رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

د. ســامــح فــوزى يكتب ..المصريون فى بريطانيا

المجتمع المصرى فى بريطانيا متنوع دينيًّا وثقافيًّا، جيليًّا ونوعيًّا، مما يجعله صورة مصغرة للشعب المصرى فى تكوينه، وأسلوب حياته وتفكيره. ويفضل المصريون بريطانيا لأسباب متعددة فهى الدولة التى استعمرتهم لأكثر من سبعين عاما، وكثير منهم من الطبقة العليا تعلم فى جامعاتها العريقة، وهى تتسم بقرب مكانى مقارنة بالولايات المتحدة، ونمط الحياة بها الذى يتسم بالتعددية الثقافية يسمح لكل من يريد أن يعيش بثقافته أن يجد مكانًا له. والدليل أنك عندما تدخل مكانًا له طابع تظن أنك فى مصر سواء كان متجرًا، أو كنيسة أو مسجدًا. 

المسألة لها جذور سابقة

العلاقة التى تحكم المصريين ببريطانيا علاقة «إعجاب وتحفظ»، فهى أقرب العواصم إلى قلوب قطاع عريض منهم، ولكن النظرة تجاهها تتسم بالتحفظ نظرًا للخبرة الاستعمارية السابقة. التاريخ يقول إن الاتصال بين المصريين والغرب فى العصر الحديث لم يكن من البوابة البريطانية، إذ عندما أسس محمد على النهضة المصرية أرسل أول بعثة إلى إيطاليا عام 1813، لدراسة فنون الطباعة، وأخرى إلى فرنسا 1818 لدراسة العلوم العسكرية لبناء جيش مصرى قوى، وعلى مدى القرن العشرين استمرت هجرة المصريين إلى أوروبا، بالتوازى مع هجرة أوروبيين واستقرارهم فى مصر، ولكن وتيرة الهجرة زادت منذ حقبة الستينيات. 

سافر عدد قليل من المصريين إلى بريطانيا فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين بغرض الدراسة. وفى أعقاب ثورة 23 يوليو عام 1952م هاجر عدد من المصريين، بالأخص الطبقات العليا والمهنيون إلى بريطانيا. وفى السبعينيات من القرن العشرين ظهرت موجة أخرى من المهاجرين ساعد على ذلك قرار الرئيس أنور السادات بإلغاء «تأشيرة الخروج» التى كانت مطبقة فى عهد الرئيس عبد الناصر. 

فى تلك الأثناء كانت السلطات البريطانية تسمح للمهاجرين المصريين بالإقامة والعمل، وكان ما يقرب من نصفهم من العمالة اليدوية التى تحصل على أجور منخفضة فى المطاعم والخدمات الصناعية، والنصف الآخر من المهنيين الذين سعوا إلى بناء قدراتهم المهنية، ومواصلة الدراسات العليا فى الجامعات البريطانية. 

وتشير الخبرة إلى أن ما يقرب من نصف المصريين يعيشون فى لندن مثلما يتركزون فى القاهرة، بينما يتوزع الباقى على سائر المدن الإنجليزية الأخرى. أثرياء المهاجرين يعيشون فى أحياء «مترفة» فى لندن مثل Hampstead, St John’s Wood, Kensington فى حين تعيش الطبقة الوسطى فى أحياء مثل Earls Court, Notting Hill . وهناك من اختار أن يسكن فى ضواحى العاصمة بحثا عن السكن الأرخص والحياة الأقل تكلفة مقارنة بوسط لندن. وبرغم ذلك تجد مصريين مهاجرين فى أسكتلندا، برايتون، برمنجهام، وغيرها من المدن الإنجليزية. وبالتالى فإن المصريين، على خلاف بعض مجتمعات المغتربين الأخرى ليس لهم أماكن يتركزون فيها، منغلقة عليهم، وهو ما يعرف باسم «الجيتو». ورغم أن شارعى Edgware Road و Bays water فى قلب لندن من الشوارع التى تحمل بوضوح ملامح الحضور العربى، ومهبط السياحة القادمة من دول الخليج، إلا أن حجم الحضور المصرى فى كل منهما ليس كبيرًا، ولا يمكن اعتباره «جيتو» مغلقًا على المهاجرين المصريين دون سواهم، وكثير من الطبقة المهنية المتعلمة المصرية تفضل عدم الوجود فى التجمعات التى تتكون فى هذه المنطقة من قلب لندن. 

فى دراسة أجريت عام 1997م على عينة من المصريين المقيمين فى بريطانيا من الجنسين، مسيحيين ومسلمين، يعيشون فى لندن وخارجها، تبين أن المهاجرين المصريين لديهم القدرة على الاندماج فى البوتقة متعددة الجنسيات فى بريطانيا، يعود ذلك إلى طبيعتهم الودودة، وانفتاحهم على الآخرين، وقدرتهم على الإفادة من الفرص المتاحة لهم، فضلا عن رغبتهم دائمًا فى الاستقرار، والبقاء خارج دائرة الصراعات السياسية فى الدولة التى تستقبلهم. 

إذا اتجهنا إلى المقارنة بين المصريين وجنسيات عربية أخرى سنجد اختلافًا كبيرًا. على سبيل المثال نجد المغاربة يرتبطون بهويتهم الأصلية على نحو واضح، إلى الحد الذى يجعل قطاعًا كبيرًا منهم يفضل العودة خلال العطلة الصيفية للدراسة إلى المغرب، لتجديد الروابط، وإيجاد فرص زواج لأبنائهم، والاستثمار فى المشروعات المحلية. الهوية المغربية حاضرة لدى المغاربة المهاجرين بقوة، وهم يتركزون فى ضاحية North Kensington  بلندن، ويسكنون بالقرب من بعضهم بعضًا. كذلك اليمنيون الذين يشكلون مجتمعًا يعود فى تكوينه المبكر إلى القرن التاسع عشر، حيث استقر عدد منهم، وتزوج سيدات بريطانيات، ويعيشون فى الأحياء التى توجد بها الطبقة العاملة فى الموانئ والمناطق الصناعية. ولم يعبأ الجيل الأول بتعلم الإنجليزية، وظل يعرف النزر القليل منها الذى يعينه على الحياة، فى حين أن الجيلين الثانى والثالث أكثر اندماجًا، ولكنهما فى الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بالتحولات والتطورات التى تحدث فى اليمن. تنطبق نفس الملاحظة على الصوماليين الذين جاءوا إلى بريطانيا هربا من النزاعات والحروب التى ارتبطت وأعقبت سقوط نظام الرئيس سياد برى، ولكن نظرًا لأن غالبيتهم من الطبقة الوسطى المتعلمة، والمهنية، فإنهم يشعرون أن ظروف العمل فى بريطانيا لا تلائمهم من حيث غياب الحوافز، وضعف الأجور، وبالتالى يطاردهم الإحباط المعيشى.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg