رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

بقلم الأستاذ : عباس محمود العقاد ...كان بيت الأمة قدوة للبيوت

 بقلم الأستاذ :

          عباس محمود العقاد 

 

                                                                                    

 


أول ما أعلمه عن السيدة الجليلة " أم المصريين " أنها كانت –رحمها الله – نموذج الزوجة المثالية للرجل العظيم .. 

كانت تثق بعظمة "سعد" قبل أن تظهر تلك العظمة التى وثق بها جميع المصريين، واعترف بها غير المصريين، وقلما يبقى مع الألفة مجال للإيمان بالعظمة إلا أن تكون العظمة قد بلغت غايتها، أو يكون المؤمن بها قد بلغ الغاية من الفطنة لها وصدق الشعور بأسرارها، وقد تحقق هذا وذاك لسعد زغلول وصفية زغلول. فكانت عظمته آية فى القوة الواضحة، وكان إيمانها آية فى الفطنة وصدق الشعور.

كانت تثق به فيما تعلم وفيما لا تعلم، وحدثتنى رحمها الله عن عاداته التى جرى عليها فى مفاتحتها بشئونه الخاصة والعامة، فقالت : 

" إن سعدًا كان يطلعنى على كل شىء يهمه. فإذا كان الأمر يشغله ولا يحب أن يتحدث فيه وضع أصبعه على فمه مازحًا إشارة إلى السكوت..  فأتركه فى تلك اللحظة ولا أكرر عليه السؤال "

 

سعد لا يحب العنف

كانت تثق بلطفه ورقة حسه، كما كانت تثق بقدرته وشدة بأسه، واتفق مرة أن جماعة من جمهرة الشعب قدموا إلى " بيت الأمة " صاخبين مندفعين، يعلنون احتجاجهم على اعتقال " سعد" وإقصائه إلى منفاه، ويحملون الهراوات يلوحون بها فى الهواء ويضربون بها الجدران والعمدان هنا وهناك، فخرجت رحمها الله إلى شرفة " بيت الأمة " غاضبة توشك أن تبكى من الغضب، وصاحت بهم " ما هذا ؟ أبمثل هذه المظاهرة تحبون سعدًا وتذكرونه؟ .. من تظنون سعدا؟ إن سعدًا كان لطيفًا لا يحب العنف ولا يسره أن يراه.." وغلبتها الحدة فانطلق لسانها بالتعبيرات التى كانت مألوفة فى البيئة التركية التى نشأت فيها، فجعلت تقول : " إن سعدًا " نازك" فلماذا تحيونه بضرب الجدران والعمدان من هنا وهناك؟".

كانت تثق به حتى فيما يثير شكوك الزوجة بغير دليل، فقد كتب إليها بعض الحاقدين فى أول عهدها بالزواج يقول لها: إن سعدا تزوج فى شبابه من إحدى بنات بلدته، وإن له ذرية من زوجته الأولى يعيشون فى تلك البلدة، وشاعت هذه الفرية وتناقلتها ألسنة السيدات من قريباتها ومعارف أهلها، فكذبتها دون أن تسأل عنها، وجزمت من غير سؤال باستحالتها، لأن رجلًا فى مثل أخلاقه التى عهدتها لن يكذب عليها ولن يخدعها، وبلغت جرأة الفضول ببعضهن أنها زارتها ولم تجد سعدًا عندها فى حجرة الزيارة، فسألتها: " أصحيح أن زوجك له قرينة أخرى وبيت آخر يتردد عليه؟ " .. فقالت لها: «نعم له زوجة أخرى ولكنها تقيم معه فى هذا البيت» وأخذتها مع الزائرات إلى حيث كان " سعد" فى تلك اللحظة فقالت لها: " أنصتى! فها هو ذا يتحدث إلى زوجته الأخرى! " .. وكان سعد فى تلك الأيام يدرس الفرنسية وعلوم الحقوق استعدادًا للامتحان فى باريس، وكان يقرأ على الطريقة الأزهرية بصوت مرتفع. فلما اشتد العجب بالزائرة وصويحباتها من صبرها على هذه الحالة، جعلتهن ينظرن إلى داخل مكتبه، والى جانبه سرير أعده للنوم لئلا يزعجها إذا طالت المذاكرة .. فتهامسن  داهشات: " ولكن أين الزوجة؟".. قالت: " الزوجة هذه الأوراق! " .

 

وحدة الروح بين سعد وصفية

حدثتنى السيدة صفية رحمها الله بهذه القصة فأردت أن أستقصيها استقصاء المؤرخ الذى لا يكتفى بالنفى لمجرد الثقة والطمأنينة النفسية، فسألت العالم الجليل المرحوم الشيخ محمد زيد الإبيانى – وهو من بلدة الزعيم العظيم – فاستبعدها جدًا وقال: " إن أبياته قائمة على أسر ثلاث هى أسرة " الزغاللة " وأسرة " زيد" وأسرة «حسام الدين»، فلو تزوج سعد من بلدته لتزوج من إحدى هذه الأسر واشتهر أمر زواجه. وبعيد جدا أن يتزوج مثل سعد من فتاة مجهولة النسب. لأنه عار شديد بين أبناء الريف".

هذه الثقة جديرة بشريكة الرجل العظيم فى حياته، ودليل على الزعامة التى استحقت ثقة الملايين، ولكن المشاركة النفسية لم تكن هى الفضيلة الزوجية الوحيدة التى امتازت بها هذه الزوجة المثالية، لقد كانت ربة منزل كما كانت شريكة حياة، وقد رأيتها فى " مسجد وصيف " تشرف بنفسها على المطبخ وإعداد الطعام، وعلمت أنها لم تنقطع يوما عن هذه العناية منذ احتاج زوجها العظيم إلى التغذية الخاصة التى توافقه فى حالته الصحية، ومعنى ذلك أن هذه السيدة ربيبة النعمة والحسب، وربة الخدم والأتباع، تدين نفسها بالواجب الذى يأنف منه كثير من الزوجات، وهن لا يرتفعن إلى منزلتها فى الحسب والتربية والمكانة الاجتماعية. وقد أصبح معروفًا عند الكثيرين اليوم أنها عاشت مع زوجها نحو عشرين سنة مشتركين فى المعيشة لا ينعزل لأحدهما حساب عن حساب الآخر، وقلما عرف الناس مثل هذا الامتزاج بين الزوجين فى المال والملك والشعور والوفاء.

ويزيد فضلهما فضلًا فى هذه المزية النادرة أنهما لم يرزقا الذرية، وهى التى نفسر بها وثاقة الصلة بين الزوجين فى كل بيت اشتهر بالوئام والمودة، فلا فضل إذن فى هذه الزوجية المثالية لغير الخلق الكريم والروح السمحة والأدب الرفيع. وظلت " أم المصريين " محافظة على هذه الوحدة الروحية بعد أن فصل الموت بينها وبين شريكها فى الحياة، فلم تلق بعد وفاته أحدًا من قصاد " بيت الأمة" غير الذين لقتهم عند سعد فى حياته، ولم تنقل شيئا من أثاث المنزل إلى موضع غير الموضع الذى رآه.

بيت الأمة قدوة للبيوت 

لقد كان " بيت الأمة " قدوة للبيوت التى تتمناها الأمة لجميع أبنائها: بيت يعيش فيه إنسانان معيشة إنسان واحد، فلا فاصل بينهما فى الحياة ولا بعد الممات، وقد نفى سعد مرتين، مرة إلى جزيرة مالطا ومرة إلى جزيرة سيشيل ثم جبل طارق .. وفى كلتا المرتين كانت " أم المصريين " تلح على " السلطة " فى إلحاقها بقرينها المنفى حيث كان، وقد لحقت به فعلا فى منفاه بجبل طارق وهى لا تعلم متى يكون الإفراج عنه، ولم تكف عن طلب اللحاق به فى سيشيل إلا حين علمت أن غيابها عن مصر مقصود للقضاء على شعلة الحماسة التى كانت تذكيها فى مصر بوجودها فى «بيت الأمة» ومخاطباتها الشعب من حين إلى حين بما يحفظ تلك الحماسة متقدة فى الصدور.

 

للمزيد عدد يناير من ديوان الأهرام موجود حاليا بالأسواق 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg