رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الليبرالية و١٩١٩..من أفضي للآخر ؟

الليبرالية و١٩١٩..من أفضي للآخر ؟
 
تحدث الثورات تغييرًا جذريًا فى العلاقات الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية، تغييرا يتخلل كل شىء، ويخلخل كل شىء، هادمًا القديم، بانيا الجديد، فى كل مجال واتجاه، فتمس الثورة بعصاها السحرية كل شىء فى المجتمع، وتقلبه رأسًا على عقب، ماديًا ومعنويًا وينتج عن هذه العملية، ويلازمها، تغير مادى ومعنوى، فتتقدم مجموعة من القيم بينما تتقهقر أخرى. 

محمد حافظ ابراهيم 

 

وتتصدر سلم القيم الصاعدة قيمة الحرية التى تغدو رأس حربة فى عملية الحراك الاجتماعى والسياسى، هذا ما أفضت إليه ثورة 1919 فى مصر التى امتدت شعلتها لتنير البر المصرى كله من أقصى جنوبه لأقصى الشمال ومن غربه إلى شرقه، وهدمت نتائجها كل القواعد التى ظن المحتل بمشاركة السلطة الحاكمة أنها لن تتزعزع أركانها فأنتجت وعيًا شعبيًا وسياسيًا وحركة قومية نشطة لها مبادئها ومطالبها التى حملتها على عاتقها، بهدف تحقيقها، مثل استقلال مصر ووضع دستور وإقامة حياة نيابية وتشكيل أحزاب قائمة على الحرية. وهنا علينا أن نجيب عن السؤال المطروح: أيهما أفضى للآخر الليبرالية أم ثورة 1919؟.

 

إرهاصات الليبرالية المصرية

 تعود أصول الأفكار الليبرالية فى مصر إلى بداية الاحتكاك بالحضارة الأوروبية بعد الحملة الفرنسية فى أواخر القرن الثامن عشر وإلى أفكار طلائع المثقفين الإصلاحيين الذين أرادوا المواءمة بين قيم الليبرالية الأوروبية وأفكارها وبين التراث الإسلامى وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوى (1801 – 1873) ثم محمد عبده (1849 - 1905)

وبشكل عام يمكن أن  تتبلور هذه الإرهاصات فى عدد من العوامل التى أسهمت فى نقل الليبرالية إلى مصر لعل أهمها:

آ- الحملة الفرنسية (1789 - 1801): بما شكلته من صدمة ثقافية وفكرية لمصر، وفتحها لأفكار المصريين على العالم الجديد، والفارق الحضارى الذى يفصلهم عن أوروبا. 

ب-الخبراء الأجانب والبعثات العلمية إلى أوروبا: حيث توثقت صلات مصر بأوروبا فى عهد محمد على، إذ اعتمد فى تجربته الرائدة فى بناء دولته الحديثة على عدد من الخبراء الأجانب من الإيطاليين والفرنسيين.  ج- حركة الترجمة: شكلت الترجمة أحد أهم منافذ الفكر الأوروبى إلى مصر، وقد بدأت فى عهد محمد على الذى أولاها رعاية خاصة، اقتناعًا منه بضرورتها للاطلاع على منجزات العلم الأوروبى، وكان تركيزه منصبًا على الكتب العلمية، واعتمد فى البداية على عدد من المترجمين الأوروبيين، ثم على الطلبة المصريين العائدين من البعثات العلمية. من أمثال رفاعة الطهطاوى الذى قام بترجمة ونشر العديد من الكتب والمراجع الأوروبية كما ترجم الدستور الفرنسى الصادر عام 1814م، ووثيقة حقوق الإنسان.

 د-الطباعة والصحافة: كان تطور الطباعة فى مصر بمثابة حجر الزاوية فى النشاط الثقافى من خلال حركة الترجمة والنشر، وميدان الصحافة. فعرفت مصر الصحافة سنة 1828م، حيث صدر عدد كبير من الصحف والمجلات طوال القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين وحتى الوقت الراهن، وقد لعبت الصحافة والمجلات دورًا بارزًا فى التعريف بالثقافة والفكر الأوروبى الحديث، وتعتبر صحيفة (الجريدة) الصادرة عام 1907م، حاملة لراية الدعوة للفكر الليبرالى، ولسان حال حزب الأمة ذى التوجهات الليبرالية المعروفة، والتى كان يرأس  تحريرها أحمد لطفى السيد. 

 

الحركة الأدبية وثورة 1919

 إن ثورة الأدب فى تلك الحقبة باتت الوجه الملازم لثورة الفكر وإن الثورة الإبداعية سرعان ما تتحول إلى مرآة للتغيير الثورى على كل المستويات، والتى غدت مطلبا حيويا فى فئات الأفندية من أبناء شرائح الطبقة الوسطى التى ينتسبون إليها، على اختلاف تراتبها الذى تجمعه الثورة حول أهداف محددة، من منطلق التحرر الجمعى والفردى، الفكرى والإبداعى. وعندما نتحدث عن هذه الفئات فإننا نعنى جيل محمد حسين هيكل ومصطفى عبدالرازق ومحمد لطفى جمعة وعلى عبدالرازق وأحمد أمين وسلامة موسى وطه حسين وعباس العقاد وغيرهم من أبناء الجيل المولود فى ثمانينيات القرن التاسع عشر. 

وقد اجتمع عدد من أبناء هذ الجيل المتمرد، قبل ثورة 1919، بسنوات معدودة، وشارك عبدالحميد حمدى فى إنشاء مجلة (السفور)، التى أعلن كتابها أنهم (جماعة أدبية) وظلوا يصدرونها إلى أن فرقهم سفر الكثيرين منهم إلى الخارج، وقد أعلنت المجلة، فى عددها الأول عن كتّابها بأنهم «طائفة من أبناء مصر يشعرون بحاجتها إلى حرية الفكر، وقوة الشعور وحسن القبول للجديد النافع وظلت المجلة تدعو إلى التحرر من كل قديم جامد، ومحاولة البحث عن أدب مصرى، وكان من أبرز الكتاب الذين كتبوا فى هذه المجلة، الأخوان مصطفى وعلى عبدالرازق، ومحمد حسين هيكل، وأحمد ضيف، وطه حسين، ومحمد تيمور، ومنصور فهمى، وغيرهم ونشرت المجلة ترجمات عديدة من الأدب الروسى، والفرنسى، والإنجليزى. وتعتبر مجلة(السفور) أولى المطبوعات التى أكدت حضور طليعة أدبية وفكرية فى مصر، ابتداء من التسمية نفسها، فلم يكن المقصود بالسفور الإشارة إلى أن المرأة وحدها هى المحجبة فى مصر، فيما يقول عبدالحميد حمدى فى مفتتح العدد الأول الذى صدر فى الحادى والعشرين من مايو 1915، وإنما الإشارة إلى أن نزعات المصريين وكفاءاتهم ومعارفهم وأمانيهم محجبة.

فيما كتب مصطفى عبدالرازق (فى العدد الرابع) ردا على الهجوم الذى انهمر من طوائف متباينة، سرعان ما وجدت فى (السفور)، تهديدا للأوضاع الثقافية القائمة التى هزّتها جسارة توجه (السفور) وشجاعة تناولها المشكلات.

وفى الواقع أن الملمح الأدبى الملازم لأدباء جيل ثورة 1919هو أنهم أسسوا لكتابة وطنية، ظلت المصرية فيها موازية للعصرية، واستطاع الأدباء من أبناء جيل ثورة 1919 أن ينتزعوا لأنفسهم مساحات من الحرية لم تكن موجودة من قبلهم، وأن يؤسسوا تقاليد ليبرالية لحرية الرأى وحق التعبير الإبداعى الكامل، سمحت لمن جاء بعدهم أن يستمد منهم شجاعة الفكر دون خوف.

 

أحزاب ما قبل 1919

 يعد عام 1907 من المحطات المهمة فى دراسة تطور الحياة الليبرالية والحزبية فى مصر، ويطلق معظم المؤرخين على هذا العام “عام الأحزاب” ، حيث شهد ميلاد خمسة أحزاب هى: الحزب الوطنى الحر: والذى سُمى فيما بعد بحزب الأحرار، وهو حزب موال لسلطة الاحتلال، الحزب الجمهورى المصرى، حزب الأمة: وكان حزب الصفوة من كبار الملاك المتعاونين مع سلطة الاحتلال، وقد تزعمه أحمد لطفى السيد، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، بزعامة الشيخ على يوسف، صاحب جريدة ( المؤيد)، وقد عكس هذا الحزب آراء القصر ومصالحه، الحزب الوطنى: وهو الحزب الذى قاد الحركة الوطنية حتى ثورة 1919، وقد تزعمه مصطفى كامل. ثم توالى بعد ذلك ظهور عدد من الأحزاب خلال بقية هذه المرحلة مثل حزب النبلاء أو الأعيان عام 1908، والحزب الاشتراكى المبارك عام 1909. أما بالنسبة لحزب الوفد فعلى الرغم من اختلاف الآراء فى صاحب الفكرة الأساسية لإنشائه إلا أن أغلب الآراء تؤكد عن أن عمر طوسون هو صاحب فكرة إنشاء الوفد المصرى. ومهما يكن من أمر فقد اتفق كل من (طوسون وسعد) على تأليف الوفد، ولكن سـرعان مـا اختلفـت الآراء، عندما دخلت الفكرة حيز التنفيذ بما انتهى الى انفصالهما وتشكل الوفد بزعامة سعد زغلول، وبذلك فقد أخذ سعد يبرز القضية المصرية وكانت وكالة سعد للجمعية التشريعية وزعامته للمعارضة واعتراف زملائـه له بالزعامة وقوة الشخصية ومواهبهِ ومكانتهِ الخطابية كان كل ذلك يؤهله للتحدث باسم الأمة. واستطاع  سـعد زغلـول أن يكسب عددًا من مؤيدى الحزب الوطنى ومنهم (مصطفى النحاس) وبذلك أصبح اسم الوفـد يمـلأ الأسماع.

 تكون الحزب فى سبتمبر 1918 م، وتألف الوفد فعليًا فى 13 تشرين الثانى 1919، على النحو الآتـى سعد زغلول رئيسًا، وعلى شعراوى وعبد اللطيف المكبانى ومحمد على علوبة وكانت تجمعهم رابطة العضوية، وقد قرروا توكيلًا يوقع عليه من طبقات الأمة المختلفة، (إننا وكلنا عنا حضرات سعد زغلول باشا وعلى شعراوى باشا ومحمد محمود باشا وأحمد لطفى السيد بك ولهم أن يضموا لهم من يختارون فى أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعى سبيلًا فـى اسـتقلال مصر تطبيقًا لمبادئ الحرية والعدل التى تشير بها دولة بريطانيا العظمى وحلفاؤها ويؤيدون بموجبها تحريـر الشعوب)، وبعد أن تكون الوفد رفض السير (ونجيت) سفر الوفد إلى باريس لعرض القضية المصرية علـى مؤتمر الصلح، وبعد هذا الرفض خرجت المظاهرات وذلك بسبب نفى سعد زغلول وجماعته إلى مالطا، واشترك فى الثورة جميع الطبقات المؤيدة لحزب الوفد، من العمال والفلاحـين والطبقة الوسطى والبرجوازية الرأسمالية والأمراء الذين يرغبون بتوسـيع صـلاحياتهم، وحـاول الـسفير البريطانى أن يحد من الثورة، عندما وافق على سفر الوفد إلى باريس بعد أن أطلق سراح سعد ورفاقه، وسرعان ما خاب أمل الشعب المصرى من جراء هذا المؤتمر فاستمرت الثورة، وقد نجحت الثورة وتداعياتها فى دفع الحكومة البريطانية إلى إصدار تصريح 28 فبراير 1922، وفى 19 أبريل 1923 صـدر  الدستور وأجريت الانتخابات وفاز الوفد بأغلبية جماعية وألف سعد زغلول الوزارة فى 28 فبراير 1924.

 

 

للمزيد عدد يناير من مجلة  ديوان الأهرام موجود حاليا بالاسواق 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg