رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

جوستاف إيفل... إبداع غير قابل للصدأ

جوستاف إيفل:- 

- قام بتصميم الجسر المعلق بحديقة الحيوان دون استخدام  أية مادة للحام

لم يكن كوبرى أبوالعلا مجرد جسر يربط بين جانبى النيل بالقاهرة، فيعبر فوقه أبناء بولاق البسطاء ليكتشفوا حى الزمالك الراقى بفيلاته وقصوره وحدائقه وأشجاره النادرة، بسياراته الفارهة وجميلاته اللواتى يرتدين «الفرير» والمجوهرات ويتنزهن بصحبة حيواناتهن الأليفة النظيفة، ويرون عن قرب كل نجوم الفن والسياسة، لم يكن مجرد جسر يتبادل فوقه المحبون الورود وعبارات الغزل وهم يتابعون المراكب ذات الأشرعة البيضاء تتمايل فوق صفحة المياه، أو تنقل عليه البضائع بين شطرى النيل، لكنه كان قبل هذا وذاك تحفة فنية تأسر العيون، وتضفى على نيل القاهرة مزيدًا من الجمال والأصالة والثراء. 

 

كوبري ابو العلا

كانت بداية العمل فى بناء الكوبرى عام 1908،وتم الافتتاح الرسمى فى عام1912 فى عهد الخديو عباس حلمى،وكان جوستاف إيفل هو المهندس المسئول عن تصميم وتشييد الكوبرى وذلك مقابل أجر قدره 3 آلاف جنيه، بينما تولت شركة شيرزر الأمريكية تنفيذ الجزء المُـتحرّك وتصنيع الأجزاء الحديدية للكوبرى فى شيكاغو قبل نقلها للقاهرة، وكان الكوبرى الذى تكلف إنشاؤه 100 ألف جنيه، يتم فتحه من منتصفه حتى تستطيع السفن التجارية، ذات الصارى العالى المرور أسفله. 

وفى عام 1998 تولــّـتْ شركة المقاولون العرب تفكيك الكوبرى،وكانت الحجة وقتها بناء كوبرى الزمالك الجديد، وبلغت تكلفة تفكيك كوبرى أبوالعلا 4 ملايين جنيه. وحتى الآن يرقد الحديد على ساحل روض الفرج، على أمل أنْ يتم تجميعه ليوضع أمام مركزالتجارة العالمى بالتوازى مع النيل،وبعد مرورعشرين سنة على تفكيكه لايزال الكوبرى – التحفة - راقدًا كما الجثة التى ليس لها صاحب..بل وربما تعرّض الحديد لغزوات تجارالخردة.

وقد أنكرالبعض أنّ يكون إيفل هومُـصمّـم كوبرى أبوالعلا، وهو رأى نادر ولا يجد القبول بين أغلب المؤرخين، خاصة أنّ كوبرى أبوالعلا لم يكن هو العمل الوحيد الذى صمّـمه فى مصر، حيث أسهم فى إنشاء عدة جسور وكبارى، مثل كوبرى بنها وكوبرى إمبابة، الذى يربط بين القاهرة والجيزة، وتـمّ افتتاحه يوم15مايو1892وأشرف على التنفيذ المهندس الفرنسى دافيد ترامبلى. 

وقام جوستاف إيفل كذلك بتصميم الكوبرى المعلق الموجود بحديقة الحيوان بالجيزة فى 1879، وهوتحفة معمارية بكل المقاييس، حيث يرتكز على هضبتيْن كبيرتيْن صُمما خصيصًـا، بحيث يكون الكوبرى فى أعلى نقطة فى الحديقة، ويوجد مدخلان فى بدايته ونهايته، وتتعلق خلالهما أسلاك حديدية قوية تحمل الكوبرى، وقد صممه إيفل بطريقة التعشيق، فلا توجد به أية مادة لحام، ويحرص زوار الحديقة عبر تاريخها من العامة والمشاهير على مشاهدة الكوبرى والتقاط الصور التذكارية فوقه.

فمن هو إيفل صاحب هذه الإبداعات، الذى انصهر له الحديد ليشكل منه قطعا فنية بالغة الروعة تضعه بلا جدال فى صدارة المصممين والبنائين العظام؟. ولد جوستاف إيفل يوم 15 ديسمبر 1832،وتوفى فى 27 ديسمبر1923 عن عمر يناهز 91 عامًا، وهومن مواليد مدينة ديجون شرق فرنسا،وأتم تعليمه فى المدرسة المركزية للفنون والصناعة عام1855،وبدأ حياته العملية بالعمل كأحد الفنيين فى ورش هيئة السكك الحديدية الفرنسية،ومن خلال عمله فى تلك الوظيفة شارك فى بناء كوبرى السكة الحديدية فى مدينة بوردو عام1864. 

ومن المعلومات قليلة الانتشارعن إيفل أنه شارك فى الفترة من 1864ـ 1866 بدراسات عن مشروع حفرقناة السويس،ولكن لم تستمرعلاقته بالمشروع،ثم تفرّغ لتأسيس مكتبه الهندسى،ومن خلال هذا المكتب تولى تنفيذ العديد من المنشآت المعدنيةالخاصة بالكبارى فى دول مختلفة،مثل: البرتغال، إسبانيا، رومانيا بالإضافة إلى فرنسا. 

وفى عام1876 ذاع صيت جوستاف وتردّد اسمه، حينما فازتصميمه لبناء كوبرى نهردورو Douro بالبرتغال،وذلك فى المسابقة الدولية التى أعلنتْ عنها حكومة البرتغال،وكان سبب اختياراللجنة كما جاء فى الحيثيات: إنّ تصميم إيفل يتميزبالجمال..مع رخص التكلفة، مقارنة بالتصميمات الأخرى، إضافة إلى تطبيقه لنظرية جديدة فى الهندسة الإنشائية المعتمدة على اكتشافات ماكسويل عام1864.. أى أنّ إيفل كان يـُـتابع الإنجازات العلمية فى عصره، فعلم أنّ العالم جيمس كليرك ماكسويل (1831ـ 1879) عالم الفيزياء الأسكتلندى أبدع معادلاته الرياضية ـ التى فسـّـربها ظهورالموجات الكهرومغناطيسية.

ومن بين إنجازات إيفل الشهيرة تصميمه للقاعدة التى تـمّ نصب تمثال الحرية  عليها فى خليج نيويورك بالولايات المتحدة، ومكتوب على تلك القاعدة: تاريخ 4يوليو1776 للتذكير بإعلان استقلال أمريكا،وتحكى قصة التمثال أنه كان من المزمع تولى المهندس المعمارى يوجينى لودوك مسئولية تشييد القاعدة، ولكنه تــُـوفى بعد تكليفه بالأمربعدة أيام،ومن هنا جاء تكليف إيفل الذى كان أول ما فكرفيه هو تشييد هيكل معدنى،كإطار للتمثال، ومن ثـمّ تـمّ نقله من فرنسا إلى أمريكا عن طريق ميناء نيويورك فى يونيو1885،وتـم تدشينه فى 28 أكتوبر1886. 

لكن كل ما سبق يتوارى أمام إنجاز جوستاف إيفل الأهم، وهو تصميمه للبرج الذى يحمل اسمه فى قلب باريس،ويزوره الملايين من كل أنحاء العالم فى كل عام، ويمثل أهم رمز وطنى لفرنسا فى العصر الحديث،وقد تم تصنيع البرج كاملا من الحديد،ويبلغ ارتفاعه 324 مترًا،ويقع فى أقصى الشمال الغربى لحديقة شامب دى مارس بالقرب من نهرالسين،وتولى جوستاف إيفل ومعاونيه من فنيين ومهندسين عملية الإنشاء،وذلك بمناسبة المعرض الدولى لباريس عام1889،ومنذ ذلك التاريخ أصبح البرج أحد أهم رموزالعاصة الفرنسية،والمقصد السياحى الأول بها.   ويندهش الزوارمن الارتفاع الشاهق للبرج،والذى يبلغ 2ر313مترًا،وظلّ هذا الارتفاع ثابتًا لمدة 41 سنة،ثم تمّـتْ زيادة الارتفاع تواليًا أكثرمن مرة..وذلك بفضل تشييد العديد من الهوائيات، ليصل ارتفاعه إلى 327 مترًا فى مارس2011.. كما تـمّ استخدام البرج لإجراء الكثيرمن التجارب العلمية، بالإضافة إلى بث برامج الإذاعة والتليفزيون. 

 

                                   

وللأمانة العلمية يجب الإشارة إلى أنّ فكرة البرج ليست من أفكار إيفل، وإنما هى فكرة كل من (موريس كشلن) و(إيميل دوتوبى) وهما على التوالى شغلا منصب رئيس مكتب الدراسات، ورئيس مكتب طرائق إيفل وشركاء مكتبه..ونبعتْ الفكرة قبل سنوات من معرض باريس عام 1889،وهو التاريخ الذىيوافق الذكرى المئوية للثورة الفرنسية (1789)،وتـمّ الانتهاء من المخطوط الأول للبرج فى يونيو1884، وبعد ذلك أدخل (ستيفان شوف سترى) رئيس المهندسين المعماريين، بعض التحسينات، وفى أول مايو1886 وقــّـع وزير التجارة والصناعة (إدوارد لوكراى) الذى كان من أشد المتحمسين لمشروع البرج قرارًا بفتح مناقصة فى إطارالمعرض السنوى لعام 1889..وتقـدّم جوستاف إيفل للمناقصة بهدف (التصميم والتشييد) وفاز بها،وكان ذلك قبل المعرض السنوى بعاميْن، حيث تـمّ توقيع العقد مع إيفل عام 1887. 

واستمرّتْ أعمال الإنشاءات لمدة 26 شهرًا بمشاركة ما يقرب من خمسين مهندسًـا وثلاثمائة عامل،وذلك بمراعاة أنه فى الخمسة شهور الأولى تـمّ بناء الأساسات، بينما استغرق بناء البرج 21 شهرًا التالية وبالتالى انتهتْ جميع الأعمال فى 31مارس1889..وكان الافتتاح الرسمى فى 6مايو1889..ويعتبر المهندسون (فى القرن العشرين) أنّ المدة التى استغرقها بناء البرج وملحقاته قياسية جدًّا ونموذجية، قياسًـا إلى نوعية الآلات والأدوات التى كانت مُـتاحة ومُـتوافرة فى القرن التاسع عشر، ومُـقارنتها بما حدث من تطورمذهل فى صناعة الأدوات والآلات فى القرن العشرين. 

وتحرص بلدية باريس أنْ يكون البرج مفتوحـًـا للجمهورطوال أيام السنة.. فلا يتم الإغلاق أيام الأعياد، وذلك من خلال نظام تناوب الموظفين بما يـُـعرف ب (ورديات العمل)، ولعلّ بسبب هذه الآلية فإنّ إدارة البرج تستقبل أكثرمن 6 ملايين زائرسنويـًـا. 

وظل برج إيفل يحمل صفة أطول مبنى فى العالم حتى سنة 1930،تاريخ بناء مبنى كرايسلر فى نيويورك (وهذا المبنى أقامه رجل الأعمال الشهيرخاصة فى مجال السيارات (والتركرايسلر)،وتـمّ تسجيله ضمن النــُـصب التاريخية منذ يونيو1964 وتسجيله كذلك ضمن التراث العالمى فى منظمة اليونسكومنذ عام1991. 

 

لكن جوستاف إيفل الذى قدم كل هذه الإبداعات والتصميمات المذهلة، وقدم لباريس رمزها الوطنى الأشهر، تعرض فى أواخرحياته لتشويه اسمه وتاريخه من بعض خصومه، حيث رُفعتْ ضده وضد فردينالد ديليسبس دعوى قضائية بتهمة الرشوة فى مشروع قناة بنما، وصدرالحكم بتبرئة إيفل،لكنه بعد هذه الواقعة قرّرالتفرغ للبحث العلمى، وأمضى ما يقرب من الثلاثين سنة الأخيرة من حياته فى دراسة "مقاومة المبانى للرياح..وتصميم نفق للرياح".

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg