراتها عن شهيدات سقطن فى مظاهرات النساء فى أثناء الثورة ،حيث أشارت هدى شعراوى إلى خروج النساء فى مظاهرة كبرى فى يوم 10 إبريل .1919   وذهبت إلى مقر المعتمد البريطانى لتهتف مطالبة بالاستقلال حتى فوجئ المعتمد الذى لم يكن يتصور بأن النساء المصريات لسن سوى أشباح خلف البراقع ولاعلاقة لهن بشىء سوى بيوتهن وأطفالهن، وكانت أعلام مصر ترفرف بين أيادٍ رقيقة لمجموعة من النساء المتشحات بالسواد وهن يهتفن بالاستقلال التام، وخرج المعتمد البريطانى من دهشته منذرًا ومهددًا السيدات الواقفات أمام مقر عمله بالاعتقال والسجن، لكنهن رفضن العودة إلى منازلهن دون الإفراج عن سعد وزملائه وباقى المعتقلين، ولم تمض لحظات حتى انهمر الرصاص على مظاهرة النسوة لتسقط منهن عدة شهيدات فى سبيل الحرية، وكانت أول شهيدة هى "شفيقة محمد ".وفى روايات أخرى كانت أول شهيدة هى حميدة خليل، ثم تلتهما شهيدات أخريات مثل"عائشة عمر "و"نجية إسماعيل "و"فهيمة رياض".

وقد ترك حزن الشهيدة الشابة"شفيقة محمد"أيضًا فى نفوس الشعب هى ومن سقط معها أثرًا تجلى فى تشييع جنازتها التى اشتركت فيها كل طبقات الأمة حتى صارت جنازتها مظهرًا من مظاهر الوطنية المشتعلة.

 

مصر الفتاة

تؤكد الدكتورة"درية شفيق "فى كتابها " المرأة المصرية من الفراعنة إلى اليوم " أن الشعوب لاتموت أبدًا مهما طالت بها ليالى الظلم والجمود،حيث تكشف فى كتابها الدور الخفى الذى لعبته النساء فى الثورة العرابية، وأغفله المؤرخون، ثم كانت نقطة التحول التى مثلتها ثورة 1919 فى تاريخ مصر والمرأة وهو الدور السرى الذى قامت به المرأة فى تلك الحقبة الزمنية والذى كان بمثابة عماد الثورة. وبالتزامن مع هذه الوقائع ظهرت جمعيتان ثوريتان سريتان هما : "جمعية حلوان "و"جمعية مصر الفتاة "وكانت الأولى قد أذاعت بيانًا فى نوفمبر 1879 ضد طغيان رئيس الحكومة وقتذاك "مصطفى رياض " باشا وبلغ عدد النسخ التى وزعت منه 20ألف نسخة وهو عدد كبير بمقاييس ذلك الوقت دون أن تتمكن الحكومة من ضبط موزعه، لأن من كان له الفضل فى توزيعه هما سيدتان، الأولى هى زوجة " إسماعيل راغب " باشا وهو سياسى معروف تولى فيما بعد منصب رئيس الوزراء والثانية زوجة " شاهين باشا كينج" الذى كان يعمل مفتشًا على الأقاليم حينئذٍ، ومن خلالهما تم تجنيد عدد من النساء للقيام بمهمة التوزيع، وفى ذلك الوقت كان من الصعب الشك فى أن تقوم النساء بهذا ولايجرؤ أحد على تفتيشهن . أما حركة "مصر الفتاة" بالإسكندرية فقد لعبت دورًا كبيرًا من وراء الستار، وتؤكد الدكتورة "درية شفيق" أن المعاصرين لثورة 1919 يروون أن الخطب النارية التى كانت تطلقها بعض طالبات المدارس فى الشوارع كان لها أعظم الأثر فى إلهاب الجماهير وتأجيج مشاعرهم.

 

لجنة الوفد للسيدات 

وتواصل الدكتورة درية شفيق فى كتابها «المرأة  المصرية من الفراعنة إلى اليوم» الحديث عن كفاح السيدات اللاتى شاركن فى ثورة 1919، وكيف حملت النساء على عاتقهن الدفاع عن الثورة التى كاد المستعمر أن يخمدها فى نهاية عام 1919،وتسرد رواية عن محاولة عدد من النساء أن يخدعن الجنود الإنجليز حتى يتمكن من تنظيم مظاهرة نسائية، إلا أن قواتهم سرعان ما حاصرتهن وأجبرتهن على التوجه إلى قسم العتبة   الخضراء " الموسكى" واحتجزوهن بالقسم لبعض الوقت، وعند انصرافهن فوجئن بسيارتهن قد أتلفت إطاراتها برصاص بنادق الإنجليز ومع ذلك لم يضعف ذلك من عزيمتهن، وتوجهن إلى بيت الأمة " بيت سعد زغلول " سيرًا على الأقدام فى مظاهرة حاشدة. وتشير درية شفيق إلى أن من أبرز مكتسبات ثورة 1919، تشكيل لجنة السيدات الوفديات، والتى أشار بتشكيلها " سعد زغلول "  بغرض أن تعمل النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال فى سبيل مقاومة الاستعمار،إضافة إلى قيامهن بمواساة الجرحى الذين يطالهم بطش قوات الاحتلال الإنجليزى، وجرى تأليف أول لجنة برئاسة "شريفة هانم رياض" وكانت  "صفية زغلول " الرئيسة الشرفية لهذه اللجنة، ومن بين أبرز عضواتها  "هدى شعراوى" و"سيزا نبراوى" التى قادت حملة للمقاطعة الاقتصادية، فكانت تقف أمام المحلات الأجنبية تحث الزبائن على مقاطعة منتجات الشركات الأجنبية، حتى أتت الحملة  بثمارها، وهى التى ساندت هدى شعراوى فى خلع الحجاب وسقوط العلم البريطانى بعد دهسه بالأحذية.                          

 

دولت فهمى 

هى سيدة مصرية من المنيا، انتقلت للعيش فى القاهرة وعملت ناظرة بمدرسة الهلال الأحمر القبطية للبنات وبجانب عملها كان لها دور كبيرفى ثورة 1919،حيث كانت تعمل مع التنظيم السرى للثورة والذى أطلق عليه "اليد السوداء"، وكان ذلك التنظيم تحت قيادة "عبدالرحمن فهمى" و " أحمد ماهر"، وهدفه الأساسى تخويف المحتلين الإنجليز والخائنين من المصريين، وذلك عن طريق اغتيال بعض جنود الاحتلال وإرهاب بعضهم وإرسال التهديدات لهم. وقد شاركت دولت بطباعة المنشورات الحماسية وتوزيعها بين الجماهير، وشاركت فى المظاهرات ضد المحتل منذ بدايات الثورة.

ويتجلى دور" دولت فهمى" الوطنى فى موقفها مع الشاب "عبد القادر شحاتة " الذى كان يبلغ من العمر 21 عاما والذى قام فى يوم 22 من فبراير عام 1920 بتنفيذ محاولة اغتيال الوزير محمد شفيق باشا لتعاونه مع المحتل، بعد أن تنكر فى ملابس عمال العنابر، لكن باءت محاولة الاغتيال بالفشل، ولم يمت الوزير، وهرب شحاتة إلى النزهة ووصل إلى مدرسة قبطية فجاءته "دولت فهمى" ناظرة المدرسة وطلبت مسدسه وقامت بإخفائه، وكتب شحاتة بعد ذلك فى مذكراته أنه تعجب من شجاعة تلك السيدة التى أظهرت ثباتًا فى ذلك الموقف الصعب ، تم القبض على شحاتة واعترف أنه كان ينوى قتل الوزير لقبوله الوزارة وعندما أراد المحقق أن يعرف أين كان يبيت قبل محاولة الاغتيال، فوجئ برسالة تصله من التنظيم السرى يخبره أن "دولت فهمى" ستأتى للمحكمة وتشهد بأنه كان يبيت فى بيتها ويجب عليه أن يعترف بنفس الشىء، وبالرغم من خطورة هذه الشهادة على سمعة  " دولت فهمى " إلا أنها قبلت التضحية، ويضيف شحاتة فى مذكراته أن النائب العام أصدر قرارًا فوريًا بالقبض على " دولت فهمى"، وعندما دخلت عليهم أقبلت على شحاتة وقبلته وأعلنت أنه كان يبيت عندها لأنه عشيقها وأنهما كانا يكتمان هذا الأمر خوفا على سمعتها، والحقيقة أن " دولت فهمى" لم تكن رأت شحاتة قبل يوم محاولة الاغتيال، وعندما خرج شحاتة من السجن بعد أربع سنوات بحث عن دولت فى كل مكان وسأل عنها زعماء التنظيم السرى، وكان يشعر أنه يحبها بعد موقفها معه ويجب أن يتزوجها، وفى النهاية علم أن أهلها قتلوها عندما سمعوا باعترافها بأن رجلا كان يبيت عندها ولم يعلموا أن ابنتهم بريئة لكنها ضحت بنفسها من أجل وطنها. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg