رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

«إحسان»صانع الحب والحرية

«إحسان»صانع الحب والحرية 

«كلما ارتقى الإنسان كان أكثر حرصا على أن يواجه الحقيقة بنفسه، وكلما ظل متأخرا ظل يهرب من الحقيقة وهى تلاحقه إلى أن تنتصر عليه».. مبدأ كان من أكثر ما جذبنى لأدب إحسان عبد القدوس، فلم تكن «أنا حرة»، ولا سيمفونية التحرر التى عزفها من أجل نساء عصره ومن يجئن بعدهن، على أهميتها، هى دافعى الوحيد لاحترام ذلك الأديب الكبير وحبه أدبيا وإنسانيا، وإنما هى تلك القيمة الإنسانية الثمينة التى جعلته يرد على الرئيس جمال عبد الناصر عندما اعترض على روايته «البنات والصيف»، بأن «الواقع أقبح من ذلك»، هى تلك الشجاعة فى قول الحق، أو ما يراه حقا، فى الأدب مثلما فى الحياة التى خاض ميادينها صحفيا وفارسا وأديبا. 

ملف من إعداد : رئيس التحرير / زينب عبد الرزَّاق

                               

 

"أنا إنسان مستسلم لقدره إلى حدالسذاجة ولعل هذا راجع لظروفى الخاصة التى فرضت على أموراً لو لم أكن قوى الإيمان بالله صادق التسليم بالقدر لما استطعت تحمله".. هكذا وصف نفسه بشجاعة ونبل صاحب الكلمة الجميلة والجملة الرشيقة والفكرة الجديدة، صاحب الرأى الحر، الصحفى الذى أنشأ مدرسة صحفية جديدة ومميزة، والذى - رفض لشدة حبه لوالدته - أن ينسب مدرسته لنفسه إنما نسبها إلى السيدة روزاليوسف.

 

 كانت مدرسة إحسان عبد القدوس (1يناير1919-11يناير1990)  الصحفية هى مدرسة النقد السياسى والاجتماعى، مدرسة الدفاع عن الحرية والديمقراطية، والتصدى للتسلط والفساد والرجعية، فكانت كتاباته الصحفية تعالج القضايا السياسية والوطنية والاجتماعية العامة، ولكنها ليست بعيدة أو متعالية عما يمس مصالح كل مواطن، إحسان عبدالقدوس  كان مدرسة فى الكتابة الصحفية و فى الدفاع عن الحرية كان  مؤسسة  ثقافية قائمة بذاتها.

ازدحم أرشيفه بآلاف المقالات السياسية القوية فهو أول من فجر قضية الأسلحة الفاسدة، وهو الكاتب السياسى الذى تسببت مقالاته فى أزمات وزارية عديدة وسقوط حكومات.. لم تكن حياته سهلة ترك عمله عدة مرات وتعرض كذلك  للاغتيال السياسى والاعتقال.

كانت مدرسته الأدبية هى مدرسة الرفض للقيود التى تكبل المشاعر، مدرسة تسمح بالبوح وتعذر الضعف الإنسانى، مدرسة الرفض للقبح والغش والضعف والتخاذل والخيانة، مدرسة الدفاع عن الجمال والصدق والمحبة والحرية والكرامة، مدرسة تعالج المشاكل الأسرية والشخصية، وفى الوقت نفسه تعبّر عن ظواهر وقيم اجتماعية ووطنية عامة. تختلف معه أو تتفق حول تحقيق صحفى أو قصة أدبية، لكنك فى النهاية لا تستطيع إلا أن تعترف بأن إحسان عبدالقدوس كان مدرسة شديدة التميز فى الكتابة الصحفية والسياسية، وكذلك الروائية والقصصية.. وإن اختلفت الزاوية، فقد كان شديد الواقعية فى كتاباته الصحفية، فى حين كان رومانسيا شديد الرقة والعذوبة فى الأدبية، عبر عن مشاعر حواء كما لم يعبر أحد، وغاص فى ثنايا القلب وحنايا الروح يلتقط الألم والحب، والحزن المر، والانكسار والتضحية والوجع الصامت والكبرياء المجروح، يشعر بضعفها وهزائم العمر المتعددة. ربما لذلك أطلق عليه أديب نوبل نجيب محفوظ "قاسم أمين الأدب العربى".

كانت مشاعر أبطال وبطلات رواياته تتدفق، وكأنها صلاة للحب والجمال والحرية والأمل والإنسانية، ربما كانت نشأته فى بيئتين متعارضتين، بيئة جده المحافظة وبيئة والدته الأكثر تحررًا، وراء ما يراه البعض تناقضا فى حياة وأدب إحسان عبد القدوس، لكن تلك النشأة كانت فى الوقت نفسه صاحبة الأثر فى تشكيل إحسان الذى أحبه الجميع، وربما لذلك كان إحسان مختلفا فى استيعاب ما يراه من حوله، كان دارسا لنقاط الضعف البشرية التى تحتم أحيانا على صاحبها أن يقول ما لا يؤمن به، لذلك فعندما أمسك البعض بأقلامهم وطعنوا بها أستاذهم، لم يغضب منهم، ولم يصدم فى مواقفهم، بل كان يجد لهم العذر، ويدافع عنهم لدى الذين ينتقدونهم قائلا: "لا تظلموهم، ابحثوا أولا عن الظروف التى أحاطت بهم، والضغوط التى فرضت عليهم، فهم فى النهاية مجرد بشر، وللبشر نقاط ضعفهم التى لا حول لهم ولا قوة أمامها". 

قال إحسان إن هدف قصصه "أن يسخط الناس ولكنهم بدلاً من أن يسخطوا على أنفسهم وبدلاً من أن يسخطوا على المجتمع سخطوا على الكاتب أى سخطوا عليَ أنا .. ولكنى كنت مؤمناً بأن مع استمرارى وتصميمى سينقلب السخط على إلى سخط على عيوب المجتمع ومن ثم يبدأ الناس فى التعاون على إصلاح ما بأنفسهم"، ولم يتعمد إحسان عبد القدوس اختيار نوع محدد من القصص أو اتجاه معين، ولكن فى القصة يبدأ بالتفكير فى عيوب المجتمع، وفى العقد النفسية التى يعانيها الناس، وعندما ينتهى من دراسة تلك الزوايا جميعها، يسجل دراسته فى قصة.. يقول إحسان: "كل القصص التى كتبتها كانت دراسة صادقة جريئة لعيوب المجتمع، وهى عيوب قد يجهلها البعض ولكن الكثيرين يعرفونها، وهى عيوب تحتاج لجرأة الكاتب حتى يتحمل مسئولية مواجهة الناس بها"، ولكى يكتب قصة يجب أن يكون في ذهنه هدف وغاية، وأن يكون هناك مغزى وحكمة ومحور تدور حوله أحداث القصة، بعد ذلك يأتى تداخل الأشخاص والأحداث والذكريات، ففي "أين عمرى" يقول إحسان: "إن العمر لا يحتسب بالسنين"، وفى "لا أنام"...كتب "أنا الخير والشر معاً لأني إنسان"، وفى "بئر الحرمان"...قال: "لا تسألوا الناس .. اسألوا الظروف، وفي قصة "لا شىء يهم" كتب "إننا لا نسير فى الحياة ولكننا نحملها ونسير بها"، وفى "لا تطفئ الشمس" يقول: "الحياة مبادئ، ابحث عن مبادئك تجد حياتك"، أما فى "أنا حرة"..فيقول "الحرية هى المسئولية، وعندما تقول فتاة أنا حرة فهى تقول انا مسئولة"، وفى الوسادة الخالية «فى حياة كل منا وهم كبير يسمى: الحب الأول .. لا تصدق هذا الوهم.. إن حبك الأول هو حبك الأخير..» وغير ذلك من المقولات الخالدة فى "صانع الحب"، و"النظارة السوداء"، و"فى بيتنا رجل" و« إمبراطورية ميم» و «لا أكذب ولكنى أتجمل» وغيرها من الأعمال الخالدة.

 ولا تنفصل مقولات إحسان ومبادئه فى رواياته عن القيم التى عاشها وكان نموذجا حيا لها طوال حياته فقد كان مثلا يترفــّـع عن الخوض فى سيرة الآخرين ، بالرغم من أنّ ترفعه هذا كان يتسبب فى (تثبيت التــُـهم) الموجـّـهة إليه أحيانا.. ولكنه كان راقيا متمسكا بنبله، ومن أمثلة ذلك الشائعة التى ردّدها كثيرون عن أنّ إغلاق مجلة الطليعة التى كان رئيس تحريرها المفكر (لطفى الخولى) كان بإيعاز من إحسان عبدالقدوس، وقد أرسل لطفى الخولى رسالة إلى مجلة روزاليوسف.. ورسالة أخرى إلى يوسف السباعى (رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام) شرح فيهما ظروف إغلاق المجلة، وعاتب السباعى على قراره، وبالرغم من أنّ إحسان كان يعلم  الحقيقة ، فإنه كان يرفض الحوار مع أى صحفى بشأنها.. قائلا : "اذهب إلى غيرى وتحرّ الحقيقة؟".

"عشت حياتي كلها أشعر بالوحدة بين الناس، دون أن آخذ شيئاً من كفاحى إلا استمرارى فى الكفاح من أجل الحرية»، بهذه الكلمات الفلسفية البسيطة يلخص إحسان نظرته إلى نفسه ونظريته كإنسان يحمل تحت جلده قضايا وهموم مجتمع بأسره، مجتمع يعايشه ويعيش فيه، يسايره ويسير معه، يحمله ويحتمله، يحلم به ويحلم له، فقد عاش حياته طولا وعمقا دون أن يتنازل عن مبدأ، بل ظل حريصا على ألا يبدأ فى التنازل مهما كانت النهاية، فقد كان عاشقا متيماً بالحرية ..مدافعاً عنها ...ومندفعاً إليها.

                                           

 

 

 هذا هو إحسان عبد القدوس كاتب الحب وصانع الحرية، ولذلك كان من حقه على»ديوان الأهرام» أن تحتفل بمرور مائة سنة على ميلاده، فسيبقى إحسان عبدالقدوس فى تاريخنا السياسى والصحفي والأدبى نموذجًا للشخصية القوية الفعالة التى كان لها فى عصرها (والعصور التالية) أعظم القيمة والتأثير، وسوف يبقى موضوعًا لدراسات كثيرة متنوعة ما بقى لنا فكر وأدب وإنسانية وكفاح وحركة وطنية نابضة بالحياة .

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg